حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرأيالرئيسيةمجتمع

ملاكمون في جنازة الشنا

حسن البصري:

مقالات ذات صلة

في شهر يناير 2018، أقامت جمعية التضامن النسوي التي تعنى برعاية الأمهات العازبات «قداسا» دينيا، تأبينا لروح زوج رئيسة الجمعية عائشة الشنا، الذي فارق الحياة، ووري الثرى في مقبرة الرحمة بمدينة الدار البيضاء، بأقل حضور جماهيري بالرغم من المكانة الاعتبارية للناشطة عائشة التي فضلت أن تلف الحدث الأليم بكثير من السرية، مكتفية بالحزن على الراحل الذي رافقها في مسيرتها عن بعد والذي كان بدوره يرفض الأضواء.

منحت عائشة مبلغا ماليا للأمهات العازبات وطلبت منهن القيام بواجب التأبين على النمط المغربي بأقل إشعاع ممكن، بعد أن عانى الفقيد في صمت مع المرض. بكت النساء الفقيد وكأنه والد خارج دفاتر الحالة المدنية.

في حفل التأبين حضرت نساء من المدينة القديمة، قدمن شهادات في حق الراحل الذي كان من ضباط البحرية الملكية، عاش طفولته بين درب القرواني وبوسمارة وعرصة الزرقطوني. عرفت عائلته بعملها الخيري فوالدته كانت تفتح باب بيتها لإعالة عابري السبيل، وتعمل كل ما في وسعها من أجل تكريس خصلة العمل الخيري في المدينة العتيقة. بل إن أحد أفراد عائلته سبق الشنا في رعاية النساء في وضعية صعبة.

من المفارقات الغريبة أن لالة تاجة الولية الصالحة التي كانت ترعى المحتاجات لا يبعد ضريحها إلا بأمتار قليلة عن مسكن عائلة زوج عائشة، وكأنه استلهم العمل الإحساني من ولية صالحة لازال قبرها يحتاج لوقفة من عمال النظافة.

كثير من ساكنة المدينة القديمة للدار البيضاء، يمرون مرور الكرام دون أن ينتبهوا إلى بيت مهمل أغلق بابه بإحكام في زقاق صغير وعن يساره لائحة تشير إلى وجود قبر لسيدة تدعى لالة تاجة الولية «الصالحة» وتحديدا بالحي الدبلوماسي، وعلى الرغم من لوحة التشوير فإن أغلب سكان الحي لا يعرفون شيئا عن هذا المكان ولا عن السيدة التي ترقد فيه.

وحدها عائشة الشنا كانت تنادي قيد حياتها بإعادة كتابة تاريخ هذه الولية التي كانت بمثابة أخصائية اجتماعية في زمن بالأبيض والأسود، وتحث المجتمع المدني على قبول النساء العازبات والتعامل معهن كمخطئات مطلوب من المجتمع منحهن الصفح أولا وفرصة ثانية لاستدراك غلطة العمر.

من المفارقات العجيبة أيضا في حياة عائشة، أن آخر تكريم لها كان في حفل أقامته جمعية لقدماء الملاكمين المغاربة، تساءلت حين تلقت الدعوة: «ما علاقة «البوكس» بالأمهات العازبات؟»

وفي كلمتها أمام الحاضرين، بحثت عن نقط التلاقي بين الملاكمة والعمل الإنساني الذي كانت تناضل في محرابه، وقالت وهي تداعب الكلمات، إن غالبية الأمهات العازبات قد تعرضن لضربات قاضية من طرف الزمن وسقطن فوق الحلبة أياما وشهورا دون أن يلتفت إليهن أحد.

بين الملاكم المهزوم والأم العازبة أكثر من نقط تلاقي، فهما معا يحملان في أطراف جسديهما كدمات غائرة لا تمسحها مرهمات التجميل ولا يخفيها الزمن، كلاهما عانى من شدة اللكمات فوق وتحت الحزام، وحين استفاقا من غفوتهما وجدا نفسيهما في مواجهة نظرات مؤلمة.

كانت عائشة في آخر تكريم تجلس فوق كرسي متحرك، تقاوم المرض الذي أنهكها، لكنها تكشف عن قبضتي يديها الذابلتين، وتعلن أمام الحضور أن الهزيمة بالكاو أو بالنقط لا تعنيان نهاية الحياة.

ماتت زوليخة نصري التي كانت تنصت جيدا لانشغالات صديقتها عائشة، وقالت الأخيرة في تأبينها: «إن اليتامى والأرامل والأمهات العازبات وأطفال الشوارع في حداد». واليوم ونحن نودع عائشة نخشى أن تنضم الأمهات إلى جيش اليتيمات.

بين عائشة الشنا التي أحدثت انقلابا في مفهوم العمل الخيري، وفاطمة الشنا التي حاول زوجها إحداث انقلاب على النظام سنوات ضوئية.

 

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى