
يونس جنوحي
رغم أنه يعد الآن واحدا من أهم المصورين الصحافيين في العالم، إلا أن الأمريكي «توماس ماكافوي» ليس فقط أحد مؤسسي فريق مصوري مجلة «لايف» الشهيرة فحسب، بل أبرز أعمدة التصوير ومؤسس منهج في التصوير، اكتسب شهرة كبرى خلال فترة الحرب العالمية الثانية ما بين 1939 و1945.
عندما وُلد الابن «توماس» سنة 1905، لوالدين أمريكيين من الطبقة العادية، تشبع بثقافة الشارع الأمريكي المكون أساسا من طبقات المهاجرين من أوروبا الشرقية وبريطانيا.. وتعلم أصول «الاختلاط» في الشوارع الأمريكية، قبل أن يتعلم حمل الكاميرا.
وقد كتب عنه الناقد الأمريكي «د. فيني» سنة 1986، خلال إحياء الذكرى العشرين لوفاته قائلا: «تعود علاقتي بالعبقري «توماس ماكافوي» إلى سنة 1943، وقتها كانت الصحافة الأمريكية تتحدث كلها عن عملية الإنزال العسكري في سواحل شمال إفريقيا، وخصوصا المغرب. وقد قال لي وقتها:
-لا أريد أن أعلق في نيويورك، بينما العالم يشتعل هناك وراء المحيط. فيني، انظر.. يجب أن ألتقط صورا تصنع الحدث، وليس أن ألهث وراء الحدث.
لقد أسس الرفيق «توماس» لمدرسة خاصة في التصوير الصحافي، وهو يخاطبني بهذه العبارات. والآن، تمر عشرون سنة على رحيله، وأكثر من أربعين سنة على تلك الأجواء العصيبة للحرب، ويمكن أن أقول إن «توماس» تألق، بل وراكم أرشيفا تعتز به الصحافة الأمريكية كلها وليس مجلة «لايف» فقط.
كان عندما يدخل إلى قاعة التحرير، حاملا آلة التصوير، يتوقف الصحافيون عن الكتابة وتصمت القاعة قليلا، ترقبا.. ثم يلوح بـ«الفيلم» معلنا شارة النصر، وقتها نعلم أنه التقط صورة للغلاف، أو اقتنص لقطة للعدد السنوي. لم يخيب توماس ماكافوي آمال رئيس التحرير نهائيا.
أما جولاته حول العالم، فتلك قصة أخرى.. لقد وثق توماس لأهم الأعداد التي ميزت المجلة، وجاب العالم كله بحثا عن الصورة المثالية، وكان دائما حاملا آلة التصوير، في المكان المناسب، حيث يجب أن يكون».
كيف بدأت علاقة «ماكافوي»، الذي يعتبر أحد أشهر المصورين في العالم خلال القرن الماضي، بالمغرب؟
في سنة 1953، تم الإعلان عن تأسيس سد «بين الويدان»، في إقليم أزيلال، الذي يعتبر أول سد تشيده السلطات الفرنسية في المغرب، ودامت أشغال بنائه خمس سنوات كاملة. وكان «توماس ماكافوي» في زيارة عمل إلى المغرب، لالتقاط الصور لمختلف ربوع البلاد، وأنجز وقتها ملفا مصورا لصالح مجلة «لايف»، يرصد الحياة اليومية في «المغرب الفرنسي».
وهكذا، فقد حضر «توماس ماكافوي» مراسيم إعطاء السلطات الفرنسية، من عسكريين وإداريين، انطلاق استغلال السد، الذي كان من أوائل السدود التي يجري تشييدها في القارة الإفريقية، وليس في شمال إفريقيا فحسب، وكان الهدف منه إمداد السهول بمياه الري، وتوليد الطاقة الكهربائية.
يقول «د. فيني» متحدثا عن رحلة ماكافوي إلى المغرب: «أذكر أنه عاد من رحلة إلى شمال إفريقيا، ومازحته قائلا:
-أعتقد أنك اكتسبت سُمرة جميلة هناك في إفريقيا.
ورد عليّ ممازحا:
-إذا لم تزر المغرب من قبلُ، فأنت تحتاج فعلا إلى الذهاب.
لكني لم أفهم كلامه، إلا عندما أشهر ملف الصور التي عاد بها من هناك، وكم كانت دهشتي كبيرة وأنا أتفحص الألبوم».
لقد وثق «توماس للحياة المغربية، واستطاع أن ينقل يوميات مغربية إلى العالمية. لكن أهم ما عاشه «ماكافوي» في هذه الزيارة، أنه وثق لنشاط الباشا الكلاوي في عز قوته سنة 1953، في سياق نفي العائلة الملكية، وعاش معه تجربة تستحق أن تُروى.
«توماس ماكافوي».. مصور «Life» وثق لاستقلال المغرب من داخل القصر الملكي
يونس جنوحي
عبقري الكاميرا، وأهم أعمدة التصوير الصحافي الأمريكي، «توماس ماكافوي» Thomas McAvoy (1966-1905)، زار المغرب أكثر من مرة، لكن أهم زيارة كانت سنة 1956.. التقط أزيد من 672 صورة خلال زياراته إلى المغرب، بقيت حبيسة أدراج أرشيف مجلة «Life» الشهيرة، قبل أن يتم مسحها ضوئيا، تكريما لمساره في التصوير الصحافي.
اقتفينا أثر هذا المصور العالمي من خلال صور تشير إلى زيارتين في سياقين مختلفين، الأولى إلى المغرب الفرنسي، سنة 1953.
والثانية ما بين فبراير وماي سنة 1956، استطاع خلالها أن يوثق ليوميات استقبالات الملك الراحل محمد الخامس وولي العهد الأمير مولاي الحسن. وربط صداقات متينة مع رموز مغرب الاستقلال، بل وحضر اجتماعات حكومة البكاي الأولى، واستقبالات القصر الملكي الرسمية منها وغير الرسمية، والتقط عشرات البورتريهات لشخصيات مغربية، مُستعرضا فن «اقتناص» اللحظة التاريخية.






