ذاكرة المدن

ابن مدير معهد البحث الزراعي يختار البحث في تاريخ المغرب

حسن البصري
ولد جان لوي مياج في الرباط يوم 20 غشت 1923، وسط أسرة كانت ذات حظوة في المحيط الكولونيالي. كان والده إيميل مياج مديرا مؤسسا لمعهد البحث الزراعي في المغرب في الفترة ما بين 1918 و1940، وكانت الأسرة تقطن في سكن وظيفي وسط حدائق العاصمة. تابع الفتى دراسته بين الرباط وفرنسا وانتهى به المطاف مؤرخا. وقبل العودة إلى بلاده، عين جان لوي مدرسا لمادة التاريخ في ثانويات الرباط والدار البيضاء، وبعد الاستقلال حل بكلية الآداب أستاذا محاضرا.
ولأنه عاش طويلا في المغرب، فقد كانت العديد من كتابات جان لوي مياج تسلط الضوء على جانب العتمة في تاريخ المملكة الشريفة، خاصة خلال القرن التاسع عشر، بل إن الأطروحة التي نال بفضلها شهادة الدكتوراه سنة 1961 من جامعة تولوز كانت بعنوان: «المغرب وأوربا في الفترة ما بين 1830 و1894». ونال جان لوي شهرة واسعة بفضل كتب أخرى، على غرار: «مهمة فرنسية في مراكش» و«تطوان مدينة أندلسية»، علما أن الأرشيف الكولونيالي مكنه من إنجاز أبحاث قيمة نالت اهتمام الدارسين.
ظل الرجل متيما بالتنقيب عن المخطوطات ذات الصلة بتاريخ المغرب، فأصدر في سنة 1995 مؤلفا بعنوان: «وقائع طنجة 1820/1830»، وهو عبارة عن يوميات كان قد سجلها اليهودي أبراهام بن دلاك حين كان موظفا في القنصلية الهولندية بطنجة، قبل أن ينتقل إلى تطوان.
وحسب الباحث محمد سعيد أرباط، فإن الوثائق التي اعتمدها مياج اعتبرت صيدا ثمينا بالمفهوم الأكاديمي، إذ إن بن دلاك سجل في هذه اليوميات كل الوقائع والأحداث التي طرأت على المغرب خلال تلك السنوات، والتي كان يصل إليها من خلال مصادر عديدة في المغرب، إضافة إلى تسجيله لجميع الأحداث والتغيرات التي كانت تقع في مدينة طنجة.
ويرى بعض الباحثين في تاريخ الوجود اليهودي في الدبلوماسية الأجنبية المعتمدة في المغرب، أن الوثائق والمستندات التي كانت بحوزة بن دلاك أشبه اليوم بتسريبات «ويكيليكس»، بالنظر إلى أهميتها السياسية والتاريخية والعسكرية.
و«نظرا للمنصب الذي كان يشغله أبراهام بن دلاك، كمترجم بالقنصلية الهولندية في طنجة لمدة تقرب عن 40 سنة، فإنه تمكن من الاطلاع على مراسلات الديبلوماسيين الأجانب وأنشطتهم ووقف على كل الأحداث التي كانت تتمحور حول العلاقات الأجنبية بالمغرب»، يقول سعيد أرباط، بينما يؤكد المؤرخ جان لوي أن «هذه اليوميات تحفل بالعديد من الحقائق التاريخية التي حدثت في طنجة، كالكوارث الطبيعية والبيئية التي كانت تحدث بالمدينة، والتي كان بن دلاك وغيره من الديبلوماسيين شاهدين عليها، إضافة إلى العديد من الأحداث الهامة الأخرى التي طبعت تاريخ طنجة في العقد الثاني من القرن السابع عشر».
ظل جان لوي مياج مثار جدل في كتابته، خاصة حين تطرق لوباء الحمى الصفراء الذي ضرب المغرب، وقال إنه انتقل عبر وفد من الحجاج مما فتح عليه جبهة رجال الدين. وحسب الباحث المهدي خمال حول تاريخ الأوبئة في المغرب، فقد ورد اسم مياج من خلال رصده لدخول الكوليرا إلى المغرب عبر البوابة الشرقية للقادمين من الحج، حيث «اشتد النزيف الديموغرافي مع موجات الكوليرا التي ضربت المنطقة خلال القرن التاسع عشر. فمدينة طنجة على سبيل المثال وحدها فقدت 441 ضحية خلال كوليرا 1868 و700 ضحية أثناء كوليرا 1895».

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق