الرئيسيةملف التاريخ

استغلال المناجم في المغرب…قصة البدايات

استحوذت عليها شخصيات نافذة والقصر أوقف فوضى عصفت بها بعد الاستقلال

يونس جنوحي
«بعض الأعيان المغاربة كانوا مرغمين على إدارة وجوههم أمام الاستغلال غير المرخص له للمناجم، لبعض الشخصيات النافذة، حيث كانوا يستغلون قربهم من الملك الراحل محمد الخامس، لكي يستغلوا بعض هذه المناجم، خصوصا في منطقة أكادير وورززات ومنطقة الجنوب الشرقي، دون احترام شروط السلامة، حيث كانت بعض المناجم آيلة للسقوط من فرط استغلال الشركات الفرنسية لها سابقا. وبعض هذه المعطيات كانت موضوع تقرير رفع إلى الملك الراحل محمد الخامس، حيث كان مكلفا به كل من عبد الله إبراهيم من جهة، ومن جهة أخرى الجنرال البوهالي، والجنرال إدريس بن عمر، الذي كلفه الملك الراحل محمد الخامس بتفقد مناجم منطقة الريف، حيث كان الإسبان قد غادروا المنطقة نواحي الحسيمة، وتركوا وراءهم مناجم تشكل خطورة على السكان.

كيف بدأت قصص استغلال المغاربة للمناجم؟
القايد بوعزة إيميني، كان أحد أوائل الأعيان المهتمين بالمناجم سنة 1916، والذي أشار إليه الجنرال الفرنسي داماد في تقاريره العسكرية وقال إنه كان يتوفر على ثروة كبيرة وأعرب للفرنسيين عن رغبته في دخول مجال بناء مناجم التنقيب التي بدأها الفرنسيون، وكان مستعدا للاستثمار في المجال. لكن لا تتوفر إلى الآن معطيات في الموضوع.

واستمر في حلم التنقيب عن المعادن، خصوصا وأن العائلات الثرية وقتها في المنطقة كانت تقيم ثروة بعضها البعض بمدخرات الذهب والفضة في القصبات المحروسة.

كيف بدأ إذن تاريخ الاستغلال المنجمي في المغرب؟

محمد الخامس والتحقيق في لوائح المستفيدين من المناجم
سنرى في هذا الملف بعض التفاصيل المرتبطة بتكليف الملك الراحل محمد الخامس لكل من عبد الرحيم بوعبيد، ثم عبد الله إبراهيم في حكومة 1959 بتشديد المراقبة على لوائح المناجم التي كانت إرثا فرنسيا رغم الفوضى التي كانت تعتري أغلبها. وكلف أيضا كل من الجنرال إدريس بن عمر، والجنرال البوهالي بمراقبة عمل بعض المناجم والتحقق من إشاعات وصلت إلى مسامع الملك الراحل محمد الخامس بخصوص استغلال شخصيات لبعض المناجم التي تركتها الشركات الفرنسية خلفها خصوصا في الجنوب الشرقي.

المثير أن هذا الموضوع بقي شائكا حتى بعد وفاة الملك الراحل محمد الخامس، إذ أن الملك الراحل الحسن الثاني، خلال حكومة 1963 وأيضا خلال حالة الاستثناء ما بين سنوات 1965 و1970، كان أيضا يتوصل بتقارير عن هذا الموضوع. وبقي مشكل المناجم قائما، حيث بقيت وزارة الداخلية في عهد إدريس البصري تتوصل هي الأخرى بتقارير العمال عن وجود استغلال عشوائي لبعض المناجم في الحدود الشرقية مع الجزائر، وأيضا في المنطقة الجنوبية.

بينما كانت المناطق التي يتم استغلال المناجم بها قانونيا تخضع أساسا للتدبير الحكومي وبدأ بها العمل النقابي مبكرا جدا.

عندما توفي الجنرال أوفقير بعد الانقلاب الفاشل الذي استهدف الطائرة الملكية في صيف سنة 1972، اتضح أن الجنرال كان يتوفر على منجم يتوصل بعائدات استغلاله، وتمت مصادرته. وهذا الأمر تؤكده زوجته فاطمة أوفقير حيث تحدثت بشجاعة في مذكراتها عن موضوع المنجم الذي كان يتوفر عليه زوجها، ولكنها لم تورد أي معلومات إضافية عن طريقة الحصول عليه وما إن كان استثمارا عائليا أم أنه مكسب حققه زوجها في سنوات قوته على رأس وزارة الداخلية أو مؤسسة الجيش.

لكن المعروف وقتها أن بعض الشخصيات النافذة، خصوصا المقربين من الجنرال أوفقير، كانوا يتوفرون فعلا على رخص الاستغلال الاستثنائي لبعض الموارد ومن بينها المناجم.

وقد كانت المعارضة، طالبت في البرلمان منذ 1963 بضرورة تأميم المناجم ومنع أي استغلال فردي لها، تحت أي طائلة كانت. وهو ما تناوله المؤرخ المغربي الراحل عبد الكريم الفيلالي، حيث أثار أنه سبق له رفع تقرير إلى الملك الراحل محمد الخامس عندما كان يشعل منصب مؤرخ المملكة المغربية تحدث فيه عن «نخبة من المحظوظين» يستغلون بعض موارد الدولة لصالحهم.

وعندما دخل هذا المؤرخ غمار العمل البرلماني، حيث كان أول من رفع شعار «من أين لك هذا» في وجه بعض الأعيان مطالبا افتحاص في ثروتهم، أثار موضوع الاستغلال العشوائي لبعض المناجم التي تركها المستعمر الفرنسي في المغرب، وانقضت بعض الشخصيات عليها لاستغلال عائداتها من الفحم والمعادن، محققين أرباحا خيالية بعيدا عن رقابة الدولة.

سكة الحديد.. مشروع أقبر سنة 1908
قام الباحث الفرنسي «فيكتور بيكي» سنة 1917 بإصدار كتاب يحمل عنوان «المغرب». حيث تطرق فيه إلى مسألة المناجم وكان أحد أوائل الباحثين الفرنسيين الذين أوردوا أسماء بعض الشركات الفرنسية التي كانت تحقق أرقام أرباح كبيرة جدا في شمال إفريقيا.

وهذه الشركات كانت لديها رغبة أيضا في دخول المغرب وإنشاء مناجم في مختلف الجهات.

إذ أن عملية بناء مدينة ميدلت في الجنوب الشرقي، كانت في هذا الإطار، حيث كانت في البداية مقرا لمنازل مهندسين فرنسيين قبل أن تتناسل سلسلة الفيلات والمنازل التي أنشئت لراحة المنقبين الفرنسيين وأعضاء فرق الجيش التي كانت توفر لهم الحماية. وسرعان ما تحول المكان إلى مدينة صغيرة يقطن بها العاملون في المناجم، وجلهم كانوا يحملون الجنسية الفرنسية ويوظفون المغاربة معهم.

لعبت الصحافة الفرنسية دورا كبيرا في الموضوع، إذ كانت تنشر إعلانات عن مستقبل العمل المنجمي في المغرب، وكان يأتي العمال الفرنسيون إلى المغرب للعمل خصيصا في مجال المناجم، وهكذا تمت الاستعانة بعمال مغاربة غير مكونين، كانت توكل إليهم الأعمال الشاقة، وكانوا يقضون أشهرا في الخيام خلال حملات التنقيب على طول الطرق الرابطة بين ميدلت والرشدية.

من بين المراسلات الأولى التي تؤرخ لموضوع الاستغلال المنجمي في المغرب، مراسلة لوزير الخارجية الفرنسية بعث بها الوزير «الأمبريالي» في طنجة سنة 1908، وهذه كانت صفته على كل حال، حيث كان يوقع مراسلاته بتوقيع: «Rosen». وهذه المراسلة تطرقت لموضوع المناجم في المغرب ومستقبله، حيث كان هذا الوزير يتلقى طلبات كثيرة من فرنسيين وإنجليز وألمان، يريدون الحصول على تراخيص بداية الاستغلال المنجمي في المغرب، لكنهم لم يكونوا يتوفرون على أي سند مخزني مغربي في الموضوع.

إحدى هذه الوثائق التي تؤرخ للمراسلات بين الخارجية الفرنسية وممثل الوزارة في المغرب، تتعلق بتدويل استغلال المناجم في المغرب، حيث تحدثت عن «استغلال دولي لمناجم المغرب التي سوف تكون أساسا مرتبطة في ما بينها بسكة حديدية».

هذا التصور، كان يلزمه إعداد كبير وإمكانيات ضخمة لإنشاء السكك الحديدية، وهو ما كان يشكل عائقا كبيرا في تلك الفترة. إذ أن فرنسا لم تكن لتغامر بالاستثمار في سكة الحديد دون الحصول على ضمانات سياسية لفوزها مستقبلا بالمغرب وضمه إلى مستعمراتها. ونفس الأمر كان ينطبق على الألمان والإنجليز.

من بين الشركات التي قامت باستغلال مناجم المغرب قبل أن تؤسس فرنسا أول خطوط السكة الحديدية ويصبح استغلال المناجم مقننا وخاضعا لقوانين الإقامة العامة الفرنسية، نجد شركات بريطانية وأخرى فرنسية.

وأشهرها شركة فرنسية كانت تتوفر على فرع في تونس والآخر في الجزائر، حيث كانت متخصصة في التنقيب عن الذهب والفضة والحديد. بينما كانت هناك شركة بريطانية لاستخراج الفحم، كانت تنشط في عدد من الجهات وكان لديها مكتب في مدينة الصويرة وآسفي سنة 1919، وتم إغلاقها بعد الحرب العالمية الأولى بحكم أن مقر الشركة الأم تضرر بسبب الحرب العالمية.

هكذا كان شكل المناجم قبل 80 سنة في المغرب

قصة أول منجم أريد حفره سنة 1889
لولا مذكرات رجل، موظف دبلوماسي بريطاني سابق، اسمه «جي. ماكلين»، لما كان ممكنا تسجيل شهادة تاريخية بخصوص الاستغلال المنجمي الذي أراد الأوربيون تدشينه في المغرب خلال عهد المولى الحسن الأول الذي حكم المغرب ما بين سنوات 1873 و1894.

إذ حتى مستشارو المولى الحسن الأول لم يدونوا أي شيء عن هذا الموضوع. وحتى كُتاب الوزراء المغاربة وقتها مثل عبد الله الفاسي، المعروفين بدقة التدوين والتطرق لكل مواضيع مراسلات الأجانب مع ديوان المولى الحسن الأول، فاتهم أيضا أن يعرفوا تفاصيل هذه الصفقة. إذ كان الأمر يتعلق برغبة بعض الأجانب في وساطة لدى المولى الحسن الأول لكي يسمح لهم ببداية التنقيب المنجمي في المغرب، قبل أن يفطن إليه رجال الأعمال البريطانيون الكبار ويقوموا باحتكاره.

ننقل إذن بعض أقوى مضامين كتابات هذا الموظف البريطاني، «جي. ماكلين»، وهو يتحدث عن أول لقاء له مع وزراء مغاربة، وكان الموضوع هو محاولة إغراء هؤلاء الوزراء لجعل المولى الحسن الأول يوافق على منحهم ترخيصا، وحماية مخزنية هي الأهم، لبدء عمليات الحفر.

يقول: «في المساء، وأنا أستعد للنوم في غرفة الفندق الذي لجأت إليه بعد أن خرجت من منزل طوني نهائيا، سمعت طرقا خفيفا على الباب. كان الخادم يخبرني، أن بلعربي ينتظرني غدا للعشاء. كنت رتبت معه سابقا لهذا العشاء حتى يتسنى لي لقاء الوزراء المغاربة الذين كانوا أصدقاء له عندما كان في موظفا مع الدولة وفهمت من الرسالة أن الموعد قد تحدد غدا. هذا يعني أنهم مستعدون للتعاون.

في اليوم الموالي، أخذت حماما ساخنا في الفندق، وحرصت على أن أرتدي بذلة متهالكة عثرت عليها في خزانة طوني وقال لي إنه بإمكاني ارتداؤها عند لقاء موظفي المخزن المغاربة، لأنهم يحترمون أصحاب البذل ويقدّرونهم.

وصلت إلى منزل بلعربي، فوجدته وحيدا في قلب غرفة الضيوف. بعد فترة من الانتظار الذي يسبب القلق، سمعنا طرقا على الباب وأصوات صياح فهمت لاحقا أنه صياح الخدم عندما كانوا يرتبون الخيول. دخل من الباب رجلان تبدو عليهما هيبة كبيرة. كانا يرتديان جلبابين ناصعي البياض، ولحيتهما كانت مشذبة بعناية. لم يسلما عليّ. جلسا في صدر الغرفة، وبدا أن الجميع في المنزل في حالة تأهب. دلف بلعربي بعد فترة قصيرة. لاحظت أنه غيّر جلبابه وجاء ليجلس أمام الوزيرين. من خلال حركاته وتقاسيم وجهه فهمت أنه يرحب بهما في منزله ويشكرهما على تلبية الدعوة. كانا بين الفينة والأخرى ينظران إليّ بريبة كبيرة. حتى أن أحدهما، وكان الأكبر سنّا، رمقني بنظرة لا تخلو من غضب، كدت أفقد بعدها أعصابي لأغادر الغرفة. لكن بلعربي بخبرته، تدخل وطلب مني بإنجليزية أنيقة أن أتقدم من المجلس المصغر، وشرع يقدمني بالعربية للوزيرين. بدآ يبتسمان شيئا فشيئا، ولا بد أنه أخبرهما أنني أنوي افتتاح مشروع في المغرب، كما اتفقنا، ونحتاج دعمهما لتحقيق هذا الأمر.

دخل الخدم، ووضعوا صينية الشاي الصيني. المشروب الأكثر شعبية في المغرب. لا يشربه إلا الأعيان بعد أن أدخلوا عليه تغييرات كبيرة. بعد الشاي وضعوا لنا العشاء. كان الوزيران يبالغان في تقدير نفسيهما، إلى درجة أنهما لم يكونوا يتحركان إلا لضرورة. الخدم يتكلفون بكل شيء.

بعد العشاء، جاؤوا مرة أخرى بالشاي. كان الوزيران مسترخيين ويتحدثان بانسجام مع بلعربي. نظر في اتجاهي، دون أن تغادر الابتسامة وجهه وقال لي: «المغربي عندما يشبع تصبح لديه قابلية للحديث في جميع المواضيع. أهنئك لقد قبلا أن يتحدثا مع أكثر الوزراء قربا من السلطان مولانا الحسن الأول، الصدر الأعظم باحماد». وسوف يرون إمكانية تفويت البحث عن المعادن لكم، شريطة أن تكون لهم امتيازات أيضا في المشروع».

من أرشيف LIFE الأمريكية لبعض عمليات التنقيب في المغرب خلال منتصف الخمسينيات

أشهرهم «القايد حمو».. أعيان مغاربة حاولوا تأسيس شركات مناجم خاصة
منذ توقيع معاهدة الحماية سنة 1912، حاولت الحكومة الفرنسية سن قوانين خاصة بتنظيم عمليات التنقيب التي أرادت شركات فرنسية إطلاقها في المغرب بناء على التقارير الاستعمارية التي توقعت وجود مخزون هائل من المعادن، خصوصا في منطقة الجنوب الشرقي.

وبعد ذلك بعامين فقط، وفي عز مساندة بعض الأعيان مثل المدني الكلاوي لفرنسا في منطقة الأطلس، في إطار ما عرف وقتها بهجومات فرق الجنرال «داماد»، حاول بعض هؤلاء الأعيان دخول مجال الأعمال محاولين الحصول بدورهم على رخص التنقيب التي بدأ يحصل عليها الفرنسيون.

من بين هؤلاء الذين حصلوا على رخص التنقيب، كان هناك مغامرون فرنسيون وباحثون في الأحياء والمعادن أيضا. بالإضافة إلى طبيب اسمه «الدكتور لاكروا».

هذا الأخير ورد اسمه في لائحة المرافقين المدنيين لحملة عسكرية، برفقة خمسة من العاملين معه كلهم فرنسيون أيضا.
وهؤلاء، كانوا يرافقون كتيبة للجيش يترأسها ضابط فرنسي في أكتوبر 1916، حيث كانوا يحملون معهم ترخيصا إداريا يخول لهم الحق في مرافقة تجريدة فرنسية إلى نواحي مدينة مراكش، حيث وضع المدني الكلاوي رهن إشارتهم أقوى بغال منطقة الأطلس ورجال القبائل لحمل معدات التنقيب الثقيلة وقطعوا بها المضايق. فإذا ببعض هؤلاء الأعيان الأثرياء الذين رافقوا الفريق الذي يترأسه الطبيب «لاكروا» يُشدون إلى فكرة التنقيب عن المعادن، خصوصا وأن فريق هذا الطبيب مارسوا عمليات التنقيب أمام مرأى ومسمع من هؤلاء الأعيان الذين كان دورهم توفير الحماية لأعضاء الفريق أثناء استكشافهم للمنطقة جنوب مراكش وبمحاذاة حدود جبال الأطلس مع السهول.

بعض هؤلاء، أمثال القايد بوعزة إيميني، الذي أشار إليه الجنرال داماد، كان يتوفر على ثروة كبيرة وأعرب للفرنسيين عن رغبته في دخول مجال بناء مناجم التنقيب التي بدأها الفرنسيون، وكان مستعدا للاستثمار في المجال. لكن لا تتوفر إلى الآن معطيات في الموضوع.

وبعد عشر سنوات، ظهر القايد حمو الذي كان من أثرياء الجنوب المغربي، وقد أراد هو الآخر الاستثمار في مجال المعادن عندما رأى بعينه كيف أن فرنسيين بنوا منجما في حدود القصبة التي كان يملكها واستعانوا برجال قبيلته للحفر، وكانوا يستخرون يوميا كميات هائلة من الرصاص والفضة. وهو ما جعله أمام رغبة لا تقاوم لدخول هذا المجال. لكنه ارتكب خطيئة في نظر الفرنسيين حالت بينه وبين هذه الاستثمارات. إذ أنه كان معاديا جدا لفرنسا ويعتبرها دولة مستعمرة للمغرب.

واستمر في حلم التنقيب عن المعادن، خصوصا وأن العائلات الثرية وقتها في المنطقة كانت تقيم ثروة بعضها البعض بمدخرات الذهب والفضة في القصبات المحروسة.

وقد كان المغامر والكاتب الإسكتلندي «غافين ماكسويل» أول من كتب عن شخصية هذا القايد. حيث ألف سنة 1969 كتابا عن مغامرات فرنسا في منطقة الأطلس المغربي وعلاقة رجال الجيش الفرنسي بالأعيان المغاربة، بناء على شهادات شخصية جمعها وحولها مادة للكتاب. يقول:

يصعب جدا معرفة السبب الذي جعل المدني الكلاوي يثق كثيرا في صهره سي حمو إلى تلك الدرجة. كان الأمر مختلفا بالنسبة للالة حليمة، الابنة المدللة للمدني الكلاوي، فقد كان حمو بالنسبة لها رجلا صاحب ثروة كبيرا جدا، والذي كان بالإضافة إلى مصادر دخله عبر الإتاوات غير المشروعة، يملك مناجم للملح بالإضافة إلى أنه اكتشف مناجم لاستخراج الفضة في منطقة «بوعزة إيميني». لم يكن ممكنا له بأي حال من الأحوال أن يملك شخصية جذابة أو مهمة.

كان بشعا، مزاجيا، وغاويا، وأنانيا، وقاسيا أيضا. في معالجة المشاكل القبائلية، كان يهمه فقط أن يوسع نفوذه، ولو على حساب الآخرين. لقد قام بإحراق وهدم قصبة أحد أعيان منطقة تلوات. قام بإحراق القصبة بكل الأحياء الذين كانوا يعيشون داخلها، بمن فيهم النساء والأطفال. خصاله السياسية، أو انعدامها على الأصح، لم تظهر بقوة إلا بعد وفاة المدني الكلاوي. وهو ما كان مصدر إحراج كبير للباشا التهامي الكلاوي. كان حمو معارضا لفرنسا بشكل شرس. وقاد حملات قبائلية ومعارك ضد الاستعمار الفرنسي للمنطقة. ومنذ سنوات وهو يقوم بتهريب السلاح ويمول المقاتلين».

مناجم المنطقة الشرقية.. النقطة السوداء في سجل الجيش الفرنسي
ليست هذه المرة الأولى في «الأخبار» التي نتطرق فيها إلى تاريخ التنقيب عن الثروات المعدنية في المغرب. خصوصا وأنه سبق لنا نشر ترجمات لأقوى مضامين الكتابات الاستعمارية التي تطرقت لهذا الموضوع.

ومن بين ما سبق نشره، شهادة لأحد الباحثين، كان اسمه محمد القزواني، توفي سنة 2002 قبل أن ينهي دراسة معمقة عن تاريخ المناجم في المغرب، توجه سنة 1978 إلى أرشيف الخارجية الفرنسية محاولا الحصول على معلومات بخصوص المناجم الفرنسية في المغرب، أو المناجم المغربية التي دبرتها شركات فرنسية بالتعاقد مع الحكومة الفرنسية قبل 1956، ومع الحكومة المغربية لاحقا بعد تلك السنة. هذا الباحث انتهى إلى خلاصة مفادها أن الأمر كان يتسم بكثير من العبث غير المتوقع. إذ لم يتوقع أن تكون هناك عشوائية في تدوين حتى الكميات المستخرجة من تلك المناجم سنويا، ووجد خروقات كبيرة في تقدير قيمة المعادن التي تم استخراجها لسنوات طويلة، والمثير أن خزينة الدولة المغربية لم تحصل وقتها على ضرائب عن استغلال تلك الشركات لمناجم مغربية، في حين كانت الحكومة الفرنسية تراقب الأمر وتنسق مع الشركات التي آل إليها هذا التدبير في إطار صفقات جمعت أرباب الشركات مع الحكومة الفرنسية.

وجد القزواني، فوضى كبيرة في سجلات بعض لوائح العمال التي كانت مكتوبة باللغة العربية. وقد عثر على اللوائح في أرشيف أحد المقدمين الذي كان ممثلا للسلطة المحلية وتم إعفاؤه مباشرة بعد الاستقلال. كان هذا الرجل يعمد إلى تسجيل أسماء العمال باللغة العربية، وبدا واضحا أن الأمر يتعلق بمئات العاملين الذين كانوا يشتغلون خارج قانون الشغل الفرنسي رغم أنهم كانوا يشتغلون لصالح شركات فرنسية. وقد تم استغلال المئات دون أن تكون هناك أية إشارة إلى نهاية مهامهم أو وجود عقود تجمعهم بتلك الشركات. وهذا الأمر جعل تحديد أعداد الذين ماتوا تحت ركان المناجم، خصوصا أثناء حفرها، مهمة مستحيلة.

الأكيد أن المئات قد لقوا حتفهم في عمليات الحفر، والدليل على هذا الأمر هو المعاينات الميدانية التي قام بها عشرات الباحثين وأساتذة التاريخ وعلوم الحياة والأرض، الذين وجدوا آثارا لأشغال حفر المناجم قبل أن يتم تغيير وجهة الحفر بعد انهيارات غير متوقعة في التربة أو الصخور، وهذا دليل دامغ على أن أرواحا كثيرة أزهقت أثناء عمليات الحفر دون أن يتم تسجيل أصحابها بدقة، ولا الالتفات إلى أسرهم التي كانت تغرق في الفقر وتهديد المجاعات بسبب الجفاف.

الجوع وحده قاد كل أولئك الذين عملوا رهن إشارة الشركات الفرنسية في تلك المناجم في شمال المغرب وجنوبه، ولم يكلف أحد نفسه عناء تسجيل الذين ماتوا تحت الركام وهم يحاولون جعل استخراج الفحم وحتى الذهب من تحت طبقات الأرض، أمرا ممكنا.

المثير أن هذا الباحث المغربي، كان يتوفر في مكتبه على أرشيف مهم من الصور، لكن مصيرها الآن مجهول بعد أن لم تستطع أسرته الاهتداء إليها رفقة مجموعة من الوثائق بعد وفاته. والتي كانت توثق لتاريخ بداية الاستغلال المنجمي في المنطقة الشرقية منذ 1938.

العمل المنجمي في منطقة إيميني المحاذية للأطلس

شركات فرنسية عملاقة تصرفت في مناجم وتركت خلفها الركام
من تنغير، إلى أعلى حدود الجنوب الشرقي في اتجاه مدينة وجدة، كانت تنتشر سلسلة من مناجم التنقيب السرية والمعلنة التي أنشأها الفرنسيون في المغرب.

إذ كان التنقيب يتم بصورة مدروسة ولم تكن عشوائية، اعتمادا على تقارير رفعها عسكريون إلى الإدارة التي نظمت عمليات الاستغلال.

بعض هذه الشركات كانت فروعا من الشركة الأم الفرنسية «معادن فرنسا»، وبعضه كان شراكات بين أثرياء فرنسيين ومغاربة، مثل الشركة البريطانية التي أنشأها المغربي الحاصل على الجنسية البريطانية «موسى أفلالو»، بالإضافة إلى محمد التازي الذي حصل قبل 1919 على فرصة لتوقيع عقد مع شركة تنقيب عن المعادن في منطقة جنوب العرائش، وتحول إلى أحد الأثرياء الأوائل الذين غادروا المغرب بعد أن حقق أرباح ضخمة جدا من وراء عمليات التنقيب عن المعادن.

بعض هذه الشركات الفرنسية، نشطت ما بين سنوات 1936 و1956. حيث توقفت أغلبها بعد استقلال المغرب ورفض الحكومة الجديدة التجديد معهم، إذ تحول ملف تدبير قطاع المناجم إلى مسألة حكومية تولتها أول حكومة عينها الملك الراحل محمد الخامس. حيث كان عبد الرحيم بوعبيد أحد أوائل الوزراء المغاربة في الحكومة المعينة الداعين إلى التريث في معالجة ملفات التراخيص التي كانت تتوفر عليها شركات المناجم الفرنسية.

وتقوى الأمر مع حكومة عبد الله إبراهيم سنة 1959، حيث قامت بنوع من «البلوكاج» في وجه شركات استغلال المناجم المغربية قبل أن يتم تفويض صلاحيات التنقيب كاملة لصالح الدولة المغربية وإيقاف الاستغلال العشوائي لبعض النقط المنجمية، خصوصا في المناطق النائية، حيث كان يتم استغلالها بدون تراخيص وتواطئ مع ممثلي السلطات المغربية، حيث كان وزراء الداخلية مثل اليوسي والمحمدي، أوائل المشرفين على تعميم مذكرات على القياد والعمال وقتها، لكي يفتحوا أعينهم على المناطق المنجمية ويمنعوا أي استغلال غير مرخص لها.

النتيجة أن بعض هؤلاء الأعيان كانوا مرغمين على إدارة وجوههم أمام الاستغلال غير المرخص له، لبعض الشخصيات النافذة، حيث كانوا يستغلون قربهم من الملك الراحل محمد الخامس، لكي يستغلوا بعض هذه المناجم، خصوصا في منطقة أكادير وورززات ومنطقة الجنوب الشرقي، دون احترام شروط السلامة، حيث كانت بعض المناجم آيلة للسقوط من فرط استغلال الشركات الفرنسية لها سابقا. وبعض هذه المعطيات كانت موضوع تقرير رفع إلى الملك الراحل محمد الخامس، حيث كان مكلفا به كل من عبد الله إبراهيم من جهة، والجنرال البوهالي، والجنرال إدريس بن عمر، الذي كلفه الملك الراحل محمد الخامس بتفقد مناجم منطقة الريف، حيث كان الإسبان قد غادروا المنطقة نواحي الحسيمة، وتركوا وراءهم مناجم تشكل خطورة على السكان.

لكن الخطر الأكبر، كان يمثله لوبي الاستغلال العشوائي لهذه المناجم، حيث كانت عمليات الحفر العشوائي تخلق نوعا من الفوضى في تلك المناطق.

كل هذه المعطيات ترسم صورة قاتمة للواقع الذي تركته فرنسا خلفها حيث لم تحترم شروط السلامة ولم تغلق المناجم التي كانت تستغلها لسنوات في المغرب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى