شوف تشوف

الرأيالرئيسيةثقافة وفن

الأرض التي نقف على سطحها

 

 

بقلم: خالص جلبي

 

مع زلزال المغرب وكارثة درنة في ليبيا، علينا أن نفهم طبيعة الأرض التي نعيش على ظهرها ولا نعرف ماذا يتحدث باطنها، فقد عرفنا أن فرن الأرض الذي يقذف حممه بين الحين والآخر يبرد بمعدل مائة درجة كل مليار سنة، ومن غير المتوقع أن يبرد في فترة قصيرة، ولكن المشكلة هي في محور الدوران. والمغناطيس له بصمة لا تخيب على الحديد، وآنية الفخار فيها حديد، وبتعريضها للنار يزول الأثر المغناطيسي، فإذا بردت التقطت فورا طبعة المغناطيس. وبذلك أصبحت الآثار الفخارية ساعة زمنية لتطور وضع المغناطيس واتجاهه، مثل أشرطة المغناطيس في الفيديو. وبدراسة الآثار الفخارية من الحضارات التي مرت على الأرض مثل الإنكا والصين، عرف أن الأثر المغناطيسي تآكل وبسرعة فائقة خلال القرون الثلاثة الأخيرة. وهو كشف وصل إليه الجيولوجي «جيريمي بلوكسهام Jeremy Bloxham»، من جامعة «هارفارد Harvard Uni»، الذي قام بدراسته على آنية الفخار عند حضارة الإنكا وما بعدها، ثم قام بدراسة سجلات البحرية البريطانية في القرون الثلاثة الأخيرة، ليكتشف الحقيقة نفسها عند البحارة، الذين كان تحديد الشمال المغناطيسي عن الحقيقي (زاوية التغير) مشكلة موت وحياة بالنسبة إليهم، خاصة في جنوب المحيط الأطلسي، حيث المغناطيس أضعف بـ30 في المائة، وكانوا يعرفونها من دراسة مطلع الشمس مع الأفق، ويقول «بلوكسهام» إن مسألة الانقلاب من الشمال إلى الجنوب لا ريب فيها ثقلت في السماء والأرض، والسؤال: متى سيحدث هذا؟

مع هذا فإن هذه القلبة لن تكون في 24 ساعة، بل قرونا بين ذلك كثيرا. وهنا الخوف لأن كل الحياة متعلقة بالدرع المغناطيسي، الذي يغلف كرة الأرض، ولا نرى الأشعة الكونية المعروفة باسم آرورا في السماء إلا عند القطبين، وهي مكان انحراف الأشعة إلى خارج الأرض. وحاول فيلم «الكور The Core»، أي لب الأرض، الاقتراب من فهمها وتصويرها للناس، ولكن كما تقول الفلسفة إن توقع الشيء غير مواجهته.
وقام البروفيسور «جيري غلاتسمايرGary Glatzmaier»، من جامعة كاليفورنيا سانتا كروز، باختبار طموح، من خلال إدخال كل المعلومات (Data) إلى كمبيوترات فائقة السرعة، تركها تعمل على مدار الساعة سبعة أيام في الأسبوع، لا تعرف النصب أو اللغوب لمدة أربع سنوات، ليكتشف حصول الانقلاب وولادة مجموعة أقطاب بدل شمال جنوبي. وهذا الانقلاب سيكون ذا نتائج مدمرة علينا نحن البشر، سواء في الوفيات أو حدوث السرطان، بسبب انكشافنا الكامل لأشعة الكون المؤذية. والأرقام الأولية هي موت مئات الآلاف إلى الملايين، مع زيادة حدة المشكلة لحين استقرار مغناطيسية الأرض وتشكل الدرع المغناطيسي الحامي، وهذا إن طال وقته ستكون له نتائج كارثية تماما قد لا تنهي الجنس البشري، ولكن قد تؤثر في مسيرة الحضارة الإنسانية كلها، وإن كان «غلاتسماير» متفائلا أن الحضارة الإنسانية حتى ذلك الوقت سوف تجد حلا للمسألة، فدعنا نتفاءل إذن. والعقل العلمي المنهجي يفتح النافذة لكل الاحتمالات، بما فيها نهاية العالم. وقد لا ينتهي العالم، بل ينتهي الجنس البشري. وإذا لم يبق بشر، لم تبق للحياة معنى، كما جاء في قصة الذئب الذي وقع في الفخ، فمر به الثعلب فسر بمصابه، فسأله الذئب عن نهاية العالم: إن الناس يقولون بقرب يوم القيامة؟ قال الثعلب: أما يوم القيامة فلا علم لي به، وأما قيامتك فقد قامت بكل تأكيد. وكذلك الحال في ما لو انتهت الحياة الإنسانية على الأرض، وتحولت إلى جمهورية للصراصير والأعشاب والعقارب، فهي قيامة للبشر وجنة للحشرات التي هي أكثر الكائنات تحملا للأشعة الكونية. كما ثبت ذلك عند العقارب التي تتحمل 300 ضعف ما يتحمله الإنسان من الأشعة القاتلة. وفي كل الثقافات نعثر على تنبؤات بنهاية العالم، وفي القرآن يتكرر مصطلح «الساعة»، كناية عن نهاية العالم. وفيه أن الناس يسألون عن الساعة أيان مرساها؟ ويكون الجواب فيم أنت من ذكراها إلى ربك منتهاها إنما أنت منذر من يخشاها كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها؟ ونهاية العالم قد تأتي من صور شتى بسيناريوهات مختلفة. وحسب «ستيفن هوكينغ»، الفيزيائي البريطاني المشهور، في كتابه «قصة قصيرة للزمن»، فقد توقع للشمس أن تعمر 5,5 ملايير سنة. وكان المتوقع أن تستمر الحياة على الأرض بالقدر نفسه، لولا أبحاث كوسمولوجية حديثة ضغطت الزمن المتوقع للحياة على الأرض بـ500 مليون سنة. وهي مدة كافية للتحرك نحو استعمار المجرة، كما فعل سكان البيلوبونيز في استعمار الجزر المتناثرة في المحيط الهادي جيلا بعد جيل. بعد أن كشفت ذلك هياكل جزيرة عيد الفصح «Eastern Island»، وسيفعل البشر الشيء نفسه في قفزة كل مائتي سنة في كل خمسة أجيال، لاستعمار مجرة «طريق الحليبMilkway » في مدة خمسة ملايين سنة. وقد تستخدم طاقة من نوع (مضاد المادة)، التي يكفي منها مقدار أقل من ربع غرام (0,147)، لنقل مركبة إلى المريخ، ولكن لإنتاج بضعة غرامات فلن تكفي كل المفاعلات النووية من نوع «فيرمي لاب» في واشنطن و«سيرن» في سويسرا، ولمدة 150 مليون سنة. وحسب «ماركوس فيلدمانMarcus Feldman »، رئيس مشروع تنوعات الجينوم البشريHuman Genom Divresity Project=HGDP))، من خلال الدراسات الجينية التي جمعها من 377 موضعا من العالم، مثل سيبيريا وباكستان وناميبيا والبرازيل وغينيا الجديدة من 52 مجموعة عرقية، من آلاف العينات من اللعاب والدم والأنسجة من ألف شخص؛ وجد أن الجنس البشري في مجموعه يخرج من عنق زجاجة ضيق قبل حوالي سبعين ألف سنة، والمليارات الثمانية الحالية من البشر خرجت من بضعة آلاف من الأناسي. ولتفسير ذلك فقد احتار العلماء في السبب، هل كان جفافا عَمَّ الأرض، أو حربا طاحنة أو مرضا بئيسا؟ ويذهب «ستانلي أمبروز Stanley Ambrose»، من جامعة «إلينوي Illinois»، أن ما حدث يعود إلى بركان «توباToba » الذي انفجر في سومطرة حينها فأهلك الحرث والنسل وقذف إلى الجو بـ800 كيلومتر مكعب من الحمم، ما هو أقوى من بركان «بيناتوبوPinatubo » الذي انفجر عام 1991م بمائة مرة، وهذا يوحي بالكثير عن هشاشة الجنس البشري.

 

نافذة:

فرن الأرض الذي يقذف حممه بين الحين والآخر يبرد بمعدل مائة درجة كل مليار سنة ومن غير المتوقع أن يبرد في فترة قصيرة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى