الافتتاحية

الانتهازية كبرنامج

ينبغي للمرء أن يكون مصابا بمتلازمة فقدان الذاكرة لكي يصدق حصة بيع الوهم التي جرت خلال الجلسة الصحفية التي عقدها نبيل بنعبد الله بمؤسسة الفقيه التطواني. المستمع لـ”كبير” الشيوعيين السابقين قد يتوهم للوهلة الأولى أن هذا الحزب الذي يشيطن من يريد ويمنح صكوك الغفران لمن يشاء، لم يسبق له أن شارك في أية حكومة منذ ولادته في أربعينات القرن الماضي ويده بيضاء من السياسات السوداء التي تلطخ صفحات الحكومات المتتالية، بينما الحقيقة أن هذا الحزب عاش متقلبا في بركة الحكومة لعشرين سنة متتالية وكان يأبى بأي وسيلة أن يخرج منها خوفا من الموت، قبل أن يطرد صاغرا بغضبة ملكية، أبعدت جل وزرائه من الحكومة، محملة إياهم جزءا من الأسباب التي فجرت الوضع الاحتجاجي في الحسيمة، أما قصة أن الحزب هو صاحب المبادرة في قرار مغادرة نصف وزير له بحكومة العثماني عن طريق لجنته المركزية فهي قصة مثيرة للسخرية ولن تقنع أحدا.
لقد بات من المضحك والسذاجة استمرار ترديد نبيل بنعبد الله لسمفونية “النفس السياسي الجديد” وأسطوانة “بناء الثقة” والركوب على قضايا حقوقية، فهذه أكاذيب انتخابية لم تعد تنطلي على أحد ولا حتى على عقلاء الحزب نفسه. ما هو راسخ في أذهان الكثيرين أن الحزب مستعد للتحالف مع الشيطان لركوب حافلة الحكومة مهما كان سائقها، ولكي يحقق غايته فهو يبتز ويساوم ويتواطؤ ويلجأ للدسائس والمكائد ليثبت أنه مخاطب سياسي جدير بنيل جزء من الكعكة الانتخابية أو “يفركت الحفلة”.
ينسى بنعبد الله، الذي فرضت عليه المعارضة في معرض تقديمه لصورة سوداء عن التجربة الحكومية التي شارك فيها لثمان سنوات، أنه يتحمل جزءا غير يسير من المسؤولية عن هشاشة قطاع الصحة التي دبرت من طرف وزيرين في حزبه، ويكفي أن جائحة كورونا قدمت تقييما شاملا وبلا “زواق” لأوضاع مستشفياتنا ومؤسساتنا الصحية، ولا يحتاج المواطن لمجهود كبير ليصطدم بانفجار رهيب في مجال البطالة رغم أن وزيرين من حزب الكتاب تناوبا على وزارة التشغيل، حيث مر قانون التقاعد المسيء، أما السياسة السكنية التي دبرها وزيران من التقدم والاشتراكية فحدث ولا حرج، فباستثناء تبليص أعضاء الديوان السياسي في المناصب العليا، فكل أزمات ملف السكن ظلت عابرة للحكومات لم نتخلص في عهد بنعبد الله وصديقه عبد الأحد الفاسي من مدن الصفيح، ولم نتجاوز خطر المساكن الآيلة للسقوط التي تهدم على رؤوس أصحابها، ولم تسفر سياسة تدبير المدن عن فضاءات محترمة اللهم إلا تلك التي تدخلت فيها الإرادة الملكية.
في الحقيقة نحن أمام حزب مجهري بدون إنجازات تشفع له بركوب خطاب الوعظ السياسي وتقديم الدروس للآخرين، لكن لا أحد ينفي قدرة هذا الحزب على ركوب الأمواج واتباع وجهات الرياح وتغيير جلد الإيديولوجي للتكيف مع الأوضاع المستجدة. باختصار شديد فحزب بقايا الشيوعيين ممارس محترف للعبة الانتهازية بكل ما تحمله الكلمة من معان، فهو بحسه البراغماتي الذي راكمه لسبعة عقود قادر على الاختباء مرة وراء ظهر العدالة والتنمية للضغط على المؤسسات وربح مقعد حكومي لا يستحقه، ومرة أخرى يتوارى خلف ظل الأصالة والمعاصرة الذي كان يصفه بأقدح النعوت حتى تسبب له الأمر في صفعة مدوية ببلاغ للديوان الملكي، لكسب موقع في الهندسة الحكومية المقبلة.
الأمر المؤكد أن شيخ الأحزاب المغربية ظهرت عليه أعراض الشيخوخة، والمؤسف جدا أنه تحول في عهد نبيل بنعبد الله إلى حزب طفيلي بدون هوية أو طعم أو لون سياسي أو فكري، همه الوحيد التهام بقايا الآخرين وتقديم خدمات الوساطة المؤدى عنها فهو يعتقد أن تكليفه بالوساطة بين الاحزاب وحزب العدالة والتنمية في موضوع القاسم الانتخابي، والوساطة بين الأغلبية والمعارضة، والوساطة بين مكونات المعارضة نفسها كفيل بأن ينال مقابلها عائدات سياسية وانتخابية تغطي عجزه الشعبي داخل المجتمع.

إقرأ أيضاً  خاب ظن أعداء الوطن
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى