الرئيسيةملف التاريخ

التجسس والتآمر ..الحقائق التاريخية المحرجة للجزائر في علاقتها بالمغرب

يونس جنوحي
«لم يكن تمويل البوليساريو و«خلقها» وصناعة مخيم في تندوف، أشهر الحقائق المحرجة لتورط النظام الجزائري في حرب سرية ومعلنة ضد المغرب. بل هناك حقائق نادرا ما يتم التركيز عليها، رغم فداحتها، يمكن أن نعتبرها مفتاحا لفهم تدهور العلاقات بين البلدين.

فالجزائر كانت مسؤولة عن اختفاء قرابة 40 مغربيا سنة 1954، دخلوا إلى الجزائر لمد يد المساعدة لفارين جزائريين من الثوار، وكان هواري بومدين باعتباره أحد قادة الثورة الجزائرية الكبار، لا يريد لأولئك المطلوبين أن ينبعثوا من مخابئهم. وهكذا عمل على إخفاء المغاربة الذين أرسلهم عباس المساعدي لتقديم المعونة لرفاقه في السلاح. وسرت أخبار في مدينة وجدة وقتها، تتهم بعض العناصر الجزائرية في المدينة من أصدقاء بومدين، بالضلوع في اغتيال المغاربة الذين انقطعت أخبارهم نهائيا في ذلك التاريخ.

وبعد استقلال البلدين، وقعت مكائد ومحاولات وصلت حد وضع مخطط سنة 1978 لتحويل المغرب إلى بلد غارق في السلاح وحرب العصابات. وهذه الحقيقة المنسية لم تكن لتكشف للعموم، لولا اعتقال الشخص اللاتيني الذي استعان به هواري بومدين، أشهرا قبل وفاته، لتنفيذ هذه الخطة.

وهذه حقائق أخرى، تعتبر الأكثر إحراجا للجزائر في مواقفها ضد المغرب.

مخطط 1978 لإزاحة الملك الحسن الثاني
أكبر خطأ كارثي قام به هواري بومدين أنه مول واحدا من أشهر المطلوبين في أوروبا بتهم إرهابية لكي ينفذ مهمة سرية، ووضع رهن إشارته رجال مخابرات جزائريين لكي ينفذوا منه المهمة، لكن بومدين مات قبل أن تحين ساعة التنفيذ، فقد كان عمره أقصر من أعمار الذين خطط لإيذائهم بذلك المخطط.

أما الإرهابي فلم يكن سوى رجل العمليات «كارلوس»، المواطن اللاتيني الذي اعتُقل في منتصف التسعينيات بعد سنوات من الفرار لاحقته خلالها المخابرات الفرنسية، لضلوعه في تفجيرات واغتيال رجال شرطة فرنسيين، منتصف السبعينيات من القرن الماضي.

وعندما كان يجري التحقيق معه بعد تسليمه إلى فرنسا مع بداية سنة 2000، فجر قنبلة من العيار الثقيل للمحققين الفرنسيين، حيث اعترف لهم بأنه تلقى أموالا من الرئيس الجزائري الأسبق هواري بومدين سنة 1978، أشهرا قبل وفاته، لكي ينفذ مخططا يرمي إلى اغتيال الملك الحسن الثاني في جولة ملكية فوق التراب المغربي، والعمل على إغراق المغرب بالسلاح على طريقة حرب العصابات التي كان «كارلوس» مدربا جيدا عليها، حيث سبق له زيارة دول إفريقية كانت غارقة في حرب العصابات وشارك في عمليات في دول عربية وإسلامية أخرى.

اعترافات هذا الأخير يقول فيها إن الرئيس الجزائري الأسبق وضع رهن إشارته رجالا من المخابرات الجزائرية، طلب منه أن يصطحبهم معه متنكرين عبر الحدود الجزائرية المغربية، حيث ستكون الخطة أن يستقروا لأسابيع في المغرب، وينتظروا وصول إمدادات بالسلاح لكي يستهدفوا الملك الراحل الحسن الثاني. ويقول «كارلوس» إن بومدين أخبره شخصيا أن هناك شخصا مقربا جدا من الملك سوف يتعاون معهم، ويمدهم ببرنامج تنقلات الملك الحسن الثاني، وسوف يوفر لهم كل ما يحتاجونه لتنفيذ العملية.

لكن لم يتم التسلل إلى التراب المغربي أصلا، لأن بومدين كان يعاني من أزمة صحية كبيرة، ونقل مرات كثيرة إلى روسيا للعلاج، ومات قبل أن يعطي الضوء الأخضر لـ«كارلوس» لكي يبدأ المخطط.

والمثير أن كارلوس أدلى من أرشيفه الذي حُجز معه أثناء اعتقاله من طرف المخابرات الفرنسية في السودان، بصور توثق لزياراته السرية إلى الجزائر، كما أن المخابرات الفرنسية سبق لها أن التقطت له صورا لرحلاته السرية إلى الجزائر العاصمة، حيث كان يلتقيه عبد العزيز بوتفليقة في المطار، ويستقبله استقبال الزعماء، وهو مطلوب أمنيا وصدرت في حقه مذكرة بحث دولية، لتورطه في جرائم فوق التراب الفرنسي.

لكن وفاة بومدين أعفت الجزائر من حرج استضافتها لشخص بتلك الخطورة، حيث كانت تلك العلاقة موضوع انتقاد صحافيين فرنسيين للنظام الجزائري في ذلك الوقت.

وحتى لو لم يتم اعتقال «كارلوس» ليبوح بكل المخططات التي شارك فيها، ومنها تمويل هواري بومدين له، فإن المخابرات المغربية كانت تعرف معلومات كثيرة عن أنشطته. إذ إن وفاة هواري بومدين شكلت انفراجا كبيرا في العلاقات بين المغرب والجزائر، والدليل أن الرئيس الجزائري الأسبق الشاذلي بن جديد كان يحتفظ بصداقة متينة مع الملك الراحل الحسن الثاني، حيث طوى المغرب كل الخلافات الكبيرة مع الجزائر، ولم تتعقد الأمور مرة أخرى إلا باستعادة رموز الجيش الجزائري من تلاميذ بومدين القدامى زمام السلطة، حيث أعادوا مؤشر العلاقات بين الجزائر والمغرب إلى الصفر.

تمويل تأسيس البوليساريو وفضيحة فندق «أسني
يقول امبارك بودرقة في كتابه الأخير «بوح الذاكرة وإشهاد الوثيقة»، باعتباره أحد الشهود القلائل على اجتماعات مع قدماء جيش التحرير المغربي في الصحراء وزياراتهم إلى فرنسا، وكيف استقطبهم النظام الجزائري سنة 1973 واخترقهم لتمويل تأسيس جبهة البوليساريو، وكيف أيضا أن محمد الفقيه البصري لم يكن راضيا عن انسياق هؤلاء الشبان المغاربة وراء الجزائر، ما يلي: «بعد عودة مصطفى ولد السيد من هذه العملية، أخبرني منتشيا بإطلاقهم الكفاح المسلح ضد الوجود الإسباني على التراب الجنوبي للمغرب. لم يكن لديهم البتة أي نزوع انفصالي في البداية. ولا كانت للجزائريين عليهم دالة ولا وصاية.

ذلك أنني كنت حاضرا ومنسقا رفقة إبراهيم أوشلح لأول لقاء جمع الوالي مصطفى السيد مع جلول ملائكة، المسؤول عن ملف الحركات التحررية بحزب جبهة التحرير الوطني الجزائري.

كانت الأرضية المشتركة بيننا في البدء قائمة على هذا الأساس. تعاون بين التنظيم السري وبين مجموعة الشباب الصحراوي بقيادة الوالي مصطفى السيد، لدحر الاستعمار الإسباني من الصحراء المغربية، يليه إيجاد مساحة تحررية يمكن تعميم تجربتها لتمتد شمالا. كل هذا تم ضمن إطار مشروع وحدوي، خال من أي نزعة انفصالية ودون تدخل للحسابات الإقليمية على الخط ليبية كانت أو جزائرية.

سعينا إلى إيجاد بديل ينقلنا من خندق الحصار والإحراج إلى فضاء الدعم والاحتضان، فمشروعنا يرمي إلى تحرير الأرض والإنسان وتصفية الاستعمار. وهو عمل مشروع تكفله المواثيق الدولية، لذلك لن يكون هناك مانع لحصول دعم عربي ودولي لقضيتنا.

في خطوتنا تلك كانت أكثر من رسالة، وأكثر من رهان. كنا شركاء في المشروع، بأفكارنا وأطرنا وسلاحنا، لكن شاءت الإرادة الجزائرية لاحقا أن تفصلنا عن بعضنا لتنفرد بجبهة البوليساريو وتوجهها وفق بوصلتها».

المثير أن مسألة تندوف أيضا تدين الجزائر، حيث إن الكتاب عرض مجموعة من الوثائق بخط اليد توثق لمراسلات بين قيادات في الصحراء وأعضاء جيش التحرير، حيث لعبت منطقة تندوف دورا كبيرا في مخطط لتمويل عمليات جيش التحرير، وبقي التعامل معها على أنها مغربية لسنوات طويلة، قبل أن تتدخل الجزائر لاستغلالها في مخطط إنشاء البوليساريو.

إذ جاء في الكتاب في مقاطع متفرقة تتحدث عن كواليس سنة 1973: «كان بوزاليم عضوا في جيش التحرير، يتوفر على شبكة علاقات كبيرة متداخلة مع أهل الصحراء، ممن يقصدون الموسم السنوي لتندوف من مختلف ربوع الجنوب المغربي. عند عودته ضمّن تقريره، استعداد تجار أهل الصحراء ممن التقاهم في تندوف لدعم هذه الحركة الثورية التحررية ومساعدتها ماديا.

(..) طلبنا لقاء لدى الرئاسة الجزائرية، لشرح المشروع التحرري ضد الاستعمار الإسباني انطلاقا من أراضي تندوف. والأهم، تقديم طلب للسلطات الجزائرية لغض الطرف عن تحركات المقاومين المغاربة فوق هذه الأراضي، باعتبارها لا تستهدف زعزعة استقرار الجزائر، بل تروم تحرير الصحراء المغربية من الاحتلال الإسباني.

(..) تزامن هذا اللقاء على مستوى القيادة، مع تأسيس جبهة البوليساريو وتنفيذها لأول عملية ضد المركز الإسباني.

بعد عودة الوالي مصطفى السيد من هذه العملية، أخبرني منتشيا بإطلاقهم للكفاح المسلح ضد الوجود الإسباني على التراب الجنوبي للمغرب. لم يكن لديهم البتة أي نزوع انفصالي في البداية. ولا كانت للجزائريين عليهم أي وصاية».

أما قضية فندق «أطلس أسني» بمراكش سنة 1994، حيث توصل المحققون الأمنيون المغاربة إلى تحديد المخططين لتفجير الفندق، فقد كانت تُدين الجزائر. وتعتبر تلك العملية إحدى المحاولات النادرة التي نفذ فيها الجزائريون مخططا لزعزعة المغرب أمنيا.

يوم 24 غشت 1994، كان المغرب على موعد مع تلك المحاولة الإرهابية التي استهدفت السمعة السياحية للمغرب وضربها أمنيا. إذ إن التحقيق لتحديد هويات الفاعلين، خلص إلى أنهم مسلحون جزائريون، كانت تحركهم مخابرات الجزائر. حيث إن المغرب كان يتوفر على معطيات مؤكدة حول تحركات المخابرات الجزائرية، ثلاث سنوات قبل ذلك تمهيدا للمخطط. وكان الرد الرسمي المغربي إطلاق قانون فرض التأشيرة على المواطنين الجزائريين، وهو ما ردت عليه الجزائر وقتها بتكريس وتعميق الأزمة، إذ قرر الجزائريون إغلاق الحدود في المنطقة الشرقية مع وجدة، حيث أغلقت الحدود البرية بين المغرب والجزائر، وتضرر تاريخ بأكمله في المنطقة.

بإيعاز من بومدين.. اختفاء مواطنين مغاربة سنة 1954 بالجزائر
من الملفات الشائكة التي باتت منسية تماما في تاريخ العلاقات المغربية الجزائرية، موضوع اختفاء عدد من أعضاء جيش التحرير المغربي المنحدرين من القرى والمداشر المغربية على الحدود مع الجزائر. فهؤلاء الذين استقبل الملك الراحل محمد الخامس بعض ممثليهم سنة 1960، واستمع إلى قضيتهم، بل وراسل الرئيس الأسبق الجزائري أحمد بن بلة بشأنها عبر وسيط سياسي هو علال الفاسي، كانوا آخر الأحياء الذين كانوا على علاقة مباشرة بالملف، قبل أن يطاله النسيان بوفاتهم.

تعود الواقعة إلى سنة 1954، عندما كان موضوع تمويل المقاومة الجزائرية في أقوى مراحله. إذ إن المغرب في تلك السنة كان يتجه نحو انفراج سياسي، بعد فشل فرض بن عرفة على العرش. واستغل رموز الحركة الوطنية وجودهم في القاهرة على الخصوص، وإسبانيا، للقيام باتصالات سرية لتمويل المقاومة في المغرب، حيث تقرر تسليم الجزائريين، ممثلي أعضاء الثورة الجزائرية وعلى رأسهم أحمد بن بلة وهواري بومدين، دفعات من السلاح الذي حصل عليه المغرب بفضل تلك الاتصالات مع جمال عبد الناصر خصوصا.

إذ إن موضوع الباخرة دينا، التي جاءت إلى السواحل الشمالية المغربية محملة بالسلاح من القاهرة، كان من أهم محطات تمويل المقاومة المغربية. وعلى ضوء هذا الملف تعزز دور جيش التحرير المغربي في تمويل المقاومة في المغرب والجزائر أيضا.

وهنا جاء دور فريق عباس المساعدي، الذي كان مسؤولا عن جيش التحرير المغربي في منطقة أكنول، حيث كان معروفا للمخابرات الفرنسية «SDEC» أن هذا الأخير، أي المساعدي، كان على اتصال بالمقاومين الجزائريين، وبينهم أفراد محكومون غيابيا بالإعدام في الجزائر، ويضعهم البوليس الفرنسي في أعلى قائمة الإرهابيين.

كانت فرنسا تحقق في إمكانية أن يكون هؤلاء الجزائريون قد قدموا إلى منطقة الناظور ووجدة بهويات مزورة للاختباء فيها إلى أن يهدأ التمشيط الأمني في الجزائر بحثا عنهم، لكن في الحقيقة فإن رجال خلايا جيش التحرير التابعين لعباس المساعدي، كانوا قد تسللوا إلى الجزائر محملين بالسلاح، ليصلوا إلى منطقة وجود المبحوث عنهم، حيث تقرر أن يتم توفير الحماية لهم من طرف مغاربة جيش التحرير، وبأوامر مباشرة من عباس المساعدي. وهذا ما تناولته تقارير المخابرات الفرنسية الموجودة حاليا في الأرشيف الفرنسي.

وقد تحدث عدد من قدماء جيش التحرير عن الموضوع، خصوصا صفي الدين وعبد الله بن المختار الذي كتب سنة 1985 كتابا عنونه بـ«قصتي مع المقاومة.. وفاء لروح عباس المساعدي». حيث أكدوا أن عددا من سكان القرى القريبة من أكنول، والذين كانوا يتلقون التعليمات من عباس المساعدي شخصيا، وينظرون إليه باعتباره زعيما لهم، توجهوا إلى الجزائر، حيث تفرقوا على الحدود واتجه كل فريق إلى وجهة معينة وفق التعليمات التي أعطيت لهم، لكي يوصلوا السلاح المخبأ بعناية فوق ظهور البغال. إذ تنكر هؤلاء المقاومون في مظهر باعة متجولين يجوبون القرى لبيع المحاصيل الزراعية، بينما كانوا يخبئون داخل أكياس الحبوب بنادق وذخيرة كانت مهمتهم إيصالها إلى المقاومين الجزائريين المحاصرين ومساعدتهم على الخروج من حصار البوليس الفرنسي المضروب عليهم.

لكن ما وقع أن هؤلاء المقاومين، الذين قيل إن عددهم لم يكن يتجاوز الأربعين، حيث كانوا موزعين على عشرة فرق لا يتجاوز عدد أعضاء الفريق الواحد خمسة أفراد، اختفوا ولم يعد منهم أحد نهائيا.

وتحدث بعض قدماء المقاومة الجزائرية، عن تخطيط هواري بومدين شخصيا سنة 1954 لاغتيالهم، حيث أوكل إلى بعض أنصاره المسلحين أمر تصفيتهم حتى لا يساعدوا أصدقاء عباس المساعدي في استعادة زمام الأمور ومواصلة العمل المسلح. وقد وصلت أخبار إلى وجدة في السنة نفسها تؤكد الموضوع، إذ تم إخبار بعض أعضاء جيش التحرير بما قام به هواري بومدين، حيث انتشر الخبر بإفشاء مساعدي بومدين للخبر، وهم أنفسهم الأشخاص الذين استعان بهم للقيام بانقلابه الشهير على أحمد بن بلة، أول رئيس للجزائر بعد الاستقلال سنة 1963. إذ إن بومدين كان متخوفا من سيناريو امتداد جيش التحرير المغربي إلى الجزائر، واستغل حالة التخبط التي كانت تعيشها البلاد، ليتم إقبار ملف اختفاء هؤلاء المواطنين المغاربة، الذين كانوا من قدماء جيش التحرير المغربي في المنطقة الشرقية للمغرب.

حرب الرمال.. الجزائر جندت الهواة
عندما انتصر المغرب في حرب الرمال ضد الجزائر في أكتوبر سنة 1963، كان هواري بومدين باعتباره وقتها وزيرا للدفاع، قد خرج في تصريحات لصحافة بلاده يقول فيها إن المغرب استقوى على الجزائر، التي لم تكن وقتها تتوفر على جيش نظامي مدرب ومسلح، بحكم أن البلاد قد حصلت على الاستقلال، قبل أشهر فقط. بينما كان المغرب دولة مستقلة بجيش ملكي منظم ومهيكل منذ سنة 1956، وهو ما يعني أن الفريقين لم يكونا متكافئين.

لكن خرجات بومدين الإعلامية وهو وزير للدفاع وقتها، كان الهدف منها استمالة تعاطف الدول المجاورة ولعب دور الضحية، حيث إن ما وقع كان مخالفا تماما لما تم ادعاؤه. وقد عاين مبعوثون وقتها من دول صديقة، أثناء زيارتهم إلى المغرب، أفواجا من الأسرى الجزائريين الذين اعتقلهم المغرب بعد اقتحام الحدود المغربية الجزائرية، نواحي حاسي بيضا الشرقية. وكانت جلسة من القمة العربية مخصصة للموضوع لطي الخلاف بين المغرب والجزائر، حيث تبين لأعضاء الوفد المكون من دبلوماسيين عرب جلسوا مع الملك الحسن الثاني، ثم مع هواري بومدين، أن الأسرى الجزائريين لم يكونوا عسكريين وإنما مجرد رجال قبائل مسلحين على طريقة العصابات، ولم يكن لديهم أي إلمام بالحياة العسكرية. وعندما تم الاستماع إليهم لم يكن لديهم قائد أو متحدث باسمهم، وبدا واضحا أنهم تلقوا تعليمات «ما» من جهة أرسلتهم بالشاحنات لاقتحام المنطقة الحدودية وإضرام النار وإطلاق الرصاص في اتجاه تجمع للجنود المغاربة. إذ إن التقارير الرسمية لحرب الرمال تؤكد أن المغرب كان مضطرا إلى الرد على استفزاز على الحدود، حيث انتهكت السيادة المغربية على يد مخربين تم اعتقالهم، وقام المغرب برد عسكري لدحر الاختراق، وهو ما نتج عنه أسر مجندين جزائريين، لتعلن الجزائر أن المغرب قد تقدم عليها عسكريا بفارق كبير جدا.

ورغم محاولات كثيرة لطمس حقائق تتعلق بحرب الرمال، التي سطع فيها نجم جنرالات مغاربة، أبرزهم الجنرال إدريس بن عمر الذي كان قائد عمليات، إلا أن بعض الوقائع التي وثق لها مراسلو وكالات أجنبية، سجلت موقفا مشرفا للمغرب بعد تلك المواجهات خلال حرب الرمال، حيث طوي الخلاف بعد أسابيع، وتحدث الملك الراحل الحسن الثاني مع أحمد بن بلة قبل أن يتم الانقلاب عليه من طرف وزير دفاعه، هواري بومدين، وكان بن بلة وقتها يداري إحراجه، لأنه لم يكن على علم بما خطط له وزير دفاعه.

عيد الأضحى 1975.. تنفيذ مخطط طرد «كل المغاربة»
عددهم تجاوز ربع مليون بكثير، حيث إن الإحصائيات الرسمية في الملف الموضوع في جنيف تتحدث عن أزيد من 350 ألف مغربي ومغربية موزعين على أزيد من 45 ألف أسرة، رُحلوا قسرا وبالقوة والاختطاف والاعتقال التعسفي، وتم رميهم على الحدود المغربية في عز احتفالات يوم عيد الأضحى لسنة 1975، والذي تزامن وقتها مع شهر دجنبر ببرده القارس.

إذ إن رجال الأمن الجزائريين، بالإضافة إلى موظفي المخابرات، قاموا بجرد لوائح المواطنين المغاربة المقيمين في الجزائر، والذين كانت أعداد كبيرة منهم متزوجين من جزائريين وجزائريات، ولكن هذا لم يشفع لبقائهم فوق التراب الجزائري، بعد المسيرة الخضراء بثلاثة أسابيع فقط.

إذ إن بومدين أراد الرد على المبادرة المغربية في الصحراء، ونفذ مخططا حلم به وأسماه «المسيرة الكحلا» انتقاما من المغرب. ورمى المغاربة على الحدود مع وجدة، بعد تجريدهم من ممتلكاتهم وتشريد أسرهم. حيث إن الحالات التي كان رب الأسرة فيها مغربيا بينما زوجته جزائرية، فإنه قد تعرض للترحيل رفقة أبنائه، أو بعضهم فقط. بينما في الحالات التي كانت الأسر فيها مغربية مائة بالمائة، فقد تم ترحيل الجميع. بينما في حالة الأسر الجزائرية التي كانت الأم فقط هي التي تحمل الجنسية المغربية، فقد تم ترحيل الأمهات فقط لتعيش تلك الأسر مآسي لا حصر لها، بسبب تشرذم الأبناء وليس الأزواج فقط.

وعلى الحدود، جرت انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، إذ تم تجميع أزيد من ربع مليون في أقل من يومين، وكان يوم عيد الأضحى هو الحاسم، حيث تم انتشال بقية المطرودين من قلب إحيائهم لطقوس احتفالات عيد الأضحى، حتى أن آلاف الأسر تركت الأضاحي مذبوحة ومعلقة في المنازل ليتم اقتياد أفرادها إلى الحدود مع مدينة وجدة، مجردين من أموالهم وممتلكاتهم التي لا تزال موضوع نقاش حقوقي إلى اليوم، حيث لا يزال ذوو الحقوق متمسكين بضرورة استعادة أموالهم وممتلكاتهم، بينما السلطات الجزائرية منذ عهد هواري بومدين، قررت أن تمنح ممتلكات المواطنين المغاربة لعائلات شهداء الثورة الجزائرية.

وهذا الملف يبقى من أكثر الملفات إثارة للاستغراب، بل ومن الملفات الغرائبية في القرن الماضي، إذ لم تُسجل حالة مشابهة له بين دولتين متجاورتين خلال النصف قرن الأخير.

جوازات جزائرية وتمويل لمعارضين مغاربة
عندما التقى الملك الراحل الحسن الثاني مع عبد الرحمن اليوسفي ولقبه ممازحا بلقب «تاجر السلاح»، فإن مصدر تلك المزحة العميقة التي لطف بها الملك الراحل أجواء ذلك اللقاء التاريخي، قبيل دخول المغرب تجربة التناوب التوافقي التي لم يكتب لها أن تبدأ سوى سنة 1998، رغم أن الحديث عنها كان يجري لسنوات، لم يكن نابعا من فراغ.

إذ إن الحديث عن علاقة المعارضة المغربية التي كان يقودها كل من محمد الفقيه البصري والمهدي بن بركة، مع قيادات أخرى من أعضاء جيش التحرير المغربي الذين صدرت في حقهم أحكام غيابية قاسية في محاكمات 1963 و1970 ثم 1973، بالسلاح، تعود إلى كواليس تتعلق بدخول مئات الفارين من تلك الأحكام إلى الجزائر، طلبا للجوء.

كان من بين هؤلاء اللاجئين، أمثال القايد بنحو وسعيد بونعيلات وآخرين، من أقاموا في الجزائر لفترة احتياطية، ثم توجهوا منها إلى باريس، ومنهم من استغل وصول أخبار إصدار عفو ملكي عن المدانين ليقرروا العودة إلى بلادهم. لكن بعضهم قرروا مواصلة أنشطتهم السابقة في جيش التحرير، ومنهم من تحمس إلى الذهاب إلى سوريا لنصرة القضية الفلسطينية. وعندما نُصبت في المغرب محاكمات أخرى للمعارضة، أدرك هؤلاء، خصوصا فريق محمد الفقيه البصري بعد محاولة ثورة 1973، أن عودتهم إلى المغرب سوف تتأجل لفترة أخرى لا بد وأن تطول.

وطوال مدة تنقلاتهم، استفادوا من جوازات سفر جزائرية، وكان نظام هواري بومدين سخيا مع بعضهم. وعندما انتهت الأزمة بينهم وبين النظام، كان منهم من انتقد تدخلات بومدين والقذافي أيضا في ليبيا، لأنها عقدا ملفهم وأطالا مدة بقائهم بعيدين عن أسرهم وبلادهم.

إذ إن المخابرات الجزائرية كانت سخية في تمويل المعارضين المغاربة، حيث قدمت لهم الدعم المادي والمعنوي من باب الصداقة والأخوة بين البلدين الجارين، بينما كان الأمر في الحقيقة محاولة لإغراقهم والعمل على تعقيد ملفهم أمنيا في المغرب.

كما أن الجزائر قدمت لهم أراضيها، لإقامة مخيمات للتدرب على حمل السلاح. وهذه المخيمات بإجماع قدماء جيش التحرير المغاربة، كان الهدف منها التدرب على أجواء الاشتباكات واستعمال السلاح قبل التوجه إلى سوريا، في مخيم الزبداني تحديدا، والتسلل منه إلى الحدود السورية أثناء حربها مع إسرائيل في ستينيات القرن الماضي.

لكن الجزائريين استثمروا تلك المساعدات التي قدموها لقدماء جيش التحرير المغاربة، وسربوا في فرنسا صورا لهم بطريقة يظهرون فيها قادة للعصابات ومخططين للقيام بأعمال شغب في المغرب.

وهو الأمر الذي راح ضحيته كل من أحمد بن جلون وسعيد بونعيلات سنة 1969، حيث غادرا التراب الجزائري صوب أوروبا لكي يدخلا منها إلى المغرب ظنا منهما أن مشاكلهما مع النظام قد انتهت. لكنهما معا فوجئا باعتقال السلطات الإسبانية لهما، وتسليمهما إلى المغرب بتهم تتعلق باقتناء السلاح وتشكيل عصابات للقيام بعمل مسلح في المغرب. بينما كانت الحقيقة أن المعارضة المغربية خصوصا أفرادها المنتمين إلى اليسار، كانوا يتحركون في باريس، حيث كان يتم تأمين رحلات إلى دمشق والعمل مع خلايا سرية تنقل الراغبين في المشاركة في المعارك ضد إسرائيل، إلى ساحة المعركة.

هذا الاستغلال الذي قامت به المخابرات الجزائرية للقضية الفلسطينية، لتوريط معارضين مغاربة مع بلادهم ومع دول أوروبية، ظل موضوع انتقاد، رغم أن ضحاياه لم يعلموا به إلا في السنوات الأخيرة وبعد عودتهم النهائية إلى المغرب. حيث اتضح لهم أن المخابرات الجزائرية أطالت عمر أزمتهم واستثمرت فيها، بعد إيهامهم أنها قدمت لهم الدعم خلال فترة لجوئهم هربا من أحكام غيابية. وفي الوقت الذي كان مسموحا لهم بالعودة إلى بلادهم بعد صدور عفو عنهم في تلك الملفات، كانت الجزائر تعمق خلافهم مع النظام باستغلال أنشطتهم بصورة تخدم الصراع مع المغرب.

وبعد عودة الفقيه البصري إلى المغرب منتصف التسعينيات، وعمل خلية بنزكري سنة 2001 قبيل تأسيس الإنصاف والمصالحة، على إقناع معارضين مغاربة آخرين بالعودة إلى المغرب وطي خلافات الماضي، بعد أزيد من ربع قرن من المنفى في دول أوروبا، أعاد بعض هؤلاء العائدين جوازات السفر الجزائرية التي كانت بحوزتهم، والتي جرت عليهم الكثير من المتاعب عندما كانوا لاجئين في أوروبا.

إذ إن سوريا التي منحت جوازات سفر بلادها لعدد من هؤلاء اللاجئين، كان الهدف هو رد الجميل لهم بعد مشاركتهم في الحرب ضد إسرائيل، حيث منحت سوريا لمعارضين مغاربة جوازات سفر دبلوماسية لتسهيل حياتهم في الدول الأوروبية التي لجؤوا إليها. بينما كانت الجزائر تمنح الجوازات الجزائرية العادية للمغاربة، وتدعوهم إلى الإدلاء بتصريحات معادية لوحدة بلادهم الترابية، وهو ما كان يمتنع أغلبهم عنه، وتكون النتيجة رفض الخارجية الجزائرية تجديد جوازات سفرهم، وهو ما وقع لعدد من القياديين الذين رافقوا محمد الفقيه البصري طيلة فترة وجوده في الخارج.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى