الرأي

الدكتور الإنسان

بقلم: خالص جلبي

أن يمسك الجراح بالمبضع فيشق الجلد مفهوم وسهل، ولكن أن يتناول الريشة فيخط أسطرا من الفكر، أو ترجمة من يوميات الجراحين، فهو صعب وغير متوقع ولا يفتح شهية الجراحين. إن ما يفتح شهية الجراح عادة هو عملية جراحية (مرعبة!) يشق فيها ويبتر، يقص ويخيط، ويصف الأطباء في العادة لبعضهم هذا النوع من العمليات المخيفة بقولهم: «لقد جاءتنا حالة ظريفة!»، والظرافة في العادة تدور حول مرض يشكل مصيبة بدون حدود لصاحبه! مثل سرطان القولون والتهاب الحويصل المراري، وانتفاخ الوعاء الدموي، وخلع الكتف المتكرر، وهبوط الرحم واستسقاء الكلى. ولكنني كجراح أزعم أن المبضع والقلم قريبان ومتشابهان، فكلاهما أداة نحيفة تمسك بها اليد، فتبدع منها إما عملية أنيقة، أو لوحة جميلة، أو نص مبدع، فأما الأولى فيسيل منها الدم، وأما الثانية فيسيل منها الحبر، ولون الحبر على كل حال هو لون الدم الأزرق أو الفاحم الأسود المتدفق من الأوردة.
يستخدم الجراح أدواته فيقص ويخيط أنسجة الجسم ليبرأ المريض والمصاب، والكاتب يخيط الجمل ويرقع الكلمات فيخرج منها نسيجا جديدا من التجربة البشرية. وتشبه العملية الجراحية قصة محبوكة بدقة، ببداية مثيرة لا تفصح عن مصيرها النهائي، ووسط صاخب من تدفق الدم ولغط الآلات وقرقعة الأنصال والمشارط والمقصات، ونهاية متباينة إما درامية بموت الحبيبة أو بطل الرواية، أو بخاتمة جميلة من اجتماع الحبيبين، وهي في الجراحة إعادة وصل الأنسجة ومفاغرة الشرايين، وتدفق الدم في مجراه الطبيعي، وعودة المفرزات تضخ في أقنيتها المعتادة، أو اختلاط الحالة، وأحيانا لا تخلو من فاجعة بموت المريض، وتبقى عقدة الفيلم الجراحي التي تتكشف مع لحظات العملية النهائية، من نجاح وصلة معوية، أو استئصال ورم، أو ترقيع شريان.
يغطس الجراح عادة بين الدم والقيح، يسمع أنات المريض، ويشهد معاناته، ولكن الكاتب يتفرد بترجمة هذه المشاعر، ونقل هذه الصور اليومية إلى خارج ميدانها؛ فإذا قرأها الناس شعروا بأحاسيسهم الداخلية تنبض مع الكلمات وترف مع الأسطر، فيسحرون من البيان، وإن من البيان لسحرا، ويقتربون من تصور هذا الحقل المكرب، الذي لا ينجو منه أحد بما فيه الجراح نفسه كما حصل مع كاتب هذه الأسطر ولأكثر من تداخل جراحي، لأنه سيسقط فريسة المرض والألم في يوم من الأيام، كما جاء في فيلم «الدكتور».
صمم جراح الصدر والأوعية الثري الأمريكي الذي عاش حياته بين الملل والعبث وتدفق المال وهجر العائلة، بعد نجاته من سرطان الحنجرة، على تحويل تلاميذه في أول درس سريري، إلى مرضى تحولوا إلى أرقام لمدة اثنتين وسبعين ساعة، يخضعون فيه لكل أنواع الفحوصات والحرمانات المزعجة، كي يذوقوا ألم المريض ومعاناته، بعد أن ارتدوا فوطته التي تدفعه إلى عالم النكرة، وناموا في سريره الذي يدفعه إلى الاستسلام لنصل الجراح الحاد، وبدأ يعامل مريضة الورم الدماغي المسلط على رأسها العلاج الكيماوي والإشعاعي فتساقط شعرها وتبدل حالها؛ كأخت وابنة له، يلبي حاجياتها الروحية قبل البدنية، وكان قد تعرف عليها في مصير مشترك بقسم الأشعة، كلاهما يدخلان تحت ماكينة عملاقة تسلط الأشعة الحارقة على الدماغ والرقبة، وإذا تحدث مع المريض تحدث مع إنسان وليس كومة لحم أو محرك سيارة للتوضيب، فلما ماتت مريضة سرطان الدماغ الشابة بكاها وسالت دموعه بتدفق غير عادي… بكى بقدر ما انحبست كل عواطفه السابقة؛ فتدفقت مثل ماء السيل المحتبس من سد تفجر بلحظة واحدة، حتى يغتسل بها ويتطهر، فليس أفضل من الدموع كحمام روحي، ورجع إلى زوجته يحمل صفارة، بعد عملية استئصال ورم الحبال الصوتية و(خزع الرغامى) فإذا طلب شيئا لجأ إلى الكتابة على لوح أو أطلق صفارة مزعجة.
كان الدكتور قد وصل إلى القاع تماما مع صفارته ولوحه الصغير، بعد كل العظمة والأبهة السابقة، واكتشف وداعة وجمال زوجته وحنانها للمرة الأولى، وأبصر طفله بشكل صحيح برؤية واضحة بعد أن انجلت غمامة العمل اللارحمانية، التي تعيق الأطباء عن رؤية الحياة تماما؛ بتحولهم إلى مهنيين وأحيانا من النوع السيئ، لا يختلف فيه جراح العظام عن الحداد، وجراح التجميل عن الحلاق، وجراح الأعصاب عن الكهربائي وطبيب النجدة عن سائق الشاحنة، وجراح الأوعية عن السباك. مع الاعتذار سلفا لكل هذه المهن.
عندها فقط بدأ يعمل كإنسان وفهم فحوى الرسالة التي سطرتها مريضة (سرطان الدماغ) الشابة في ليلة دخولها غيبوبة أبدية، التي لن ترجع بعدها أبدا: «عزيزي أكتب لك وأنا أدخل سكرات الموت، والغيبوبة تجتاحني بين الحين والآخر، فإذا انجلت كتبت لك فكرة تنفعك في مواجهة اليأس، عندما يطبق عليك؛ فتظلم السماء، ويحلو لك الأفق، وتدلهم الخطوب: كان هناك مزرعة وفلاح قد نصب (فزاعة) فيها لتخويف الطيور من أكل الحبوب، ولكنه أراد يوما من الطيور أن تنزل فتأكل الحب. مد يديه وناشدها بحرارة من أجل النزول، ولكن الطيور لم تستجب، كانت تخاف أكثر فتمضي هاربة في الأفق لأبعد فأبعد مع كل إغراء الحبوب».

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى