آخر الأخبار
TM_Top-banner_970x250

الشغل والشغل ثم الشغل

الشغل والشغل ثم الشغل

عوض أن يتحمل رئيس الحكومة السابق عبد الإله بنكيران مسؤوليته ويعترف بأن الحصيلة الكارثية لحكومته على مستوى التشغيل وتوفير خدمات الرعاية الصحية والاجتماعية هي التي تسببت في ما يعيشه الريف حاليا فضل أن يهرب إلى الأمام ويتهم أخاه في الحزب رئيس الحكومة الحالي سعد الدين العثماني بسوء تدبير الملف، مشيرا في الطريق إلى أن قرار عزله ليس مفهوما. مما يعني أن قرار الملك إبعاد بنكيران «مزال ماتصرطش ليه، الحكومة تشكلات ورئيسها تعين والوزارا خدامين وبنكيران مزال باغي يفهم علاش تساس».
والواقع أن حكومة بنكيران كان يجب أن تحاسب على حصيلتها، فقد خلفت لنا 63 بالمائة كنسبة من
الدين من الناتج الداخلي الخام، وتسببت في تراجع معدل النمو بخمسين بالمائة وتركت لنا سبعة فاصلة خمسة بالمائة هي نسبة العجز في الميزان التجاري، وارتفاعا في نسبة البطالة في صفوف الأطر لأول مرة والتي ارتفعت بـ9,5 بالمائة.
لقد كشف تقرير المجلس الاقتصادي والاجتماعي حول التنمية في العالم القروي أن 79 بالمائة من سكان العالم القروي فقراء، مما يعتبر صفارة إنذار حقيقية لإيقاظ ضمائر من يتولون التصرف في أموال دافعي الضرائب.
إن ما قاله مجلس نزار بركة زكاه تقرير صادر عن الأمم المتحدة هذه المرة حول كون 60 بالمائة من المغاربة يعيشون في حالة حرمان، يعني أن وضع المغرب الصحي شبيه بوضع شخص مصاب بالشلل النصفي، يجرجر نصفه السليم نصفه المشلول كلما حاول أن يسير.
وخطورة هذا الاحتياطي الكبير من الفقر هو سهولة استغلاله من طرف الإرهابيين لتنفيذ مخططات تدميرية، وأيضا من طرف تجار الدين للنجاح في الانتخابات والوصول إلى مراكز الدولة، ومن طرف تجار الاحتجاجات وممونيها في الداخل والخارج الباحثين عن جر البلاد إلى مسارات الدم والحديد.
فالحقد الطبقي هو أحد أكبر أعداء الاستقرار في أي بلد، وعندما يشاهد نصف المغاربة الفقراء كل هذا النعيم الذي ترفل فيه حفنة من الأثرياء دون أن يكونوا قادرين على تلبية مطالب أبنائهم الأساسية، فإن منسوب العنف يرتفع ويكثر معه السطو وسائر الجرائم الأخرى.
إن أخطر ما جاء في التقرير الأخير للبنك الدولي حول الوضعية الاقتصادية للمغرب ليس هو تأكيده على استفحال البطالة، رغم القروض والأموال الكثيرة المرصودة للاستثمار، ولكن إشارته إلى أن الشباب المغربي بأصنافهم الثلاثة التي حددها البنك أصبحوا فاقدين لكل أمل في أن يحصلوا على عمل بالمغرب.
والسبب هو أن النظام الاقتصادي للدولة يحطم أحلام الشباب في العثور على وظيفة تلائم تكوينهم ومؤهلاتهم.
هذه ببساطة قنبلة موقوتة يلزم نزع فتيلها بشكل مستعجل، لكون الأمر لا يتعلق هنا بالبطالة ولكن بمادة شديدة الانفجار اسمها الحقد واليأس.
بالأمس قلنا إننا سنتطرق للحل الوحيد لملف الاحتجاجات في الريف وبقية مدن المملكة الأخرى، والحل ليس سحريا ولا عبقريا، إنه يتلخص في كلمة واحدة هي الشغل. ببساطة فالحل الوحيد هو خلق فرص الشغل.
وكل الحكومات في الدول التي تحترم نفسها يقاس نجاحها أو فشلها بمدى تراجع نسبة البطالة، إلا عندنا نحن، فنرى كيف أن حزبا سير البلاد لخمس سنوات عرفت الأوضاع في عهده موجة إفلاس غير مسبوقة للشركات والمقاولات وتراجعا كبيرا لفرص الشغل يترشح مرة أخرى ويفوز برئاسة الحكومة.
وفي دول أوربا عندما ترتفع نسبة الشغل بصفر فاصلة صفر واحد يكون هذا الخبر سببا كافيا لكي تفتتح به القنوات التلفزيونية نشرة الأخبار، فالشغل هو الكرامة أولا وأخيرا، وبدونه يتحول المواطنون إلى قنابل موقوتة يمكن أن تنفجر في أية لحظة.
لتوفير الشغل لأبناء المغاربة العاطلين يجب على الحكومة والدولة أن يدعوا البنوك والمؤسسات المالية وأثرياء هذا البلد إلى تحمل مسؤوليتهم إزاء الوضع الحالي.
يجب على البنوك التي تراكم الأرباح أن تتحمل مسؤوليتها وأن تدعم المشاريع المدرة للدخل، وأن ترافق الشباب في خطواتهم الأولى على درب الشغل بتوفير رأس المال ومنح التسهيلات الضرورية لانخراط الشباب في سوق الشغل.
ثاني شيء يجب البدء فيه فورا هو الشروع في إصلاح ضريبي لتشجيع المقاولات والمستثمرين، مع إعلان عفو ضريبي يراعي ظروف المقاولات المعسرة.
ثالث شيء يجب القيام به هو تشجيع الاستثمار الخارجي، لقد سن المغرب مدونة التجارة ومدونة الشغل، ومدونة التأمينات، ووضع قوانين تسمح للمستثمرين بتحويل العملة إلى بلدانهم، بناء على تحذير البنك الدولي بالسكتة القلبية.
الذي حدث أن الشركات الكبرى استفادت ولجأت إلى إقفال المقاولات مستفيدة من إلغاء قانون الإفلاس وتغييره بقانون صعوبة المقاولة. فيما استفادت شركات العقار الكبرى من أراضي الدولة وقروض الأبناك وحولت أرباحها نحو الخارج وأقفلت أبوابها، أما شركات النسيج فكلها هاجرت نحو تركيا ومنها بدأت تغرق السوق المغربي بالأقمشة والألبسة.
لماذا يخاف المستثمرون من القدوم إلى المغرب؟ هناك سببان، أولا بسبب عدم وجود ضمانات لحماية الملكية وثانيا بسبب غياب الأمن القضائي.
بمعنى أن جريمة السطو على ممتلكات الأجانب العقارية وجريمة الرشوة التي تنخر الجسم القضائي تعطيان صورة سلبية عن المغرب في الخارج.
وإذا أضفنا إلى هذه الصورة صور الاحتجاجات اليومية التي تتناقلها مختلف القنوات الدولية في نشرات أخبارها فمن هو هذا المستثمر الأحمق الذي سيقبل بأن يغامر بجلب أمواله إلى بلد لا يكاد يمر شهر فيه دون أن تسمع باعتقال قاض متلبسا بتسلم رشوة ؟
هناك مثال تركي يجب على المغرب أن يحتذي به في مجال تشجيع المستثمرين المغاربة بالخارج على إنشاء مشاريعهم، فجميع سفارات تركيا في العالم تمنح مواطنيها في الخارج دعما ماليا لتنفيذ مشاريعهم، لماذا لا يقوم المغرب بذلك أيضا مع أبناء جاليته، خصوصا أن الأرباح في الأخير يتم تحويلها إلى المغرب ؟
وبالعودة إلى قضية خلق مناصب الشغل، يجب أن نعرف أن بعض رؤساء الجماعات المحلية يساهمون بفسادهم في فقدان مناصب الشغل عوض خلقها،
فرئيس جماعة حقير يبتز رئيس شركة يشغل 3000 مواطن لكي يعطيه رشوة وعندما يرفض يسبب له احتقانا داخل الشركة وتدخل النقابات على الخط وتبدأ الإضرابات ويقرر صاحب الشركة إغلاق أبواب الشركة وإرسال هؤلاء المستخدمين الذين يعيلون 3000 أسرة إلى الشارع، ويتوجه هو إلى دولة أخرى يستطيع قضاؤها أن يحمي رأسماله من الضياع.
هذه ببساطة شديدة هي الوصفة الوحيدة القادرة على ضمان السلم الاجتماعي في المغرب.
بدون خلق فرص الشغل للشباب العاطل سيبقون في الشوارع وسيسيرون مع كل من يرفع شعارا حانقا على الدولة، وإذا كانوا اليوم يحملون الحجارة ويقذفون بها رجال الأمن فإنه لا أحد يضمن غدا أن يرموهم بشيء آخر إذا وجدوا من يوفره لهم، وكم هم كثر هؤلاء من هم مستعدون لاستغلال الشباب الحاقد والحانق على الوضع، فلا تلعبوا على الوقت لأن الوقت حاليا يجري لصالح الأعداء.
هذا من جهة، من جهة أخرى يجب استحضار المقولة المأثورة «إذا أردت تحرير وطن فضع في مسدسك 10 رصاصات تسع للخونة وواحدة للعدو فلولا خونة الداخل ما تجرأ عليك عدو الخارج».
بمعنى أن أعداء الداخل هم أخطر ألف مرة من أعداء الخارج، وأعداء الداخل هم أولئك الذين يتلقون الدعم السخي لجمعياتهم ومنظماتهم ومقاولاتهم الإعلامية من الخارج لتنفيذ أجندات دول أجنبية في المغرب تحت غطاءات مختلفة.
هؤلاء يجب تطبيق القانون في حقهم وقطع الإمدادات الخارجية عن حساباتهم البنكية، وإخضاع حساباتهم للافتحاص لتبرير مداخيلهم.
وفي مقابل ذلك يجب تغيير مدراء ومسؤولي القنوات العمومية الممولة من جيوب دافعي الضرائب، لأنهم أخلوا بواجبهم الإعلامي المتمثل في فتح القنوات التي تحت إدارتهم للنقاش العمومي حول ما يجري اليوم في ربوع المملكة.
إنه لمن العار والمخزي والمخجل أن يتابع المغاربة النقاش حول قضاياهم ومشاكلهم في القنوات الأجنبية فيما قنواتهم الوطنية تدس رؤوسها في الرمال مثل النعامات.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة