حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرئيسيةتقاريرثقافة وفن

 الطب والأطباء في الرواية والأدب

 إعداد وتقديم: سعيد الباز

مقالات ذات صلة

 

لم يعد عمق العلاقة والارتباط الوثيق بين الطب والأدب، فقط، ظاهرة شائعة ومتعارفا عليها، بل أصبحت مقولة: «الطب زوجتي الشرعية والأدب عشيقتي» لرائد القصة الحديثة، الروسي أنطون تشيخوف، عنوانا بارزا لهذه الظاهرة الممتدة في تاريخ الأدب العالمي من خلال نماذج كثيرة. إنّ الرابط بينهما يجد أساسه باقترانهما بالألم الإنساني والكشف عن أغواره العميقة.

 

علاء الأسواني.. عيادتي نافذة على المجتمع

 

 

أتى الروائي المصري علاء الأسواني من مجال الطبّ، وتحديدا طبّ الأسنان، إلى الرواية، خصوصا والإبداع الأدبي عموما. استطاع أن يوازن بينهما ويعتبرهما مترابطين، فهما، بحسب قوله، متكاملان: «لو أمعنا النظر لوجدنا أن مهنة الطب، مقارنة بالمهن الأخرى، هي التي أعطت أكبر عدد من الروائيين. وتفسير ذلك سهل، لأن الطب والأدب يشتركان في نفس الموضوع، ألا وهو الإنسان. أعتقد أن المهنتين تجمعهما علاقة وثيقة.

إنني، في كلتا الحالتين، أخدم الإنسانية: عندما أعالج مريضا منها وعندما أكتب عنه. مهنة طب الأسنان هي، بالنسبة إليّ، نافعة للغاية، لأنّها تسمح لي بكسب قوت حياتي وتمكنني من أن أكون كاتبا مستقلا بمنأى عن الضغوط الممارسة من طرف السلطات الرسمية». وفي الفصل بينهما يضيف الأسواني: «ألتقي كل يوم أناسا مختلفين، ومن أوساط وثقافات شتى وهو ما يعتبر مهما بالنسبة إلي كروائي. إنني أحرص دائما في عيادتي على الفصل بين الطبيب والروائي. بطبيعة الحال، إن المريض الذي يأتي إلى عيادتي إنما يبحث عن طبيب أسنان لا كاتب روايات.

أنظم ملتقى أسبوعيا في الأدب وأمنح الوقت لكل من أراد أن يحاورني في ما يخصّ نشاطي كروائي، إلا أن ذلك يتم خارج أوقات النشاط الطبي. لكن بعد ذلك النجاح الذي عرفته روايتي (عمارة يعقوبيان) والفيلم الذي حولت إليه، حضر إليّ مرضى جاؤوا للمعالجة لكن أيضا ليقترحوا عليّ، في الواقع، خدماتهم في مجال السينما..  لذلك أحاول الفصل بين المهنتين. عندما أكون في عيادتي، فأنا مجرد طبيب أسنان».

يمكن أن نجد لهذا الجمع بين الطب والكتابة الروائية لدى علاء الأسواني تأثيراته الواضحة في فترة دراسته كما أوضحه في حواراته: «في أواخر السبعينيات كنتُ طالبا في القصر العيني الذي يضمّ كلية الطب وكلية طب الأسنان، حيث كنتُ أدرس. وكان النشاط الأدبي والفني بين طلبة القصر العيني كبيرا ورائعا، وأذكر أننا كنّا كلنا نحصل دائما على المراكز الأولى في المسابقات الفنية… بل إنّ معظم أساتذتنا كانوا على دراية كبيرة بالفن والأدب، فكان عميد طب الأسنان، الدكتور محمد داود التنير، خبيرا حقيقيا بالأدب الروسي وكنتُ أستمع إليه بانبهار وهو يشرح لنا حياة الكاتب العملاق فيودور ديتوفسكي وأعماله.

وكان الدكتور حيدر غالب، أستاذ علم الأدوية، يبدأ محاضراته دائما بإذاعة قطعة من الموسيقى الكلاسيكية في المدرّج، ويعطينا نبذة عن مؤلفها وسماتها الفنية ثم ينتقل بعد ذلك إلى علم الأدوية. ثم تخرجتُ وبدأت رحلة الكتابة واكتشفتُ أنّ العلاقة بين الطب والأدب وثيقة وقديمة. والطب أكثر مهنة أنجبت أدباء: أنطون تشيكوف وإميل زولا وجورج دوهاميل وسومرست موم وغيرهم في الأدب العالمي وفي الأدب العربي إبراهيم ناجي ويوسف إدريس… وغيرهم كثيرون… يمكنني أن أترك طب الأسنان إذا أردتُ، لكن لن أفعل لأنّ عيادتي هي النافذة التي أتتبع من خلالها المجتمع المصري».

ملامح مهنة الطب في الأعمال الروائية لدى علاء الأسواني يمكن أن نجدها بارزة في روايته (شيكاغو): «جامعة إلينوى من أكبر الجامعات في الولايات المتحدة، وتنقسم إلى قسمين: المركز الطبي في غرب شيكاغو الذي يضمّ الكليات الطبية، أمّا الكليات غير الطبية فتقع في وسط المدينة. بدأ المركز الطبي في عام 1890 بإمكانات ضئيلة، ثم تطوّر واتّسع بسرعة فائقة ككل شيء في شيكاغو، حتّى أصبح مدينة شاسعة مستقلة… وتشغل أكثر من مائة مبنى: تضم كليات الطب والصيدلة والأسنان والتمريض وفروع المكتبة والإدارة، بالإضافة إلى دور سينما ومسارح ونواد رياضية. كلية طب إلينوى هي الكبرى في العالم، وتضم واحدا من أعرق أقسام الهيستولوجي… مشيّدا من خمسة طوابق على الطراز الحديث، تحوطه حديقة واسعة يتوسطها تمثال نصفي من البرونز لرجل خمسيني يبدو محدقا في الفضاء وعلى قاعدة التمثال نُقشت العبارة التالية بحروف كبيرة: (العالم الإيطالي العظيم مارشيللو مالبيجي (1628-(1694 مؤسس علم الهيستولوجي… هو الذي بدأ… ونحن هنا لنتم العمل)… فما إن تجتاز البوابة الزجاجية حتى تشعر بأنّك تركت الدنيا بمشاغلها وضوضائها وصرت في محراب العلم: المكان غارق في الهدوء، وثمة موسيقى خافتة خفيفة تنبعث من الإذاعة الداخلية. الإضاءة واحدة محسوبة بحيث تريح النظر ولا تشتت الانتباه ولا تنم عن الزمن في الخارج، عشرات الباحثين والطلاب لا يكفون عن الحركة والعمل».

 

يوسف إدريس.. تلميذ طبّ

 

… كنت من الطلبة الذين أتاح لهم الحظ الالتحاق بكلية الطب… لقد تخيلت عندما ارتديت المعطف الأبيض وأمسكت بمبضع التشريح الخاص بالضفادع والحشرات في السنة الإعدادية أنني أعبث بمبضعي في جثث الآدميين وأنّ مهارتي في عملية بطن الضفدعة بالمقص لا تقل عن مهارة الدكتور «نجيب مقار» في استئصال كلية أحد الآدميين، وكنت أزهو بلقب دكتور الذي يخلعه علي الناس مجاملة ابتداء من بواب العمارة إلى بنت الجيران التي كنت أختال أمامها بالبالطو الناصع البياض والحقيبة الجلدية الأنيقة… تشبها بكبار الأطباء والسيجارة مثبتة في ركن من فمي لكي تكتمل كلّ معالم «الدكترة»… فكانت النتيجة أن تعلمت التدخين وما زلت أدخن بإدمان وإن كنت أنصح الناس بالإقلاع عن هذه العادة الضارة!

وبعد انتهاء السنة الإعدادية بدأنا الدراسة الطبية الحقيقية… فكنّا نشرح جثث الموتى المحفوظة في الفورمالين، وكنت أتوهم أنني سأقوم باكتشافات هامة في علم التشريح… فكلما شرحت جثة توقعت أنني سأجد شيئا جديدا لم يعرفه الأوائل، كأن أكتشف أنّ للإنسان قلبين لا قلبا واحدا كما هو مبيّن في الكتب!

أمّا الفرحة الكبرى ففي السنة الثالثة… عندما اشتريت سمّاعة حرصت على أن أضعها في الجيب الداخلي للجاكتة بطريقة خاصة تظهر منها جزءا، فيعرف من لا يعرف أنني طالب في الطب!

… وعند ركوبنا في الترام كنّا نتباهى بالحديث عن المرضى الذين فحصناهم هذا اليوم ونكثر متعمدين من استعمال الألفاظ اللاتينية الخاصة بأسماء الأمراض وخاصة إذا كان من بين ركاب الترام حسناء لم تلاحظ السماعات في جيوبنا فنجذب انتباهها بهذا الحديث، لعل وعسى!

وفي السنة الرابعة هبط زهونا وغرورنا عندما وجدنا زملاءنا في المدرسة الثانوية ممن التحقوا بكليات الحقوق أو الآداب أو غيرها تخرجوا وأصبحوا محامين ومدرسين ومآمير ضرائب ومدرسين وصحفيين… ونحن ما زلنا في مرحلة الدراسة نأخذ مصروفا من أهلنا!

… واقترب ميعاد الامتحان النهائي، وظفر السعداء منّا بالنجاح… وفجأة تحطمت الآمال الكبار التي كانت تراودنا عند بدء التحاقنا بالكلية… فقد كنّا نحلم بأن يفتح كل منّا عيادة خاصة تدرّ عليه الذهب… وفي ظرف سنة لابدّ أن يكون صاحب عزبة وعربة كاديلاك على الأقل! ولكن ما كلّ ما يتمنى المرء يدركه وانحصرت الآمال الآن بعد التخرج في العمل كأطباء امتياز في مستشفى قصر العيني بمرتب لا يتجاوز عشرة جنيهات… مع العمل ليل نهار، ولكنها فرصة العمر للتمرين في هذا المستشفى الكبير تحت إشراف الأساتذة الكبار.

ميخائيل بولغاكوف.. مذكرات طبيب شاب

كان الروائي والمسرحي الروسي ميخائيل بولغاكوف بدأ حياته طبيبا في الأرياف الروسية النائية، واستمدّ منها تجربة إنسانية كبيرة انطبعت جلّها في أعماله الروائية والمسرحية والقصصية سجّلها في كتابه الذائع الصيت (مذكرات طبيب شاب):

«… أصبح يأتيني إلى العيادة عبر الطريق الممهدة لعربات التزلج على الثلج نحو مئة مريض من الفلاحين يوميا، حتّى لم يعد يتبقى لي وقت لتناول الغداء. إنّ علم الحساب علم صارم جدا، فلنفترض أنّني أقضي مع كلّ مريض من زبائني خمس دقائق فقط… خمسا! فإنّ كلّ خمسمائة دقيقة تساوي ثماني ساعات وعشرين دقيقة. على نحو متواصل انتبهوا! وفضلا على ذلك عندي قسم للمرضى المقيمين في المستشفى يتّسع لثلاثين شخصا، إضافة إلى أنني أجري العمليات الجراحية. كنتُ، باختصار أعود من المستشفى في التاسعة ليلا، فاقدا الرغبة في الأكل أو الشراب أو النوم، فاقدا الرغبة في كلّ شيء، سوى رغبة واحدة هي ألّا يأتي أحدهم ليدعوني إلى عملية توليد، فقد أخذوني في الأسبوع الأخير خمس مرات في الليل عبر طرق التزلج الثلجية.

كنتُ أمشي في الجولة التفقدية مشية مندفعة، ويجرّ مساعدي ومساعدتي وممرضتان أرجلهم ورائي. وتوقفتُ فجأة عند سرير تمدد فوقه مريض ذاب في حرارته، وتنفّس تنفسا شاكيا، فعصرتُ من ذهني كلّ شيء فيه، وتلمستُ بأصابعي جلده الجاف، ونظرتُ في حدقته ثم ربت على أضلاعه، وسمعتُ كيف كان قلبه ينبض خفية. وفكّرتُ في شيء واحد فقط، كيف يمكن إنقاذه؟ وكيف يمكنني إنقاذ هذا وذاك والجميع.

كانت المعركة تبدأ كلّ صباح على ضوء الثلج الباهت، ولا تنتهي إلّا بتلألؤ ضوء المصباح الأصفر الساطع. قلتُ في نفسي بعد أن رجعتُ إلى غرفتي ليلا: كيف ينتهي هذا كله؟ أتمنى أن أعرف. فالمراجعون سيأتون عبر طرق التزلج الثلجية… كتبتُ إلى المركز في (غراتشيفكو)، وذكرتُ بأدب جم أنّ منطقة (نيكولسك) تحتاج إلى طبيب ثان. وسافرت الرسالة، على طريق مرصوص عبر محيط من الثلج، مسافة أربعين فرسخا.

وجاء الجواب بعد ثلاثة أيام، كتبوا: إنّه… بالطبع، حتما… بالطبع لكن ليس الآن، إذ لا يلتحق أيّ طبيب الآن. ثم ختموا الرسالة ببعض التقريظ الطيّب لعملي مع التمنيات بالنجاح المستمر. أحيا تشجيعهم آمالي، فتابعتُ وضع الضمادات القطنية، وحقن المصول ضد الخانوق، وإجراء عمليات الدمامل الكبيرة وتجبير الكسور بالربطات الجبسية. يوم الثلاثاء لم يأتني مئة مراجع فحسب، بل وصل العدد إلى مئة وخمسة عشر، وأنهيت المعاينات في الساعة التاسعة مساء، وغفوت وأنا أحاول أن أخمن كم سيكون عدد المراجعين غدا، ثم حلمت أنّ عددهم قد بلغ تسعمائة مراجع.

… أخذت أمشي وأطوف في مسكني الفاخر طوال النهار (كان بيت الطبيب مؤلفا من ست غرف، ولسبب ما من طابقين، ثلاث غرف في الأعلى وثلاث أخرى في الأسفل مع المطبخ)، ورحت أصفر موسيقى أوبرالية، وأدخن، وأنقر على شباك النافذة… وخلف الشبابيك حدث شيء لم أر مثله في حياتي كلّها: لم يكن ثمة سماء ولا أرض أيضا، كان البياض يدور ويلتف متعرجا متمايلا طولا وعرضا، وكأنّ الشيطان يلهو بمسحوق الأسنان الأبيض. وفي نهاية النهار أصدرتُ أمري لـ(أكسينيا) التي تقوم بمهام الطبخ والتنظيف في شقة الطبيب، كي تملأ ثلاثة دلاء ماء، وكي تغلي الماء في المرجل، إذ إنني لم أستحم منذ شهر».

هيفاء بيطار.. أمارسُ الطب بعين كاتبة

 

هيفاء بيطار قاصة وروائية سورية وطبيبة اختصاصية في أمراض العيون وجراحتها. تميّز إنتاجها القصصي والروائي بالغزارة وبالانتشار الواسع. زاوجت هيفاء بيطار بين عملها في المجال الطبي وممارسة الكتابة الأدبية بشكل مكثف ومتناغم.

تقول عن علاقة الأدب والطبّ: «لقد لعب «الطب» دوراً، أراه رائعاً، في صقل موهبتي ككاتبة، وقلت مراراً أن أنجح زواج هو زواج الطب والكتابة، فالطب والكتابة يهتمان بالإنسان، وأعترف أنني كنت أمارس الطب بعين كاتبة وأمارس الكتابة بموضوعية طبيب، كتبت عشرات القصص القصيرة من وحي عملي كطبيبة (خاصة أنني كنت أعمل في المشفى الوطني في اللاذقية) وقبلها بثلاث سنوات ونصف في مشفى المواساة في دمشق أثناء اختصاصي في طب العيون، معظم هؤلاء المرضى دخلوا إلى معملي الداخلي وتحولوا قصصاً…

أمارس الطب بعين إنسانية أي بعين كاتبة، ويمكنني التحدث عن أكثر من مئة قصة قصيرة كتبتها من وحي عملي كطبيبة. وأحب أن أجمعها في كتاب، كما كتبت روايتين من وحي عملي كطبيبة هما: نسر بجناح وحيد (أحكي فيها عن معاناة الأطباء الذين لا يجدون عملاً براتب محترم حال تخرجهم) ورواية (هوى) التي أحكي فيها عن الفساد الطبي وفساد القضاء وهي رواية واقعية تماماً».

تستوحي هيفاء بيطار في أعمالها القصصية والروائية عالمها الخاص في مجالها الطبي كما الشأن في هذا النصّ من كتابها «وجوه من سوريا»: «علب الدواء مكدسة في درجه، يمازحها ويخاطبها كصديق فاتحا قلبه ليبوح بمكنوناته ويؤكّد للحبوب الصغيرة أنّها أكثر رحمة من كلّ البشر حوله، حتّى من الأقرباء والأصدقاء والأولاد والأحفاد… ليس في حياته من أوليات أكثر أهمية من أن يخزّن قدر استطاعته دواء «اللكزوتان» الذي سمّاه دواء الرحمة الذي لولاه لانهار وربّما انتحر، دواء الرحمة والحنان الذي لم يخذله أبدا أبدا، بينما خذله البشر: حبّة صغيرة لونها أبيض تهبه ذراتها وتلاحق منابع القهر والألم في روحه وتقضي عليها، حبّة صغيرة تخزن حُبا هائلا في قلبها. أجل، إنّه يحسّ أنّ لحبّة الدواء قلب، وليس عبثا أن يكون اشتقاق كلمة حَبّة من الحبّ، لعلّ الكثيرين قبله فكّروا أنّ كلمة حَبّة مشتقة من حُبّ.

محرّد حَبّة دواء صغيرة ترمّم روحه الممزقة من الألم، تعفيه أن يشحذ الحنان والحبّ من بشر تصحّرت مشاعرهم وجفّت… كان يعيش مُروعا بصمت من أنانية المحيطين به، وفقدان إحساسهم بما يكابد، فيقضي ساعات مثارا ومنهمكا ليعرف ما سبب تصلّب العلاقات بين الناس، وكيف صارت عيونهم زجاجية لا تعكس أيّ تعاطف!

كم من المرّات انتابه الشكّ في أنّ هاتفه معطّل: كيف تمرّ أيام ولا يصله رنين الشوق؟ أين غاب الأحبّة والأصدقاء؟ لقد أحبّهم بصدق وكان كريما بعواطفه وماله معهم، فلماذا انسحبوا من حياته؟ ولماذا، حين يهزمه الحنين وتنهش روحه الوحدة ويتصل بهم، يتنصلون منه بأعذار لا تقنعه؟

هل تتصحر النفس البشرية كما تتصحر الطبيعة؟

… لولا حبّة الرحمة، لولا اللكزوتان، لربما انتحر من هول الوحدة، لكن دواء الرحمة كان ينتشله من ألم روحه الحارق ويحوّل الألم إلى إحساس لطيف أشبه بنسمة. لم يقدم له دواء الرحمة السعادة، لكنّه كان يخدّر آلامه، يحوّل حزنه الصلب الكثيف إلى مادة هشّة، إلى وشاح شفاف…

فاتحة مرشيد.. الطب يكسّر الأوهام والإبداع يرممها

 

فاتحة مرشيد شاعرة وروائية مغربية وطبيبة أطفال، من إصداراتها الشعرية: «سواد تخفي يا قوس قزح»، «آخر الطريق أوّله»، «ما لم يُقل بيننا»، «انزع عني الخطى»، والروائية«لحظات لا غير»، «مخالب المتعة»، «الملهمات»، «الحق في الرحيل»، «التوأم». وفي القصة«لأن الحب لا يكفي».

عن العلاقة بين الكتابة الأدبية والمجال الطبي تقول: «أنا إنسان تمتهن الطب وتستبدل – من حين لآخر- سماعتها بالقلم لتشخيص علل المجتمع، إيمانا منها بقدرة الكلمة على ترميم شروخ أرواحنا وعلى أن الإبداع إكسير الحياة. هل عملي بالطب أثر فيّ أدبيا؟ كل ما نفعله وكل ما نقدم عليه يؤثر فينا بصفتنا مبدعين ويترك بصماته على إبداعاتنا. ممارسة الطب بالنسبة لي أكثر من مجرد مهنة إنها تجربة حياة غنية جعلتني أقترب أكثر من جوهر الكائن من معاناته وهشاشته ومواجهته الحتمية للموت.

الطب يكسر الأوهام، والإبداع يرممها وأنا أحتاج إلى أوهامي كي أتحمل الحياة. يتهيأ لي أنني أفهم الأشياء أكثر حين أكتبها… والطبيبة تُسهم في مد الكاتبة بمواضيع وشخوص إلى حدّ كبير، لأنهما ذات واحدة وأنا لا أفرق بينهما. من أجواء روايتها (الملهمات): (لا أعلم إن كنت تسمعني أم لا…

على وجهكَ سكينة من تعدّى مرحلة القلق، واستسلم لقدره… مخلّفا ترف القلق لي.

لا يعلم الأطباء، ولا الشيطان نفسه يعلم، إن كنتَ ستستفيق يوما من غيبوبتك لتستأنف حياة تشبثت بها بكلّ كيانك.

حياة، لفرط ولعك بها لم تقبل أن يشاركك أحد فيها… حتّى ولو كان شريك حياتك.

كثيرا ما تمنيت أن تسمعني، أن أتكلم، أن أفرغ ذاتي، لكنّك تحبّ الأبواب المغلقة بإحكام، تخلق وراءها حياة لا تزعج حياتك، وتستقر في الغموض.

آه ! كم يستهويك الغموض… وكم يقهرني. كم وددت أن أكون شفافة أمامك… عارية الروح… وكان العري أشدّ ما تخشاه. أمضينا ثلاثين عاما بثيابنا، بأقنعتنا، واحد جنب الآخر. زوجين مثاليين، لا جدال ولا مشاجرة… تمثالين نزيّن بهما وكرنا ونحرس السلالة.

من حسن حظنا، أو من سوئه، لم تكن لدينا مشاكل مادية تعيد العلاقات إلى أبجديتها وتجعل من الكفاح في سبيل لقمة العيش تواطؤا.

تمنيت لو يصهرنا الجوع أو العوز، لو تحتاجني فأظهر شهامتي وارتباطي. تمنيت لو تدخل عليّ ككادح عرقه يفسح له الطريق، لو أحكي لك عن مشاجرتي مع الجارات حول تنظيف السلم، عن أولادنا وتفوقهم في الدراسة، عن ثمن الطماطم الذي تضاعف رغم شتاء وافر المطر… لكن، بيننا خدم وحرس وسائق وطبّاخ ومربيات للأطفال. بيننا سيارات عددها أكثر من عدد أفراد الأسرة. بيننا مسافات أوسع من قصرنا، وسكرتيرات خاضعات لنظام التجديد، بيننا أصدقاء بل معارف وسهرات وهدايا.

بيننا مسافات أبعد من رحلاتك. وصمت… صمت… صمت)

 مقتطفات

 صعود الأمم وانحدارها

 

 

يصوّر كتاب «صعود الأمم وانحدارها»، لمانكور أولسونMancur Olson ، العملية التي يؤدّي من خلالها الازدهار السلمي إلى تكوين «ائتلافات توزيعية» تثري نفسها من خلال زيادة «تعقيد التنظيم ودور الحكومة وتعقيد التفاهمات»، ثمّ تؤدّي هذه التغيّرات إلى «إبطاء قدرة المجتمع على تبنّي تقنيات جديدة، وإعادة تخصيص الموارد استجابة للظروف المتغيّرة، وبالتالي تقليل معدّل النمو الاقتصادي».

ويؤدّي هذا الازدهار السلمي إلى ظهور جماعات المصالح التي تستخدم أدوات الحكومة لتحقيق أهدافها الخاصة. وفي نهاية المطاف، تخنق جهود هذه الجماعات الدينامية الاقتصادية وتدمّر الازدهار الذي أوجدته. يمكن لهذا التتابع أن يسمّى «دورة أولسون»، وعلينا أن نكون حذرين من أن نعلق في منعطفاتها.

ازدادت أهمية رسالة هذا الكتاب للغاية، لأنّ أمريكا (ومعظم دول العالم الثري) تطورت بالطريقة التي توقّعها أولسون تماما، وأصبحت جماعات المصالح الخاصة أكثر رسوخا من أيّ وقت مضى، مثل أصحاب المنازل الذين يعرقلون أيّة عملية بناء جديدة، والمتقاعدين الذين يعارضون أيّ إصلاح لتوفير تكاليف الرعاية الطيبة. وانتشرت الأنظمة التي تحمي من هم داخل المجموعة، مثل اشتراطات الترخيص المهني لمصممي الديكور وبائعي الزهور. وتراجع إنشاء الأعمال التجارية الجديدة بين ثمانينات القرن الماضي والعقد الأوّل من القرن الحادي والعشرين، ونما الاقتصاد الأمريكي منذ عام 1980 بنسبة أقلّ بكثير مما كانت عليه قبل هذا التاريخ.

يقول الكاتب عن انحدار الأمم الذي يثير حيرة المؤرخين والدارسين: «احتار كثيرون من الانحدار الغامض أو الانهيار التام لإمبراطوريات أو حضارات عظيمة، ومن الصعود اللافت في الثروة أو القوة أو الإنجاز الثقافي لشعوب هامشية أو شعوب كانت مغمورة سابقا. إنّ انهيار الإمبراطورية الرومانية في الغرب وهزيمتها على يد قبائل متناثرة كانت ستبقى عديمة القيمة لولا ذلك الإنجاز، هو مجرّد مثال واحد من أمثلة كثيرة محيّرة. كما تضعضعت إمبراطورية الصين العظيمة في مناسبات عديدة إلى درجة أنّها كانت ستقع فريسة شعوب أقلّ منها عددا وتطوّرا كالمغول، أو بسبب انتفاضات الفلاحين الفقراء في المقاطعات النائية. كما يزودنا الشرق الأوسط بأمثلة عديدة عن انهيار إمبراطوريات كهذه، وكذلك الحضارات الهندية في أمريكا الوسطى، وحتّى قبل تدمير إمبراطورية شعب الأزتك على يد مجموعة صغيرة من الإسبان كانت هناك سلسلة من الإمبراطوريات أو الثقافات التي حلّت محلّ كلّ واحدة منها، على ما يبدو قبيلة كانت مغمورة سابقا، وكانت أهراماتها الكبرى أو مدنها مهجورة في البراري».

ويضيف الكاتب مبيّنا منهجيته: «لن نحاول في هذا الكتاب تفسير صعود إمبراطوريات أو حضارات قديمة أو سقوطها بأسلوب المؤرخين العالميين مثل «سبينغارد» أو «توينبي». وإذا كان لتجربتهما المخيّبة للآمال أن ترشدنا لأيّ شيء، فربّما لن تكون مفيدة حتّى لتحديد الأنماط الشائعة المزعومة المرتبطة بارتقاء وانحدار حضارات أو سلطات قضائية ليست لدينا عنها سجّلات هزيلة. وبناء عليه، لن نحاول هنا استخلاص دروس استقرائية عالمية من تجارب تاريخية عن المجتمعات القديمة.

على النقيض من ذلك، يلمّح هذا الكتاب إلى أنّ المراجع التاريخية المتسارعة تُشير إلى مدى ضآلة فهم صعود الأمم أو سقوطها. وإذا تمّ تفسير أسباب انهيار إمبراطوريات قديمة مختلفة بشكل مباشر بالطريقة التي نفسّر بها احتلال بلد صغير وضعيف من قبل بلد أقوى وأكبر، فلن يحدث تناقض «غامض» يؤدّي إلى جذب تكهّنات مستمرة. وتعتبر العروض التاريخية الواسعة من النوع الذي صاغه المؤرّخون العالميون مصدرا أفضل يحثّ على المزيد من البحث بدلا من النتائج الفورية. لكن إذا كان هناك دليل آخر، مثل التجربة الحديثة التي يوجد عليها دليل كمّي غير مسبوق، أو فرضيات من نظرية مُثبتة غالبا يتردد صداها مع الحكايات التاريخية المعروفة عن ارتقاء الحضارات وانحدارها، فسوف تكون هناك حالة لتفحّص التواريخ الكونية بطريقة منهجية، مع أسئلة دقيقة وإجراءات منظمة للتمعّن في الأدلة».

 متوجون

فوز مارلين بوث بجائزة سيف غباش بانيبال للترجمة الأدبية

 

 

 

أعلنت لجنة تحكيم جائزة سيف غباش بانيبال للترجمة الأدبية للعام 2025 عن منح الجائزة للمترجمة الأمريكية مارلين بوث عن ترجمتها لرواية «جوع العسل» للكاتب العُماني زهران القاسمي. وجاءت في المركز الثاني المترجمة الأمريكية كاي هيكينين عن ترجمتها لثلاثية «غرناطة» للكاتبة المصرية الراحلة رضوى عاشور.

الكتابان صدرا بالإنجليزية عن منشورات «Hoopoe» التابعة لمطبوعات الجامعة الأمريكية في القاهرة. وتألفت لجنة التحكيم من أربعة أعضاء: البروفيسورة تينا فيليبس (رئيسة اللجنة)، وهي باحثة ومترجمة متخصصة في الأدب العربي الحديث، جامعة كمبردج. والدكتورة سوزان ف. فرانك، مديرة كلية سانت أيدان بجامعة درام؛ ونشوى نصر الدين، كاتبة ومحررة أدبية وبويد تونكين، الحائز على زمالة الجمعية الملكية للأدب، وهو ناقد ومحرر أدبي ورئيس سابق لجائزة «الإندبندنت» للأدب الأجنبي.

ورد في تقرير لجنة التحكيم: «من بين الأعمال الستة التي وصلت إلى القائمة القصيرة، كان المتسابقان الأولان هما «جوع العسل» لزهران القاسمي، ترجمة مارلين بوث و«غرناطة.. الثلاثية الكاملة» لرضوى عاشور، ترجمة كاي هيكينن. هاتان الروايتان مختلفتان تمامًا بطبيعتهما وكان تقييم معايير التحكيم ضدهما أمرًا صعبًا (لكنه ممتع!).

«جوع العسل» رواية شعرية بيئية من الخليج، أما «غرناطة.. الثلاثية الكاملة» فهي ملحمة تاريخية موسعة تدور أحداثها في فترة الاسترداد في إسبانيا الإسلامية. على هذا النحو طرح الاثنان اختبارات مختلفة لمترجميهما، حيث يكمن التحدي المتمثل في «جوع العسل» في إعادة إنشاء القصائد الغنائية للأصل وإحضار المناظر الطبيعية النائية في عُمان إلى موطنها للقارئ الناطق باللغة الإنجليزية، أمّا التحدي الذي يواجه «غرناطة.. الثلاثية الكاملة» فيكمن بشكل أكبر في اتساع المشروع وتعدد اللغات والأصوات والتسجيلات في النص.

ارتقى مارلين بوث وكاي هيكينن، وكلاهما مترجم ذو خبرة عالية، إلى مستوى المناسبة وكانت الأعمال الناتجة أمثلة رائعة للرواية المستقلة. علاوة على ذلك، فهي شهادة ليس فقط على مهارة المترجمين وبراعة النصوص الأصلية، بل على الترجمة الأدبية العربية الحديثة كمجال تطور من عرض جانبي إلى بحث أكاديمي حول الأدب العربي الحديث إلى مجال ناضج من الإنتاج الفني، مدعومًا في جزء كبير منه بعمل بانيبال والدعم والاعتراف بجائزة سيف غباش بانيبال على مدى العشرين عامًا الماضية.

في النهاية اختارت لجنة التحكيم «جوع العسل» للفوز بسبب لغتها الرائعة وأسلوبها في الترجمة وبسبب أهمية المواضيع التي تم استكشافها في الرواية (الحب، الإدمان، البيئة)، والمنظور الجديد الذي يجلبه الصوت العماني والمكان».

وفي تفاصيل تقرير أعضاء لجنة تحكيم جائزة سيف غباش بانيبال: أوضحت نشوى نصر الدين أن رواية «جوع العسل»، بترجمة مارلين بوث، «أكثر من مجرد قصة؛ إنها أغنية هادئة آسرة، رثاء غنائي – واحتفاء في آنٍ واحد – نتاجُ عناية فائقة من الكاتب والمترجمة على حدٍ سواء»، فيما أشار بويد تونكين: «بأسلوبها الشعري والغنائي، وترجمتها ببراعة وعناية تضاهي دقتها الفنية، تُقرّب «جوع العسل» الأماكن النائية والحيوات شبه الخفية إلى قلوبنا».

وعلقت سوزان فرانك: «رواية «جوع العسل» غنية بالشعر، لكنها متجذرة بعمق، تكشف طبقات عُمان المعاصرة من خلال أصواتٍ غالبًا ما تُهمَل». وقالت رئيسة اللجنة تينا فيليبس: «تُعدّ ترجمة مارلين بوث درسًا نموذجيًا في الترجمة الشعرية، إذ تحافظ على وفائها للنص الأصلي بشكلٍ ملحوظ، وتنقل القارئ بسلاسة إلى مناظر جبلية بعيدة في عُمان».

 

عن المترجمة مارلين بوث

مارلين بوث مترجمة أمريكية مرموقة للأدب العربي إلى الإنجليزية. ترجمت رواية جوخة الحارثي «سيدات القمر»، التي كانت أول رواية عربية تفوز بجائزة مان بوكر الدولية في عام 2019، وروايتي حسن داود «غناء البطريق» و«لا طريق إلى الجنة»؛ وروايتي هدى بركات «بريد الليل» و«حارث المياه». تشمل ترجماتها الأخرى رواية «كأنها نائمة» لإلياس خوري، و«لصوص متقاعدون» لحمدي أبو جليل، و«المحبوبات» لعالية ممدوح و«الباب المفتوح» للطيفة الزيات، وغيرها..

 

عن مؤلف الرواية الفائزة زهران القاسمي

زهران القاسمي شاعر وروائي، وُلد في سلطنة عُمان عام 1974. وهو طبيب متخصص في الأمراض المعدية ويربي النحل.

رواية «جوع العسل» هي ثالث رواياته الأربع المنشورة، وأولى رواياته المترجمة إلى الإنجليزية. في عام 2023، فاز بالجائزة العالمية للرواية العربية (IPAF) عن روايته «تغريبة القافر»، ونشر عشر مجموعات شعرية ومجموعة قصصية.

 

عن جائزة سيف غباش- بانيبال

تمنح جائزة سيف غباش – بانيبال السنوية، البالغة قيمتها ثلاثة آلاف جنيه إسترليني، إلى المترجم الذي يقوم بترجمة عمل أدبي عربي إبداعي كامل يتمتع بأهمية أدبية إلى اللغة الإنكليزية. وتقوم عائلة السيد سيف غباش برعاية الجائزة ودعمها إحياء لذكراه من خلال إطلاق اسمه على الجائزة. وكان الراحل سيف غباش من الشخصيات الدبلوماسية والفكرية الهامة في دولة الإمارات العربية المتحدة، ومن عشاق الأدب العربي والآداب الأخرى.

تشرف جمعية المؤلفين في المملكة المتحدة على إدارة جائزة سيف غباش- بانيبال، مع عدد من الجوائز المعروفة في المملكة المتحدة للترجمات الأدبية، مثل «جائزة سكوت مونكريف» من الفرنسية، «جائزة شيغيل – تيك» من الالمانية، «جائزة جون فلوريو» من الايطالية، «جائزة بريميو فاله اينثيلان» من الإسبانية و«جائزة برنارد شو» من السويدية.

جميع هذه الجوائز ستمنح للفائزين يوم 12 فبراير المقبل في حفل كبير بلندن، برعاية المركز البريطاني للترجمة الأدبية، بالتعاون مع جمعية المؤلفين البريطانيين وملحق التايمز الأدبي الشهير.

جدير بالذكر أن جائزة سيف غباش- بانيبال للترجمة الأدبية تأسست في العام 2006 بمبادرة من مارغريت أوبانك، محررة وناشرة بانيبال. وفي فبراير المقبل، تحتفل الجائزة بعيدها العشرين، في حفل تقيمه في دبي على هامش فعاليات مهرجان طيران الإمارات للآداب.

 إصدارات

 المقام والأثر.. الورشة عملا فنيا

 

صدر، أخيرا، كتاب «المقام والأثر.. الورشة عملاً فنياً / من البوتيغا إلى المصنع» من تأليف الناقد المغربي عز الدين بوركة. يتجه هذا العمل إلى بناء مقاربة تاريخية وتأويلية وإستتيقية تحيط بتمثلات الورشة وحضورها بوصفها موضوعاً وتيمة وفضاءً تصويرياً مركباً.

يشتغل الكتاب على تتبع التحولات التي عرفتها الورشة في الوعي الفني، من فضاء ارتبط بالعزلة والممارسة الفردية إلى كيان يُفكَّر فيه كعمل فني قائم بذاته في سياق المعاصرة، حيث تتداخل شروط الإنتاج والتلقي، وتتقاطع الذاكرة الحرفية مع منطق الصناعة، ويتحول المكان إلى أثر بصري ومفهومي يحمل دلالات العمل والإبداع معاً.
أحاط المنجز بمجمل الأعمال والتجارب الغربية التي اتخذت من الورشة موضوعا وفضاء للاشتغال، من النهضة إلى المعاصرة، وقوفا على مراحل أخرى متفرقة، بما في ذلك ضمن التراث العربي الإسلامي.

في مقدمة الكتاب، يكتب المؤلف: «تتشكل هذه الدراسة داخل أفق إبيستيمي يعتبر الورشة فضاء ديناميا لإنتاج العمل الفني، ومجالا تتحرك فيه الفكرة وهي في طور التكوين، وتعيد فيه الممارسة تشكيل التصور باستمرار. فالورشة ليست موضعا ثابتا تُنجز فيه الأعمال وفق مخطط مسبق، وإنما بنية متحولة تُبنى ويُفكر فيها بحسب ضرورات التجربة الفنية، وبحسب ما تفرضه العلاقة الحيّة بين الفنان ومادته وأدواته.

داخل هذا الفضاء تتقاطع لحظة الفكرة مع زمن التنفيذ، ويتداخل التفكير النظري مع الاشتغال المادي، فتشارك الورشة في ولادة العمل على مستواه الذهني كما على مستواه الشكلي، كما المفاهيمي، منذ البذرة الأولى للتصور إلى لحظة اكتماله في صورة أثر، الذي يستحيل إلى عمل فني، أثر لا يُفهم باعتباره بقايا مادية فحسب، وإنما بوصفه كثافة زمنية ومعرفية، وترسبا لتجربة معيشة داخل مقام مخصوص».

 

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى