الرأيكتاب الرأي

القذافي والتعليم عن بعد

حسن البصري

وأنا أنفض الغبار عن مكتبتي الصغيرة، قادني الفضول لتصفح كتاب كان في زمن ما محاطا بالتقديس، قبل أن يصبح ممنوعا من التداول. «الكتاب الأخضر» الذي ألفه العقيد معمر القذافي في إجازته الصحراوية ذات يوم من أيام شتنبر عام 1975. توقفت كثيرا عند الفصل الثالث وتحملت من أجل الغوص في نظريات القذافي، في مجال التربية والتعليم، رائحة رطوبة الورق وغباره.
في هذا السفر الممتع، اسمحوا لي أن أخبركم بأن القذافي كان سباقا إلى خيار التعليم عن بعد، قبل أن يرحل العقيد ويقتحم فيروس كورونا حياتنا ويحتم علينا تغيير نمط عيشنا وتعليمنا وتنفسنا. في الكتاب الذي كان يوما ملهما للبشرية، والذي قامت جامعات كبرى بالاحتفال به، بل ونحته على ألواح الرخام ودفنه في التراب الليبي، حتى تأتي الأجيال القادمة لتكشف تراث الفكر القذافي الفذ، إشارات صريحة إلى الحجر المنزلي.
في آخر أجزاء الكتاب، يتطرق الزعيم إلى قضية «التعليم»، ويتبين أن الرجل كان سباقا إلى تبني «التعليم عن بعد»، بل دعا إلى «دمقرطة» المنظومة التعليمية، ضاربا عرض الحائط «إجبارية التعليم»، واصفا هذا النمط من التعليم بـ«التجهيل الإجباري». في الصفحة 187 نقرأ: «الجهل سينتهي عندما يقدم كل شيء على حقيقته، وعندما تتوفر معرفته لكل إنسان بالطريقة التي تناسبه». قبل أن يعلن قراره التاريخي: «الطفل تربيه وتدرسه أمه». ويقدم مزايا التعليم في البيت، خاصة خلال المرحلة الابتدائية.
كان القذافي وهو يضع نظرياته ويرتبها قبل وضعها قيد التجربة في المجتمع الليبي، قد استعان بمدرسين مصريين أرسلهم جمال عبد الناصر إلى تلميذه النجيب معمر، لكن ما أن تسلم محمد أنور السادات مقاليد الحكم في مصر، حتى نسي معمر مشروعه التعليمي الذي كان يدار من وزارة المعارف المصرية، بإشراف من أطقم تعليمية مصرية تطرق أبواب البيوت وتسلم المناهج الدراسية المصرية إلى الأسر، وأصدر ذات صباح قرار طرد «العمالة المصرية».
تحسبا لأي طارئ سياسي، ظل العقيد يصر على أن التعليم لن يكون إجباريا، وأنه لا توجد قوة في العالم تجبر المواطن الليبي على الدراسة، يمكنه أن يختار مصيره لأن إلزامية التعليم في نظر مؤلف «الكتاب الأخضر» أسلوب مضاد للحرية، «إن التعليم الإجباري الذي تتباهى دول العالم به كلما تمكنت من فرضه على شبيبتها، هو أحد الأساليب القامعة للحرية»، هكذا يقول العقيد فيهتف له الكسالى والمتواكلون وأعضاء اللجان الشعبية: «علمنا علمنا يا معمر نورنا».
يوضح القذافي نظريته العجيبة، وهو يدافع عن التعليم من البيت للأطفال، وعن حرية اختيار المناهج التعليمية فيقول في الصفحة 191 من كتابه الأخضر: «لا يعني كلامي إقفال أبواب المدارس ودور العلم كما يبدو للسطحيين عند قراءتهم له، وانصراف الناس عن التعلم. إنه على العكس من ذلك، يعني أن يوفر المجتمع كل أنواع التعليم، ويترك للناس حرية التوجه إلى أي علم تلقائيا». بمعنى أن التلميذ يمكنه أن يختار المواد التي يدرسها والدروس التي سيمتحن فيها، وربما حتى تواريخ الاختبار. أليست السلطة والقرار بيد الشعب.
ردد العقيد عبارة «الطفل تربيه وتدرسه أمه»، وهو يعلم أن نسبة الأمية في صفوف النساء الليبيات عام 1975 كانت تقارب الثمانين في المائة، ألح على الدراسة عن بعد وبشكل اختياري، رغم أنه لم يكن حينها ذكر للهواتف الذكية، وحتى عند ظهورها وصفها القذافي بالصنيعة الإمبريالية التي تفسد عقول الشباب.
يبدو وكأن العقيد تنبأ بكورونا، حين طالب بإجراء مباريات كرة القدم دون جمهور، وبنى ملاعب بدون مدرجات، وقدم في كتابه الأخضر تنبيها إلى الرياضيين: «الرياضة نشاط عام ينبغي أن يمارس، لا أن يتفرج عليه».
أكثر من كل هذا فقد كان القذافي سباقا إلى وضع الكمامة على أفواه وخياشيم الليبيين، حين يتعلق الأمر بقرار سياسي. وهو من قال: «عليكم بالثوم ففيه علاج للسعال وضيق التنفس».

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى