الرأيزاوية القراء

اليوم العالمي للسعادة

خالص جلبي
مع كتابة هذه الأسطر في مارس 2020، لربما كان علينا أن نخلد الوقت ليوم التعاسة والحزن مع إصابات فيروس كورونا مهددا العالم، بعد أن ساق طوابير مئات الآلاف إلى وهدة المرض، ويبدأ رقم الوفيات يزحف إلى عشرة آلاف من الأنام في أكثر من 150 دولة في العالم. كان في الصين ثم زحف إلى أوربا وأمريكا، ويبدو أنه لن يترك بيت وبر ومدر إلا وسوف يضربه. المسألة هي مسألة وقت لا أكثر.
مع ذلك ومع تاريخ 20 مارس، علينا تنسم عطر السعادة مع فيح المرض وخوف الموت. فقد حدد قرار الأمم المتحدة 66/281 «اليوم العالمي للسعادة»، والذي تم تبنيه في النهاية بالإجماع من جانب جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، البالغ عددها 193 دولة في 28 يونيو 2012. واختار جايمي ليان تاريخ 20 مارس على اعتباره يوافق يوم الاعتدال الربيعي، وهي ظاهرة عالمية تحدث حول العالم في الوقت نفسه، وبذلك سيشعر العالم حول العالم جميعهم بالشعور نفسه في الوقت نفسه، ويحدث الاعتدال في اللحظة التي يمر فيها خط الاستواء للأرض من خلال مركز قرص الشمس، ويمثل نقطة النهاية في نصف الكرة الشمالي والنقطة الخريفية في نصف الكرة الجنوبي.
مع هذا علينا فهم جدلية ثلاثة أشياء من اللذة والسرور والسعادة، كما فهمتها أنا من عالم النفس هادفيلد. لنبدأ أولا بهذه القصة: عندما كنت في ألمانيا أحضروا لي في ليلة شابة في عمر الجمال، وقد ألقت بنفسها من شاهق وكان ذلك في أيام أعياد الميلاد المجيد عندهم، وهي مناسبة دينية وعائلية ومع ذلك أقدمت السيدة على الانتحار، ولكنها لم تمت بل أصيبت بشلل رباعي أقعدها بقية الحياة، ولا أعرف مصيرها ولعلها حية حتى الآن تعتمد على مساعدة الآخرين.
وفي ليلة سوداء احضروا لنا في الإسعاف صبية في غاية من الجمال، وقد نحرت من الوريد إلى الوريد، ولحسن الحظ لم يكن من الشريان للشريان. وخلال ساعتين قمت بعملية أنقذتها، وقد أجرينا لها خياطة معقدة على الرقبة، فخرجت من قاعة العمليات على قيد الحياة، وعلى رقبتها آثار عملية تذكر بعمليات أورام الرقبة والدرق. ولم تنته الليلة على خير، فعند الساعة الرابعة رن التلفون من شاب يسأل عن صحة الفتاة، قلنا له: محظور علينا إعطاء المعلومات على التلفون، فإن كان لك بها قرابة فهلم إلينا. ولكن بعد ساعة كانت الشرطة الألمانية تحضر لي جثة شاب طويل نحيف. قالوا لقد جرت معركة مع الشرطة بالأسلحة النارية، فهرب الشاب ثم أطلق على نفسه النار. وعرفت نهاية المأساة، حيث كان الشاب صديق المنحورة. وطلبت مني الشرطة يومها أن أنزل إلى المشرحة وآخذ عينة من دمه. فاضطررت إلى فتح الوريد الفخذي مباشرة، بعد أن تحول صاحبنا إلى جثة، وكان ذلك من أجل التأكد من كمية الكحول في دمه وهل كان تحت تأثير الخمر وهو ينحر من يحب ثم ينحر نفسه. والآن ماهي السعادة؟ يظن البعض أن الثروة تخلق السعادة وهي جزء من الحقيقة، فليس أغنى من كريستينا بنت أوناسيس وماتت انتحارا وقهرا وغما. ولو كان المال شرفا لكان قارون سيد الأنبياء، فخسفنا به وبداره الأرض، فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان منتصرا. ويظن البعض أن الشهرة سبب للسعادة، ولو كان ذلك صحيحا لكانت مارلين مونرو الأمريكية الشهيرة سيدة السعداء، ولكنها أنهت حياتها بالانتحار. لو كان النفوذ سببا للسعادة، لما أنهى وزير المالية الفرنسي فوكيه، وزير الملك لويس الرابع عشر الملقب بملك الشمس، حياته في زنزانة انفرادية في جبال الألب، أو العديد من الوزراء والمسؤولين الكبار وهم يرتعدون فرقا كل حياتهم في المنصب وخارجه. ويقال عن نيكيتا خروشوف إنه أبقى على حياته عند ستالين، عندما تحول إلى مهرج في حفلاته يصب عليه الفودكا، ويضحك الآخر مستلقيا على ظهره. ويظن البعض أن اللذة هي السعادة، ومنه دعا الفيلسوف اليوناني أبيقور إلى اغتراف اللذات في الحياة، وينقل عنه قوله: عندما يحضر الموت فلن نكون موجودين. وأكبر نموذج لموضوع اغتراف اللذات، هو شاعر الجاهلية طرفة العبد والخيام، اللذين رأيا في الحياة تلك الفترة القصيرة، التي هي أقصر من أن نقصرها بالترهات فيجب ملء كأسها بالملذات. ولكن الملذات مشكلة من جهتين، فالإفراط في تعاطي الكحول يقود إلى تشمع الكبد والإفراط في الجنس ينتهي إما بالأمراض التناسلية أو إلى البرود الجنسي عكس مقصوده. وأعظم اللذات عندما تأتي في وضع الإشباع، سواء الماء مع شدة العطش، أو الطعام مع فرط الجوع، أو الاتصال الجنسي بفاصل مناسب. ويرى عالم النفس البريطاني، أنه لابد من التفريق بين ثلاث، السرور والسعادة واللذة. فاللذة هي ممارسة غريزة ما بدون البعد الأخلاقي، وهو أمر نشترك فيه مع الحيوانات. أما السرور فهو ممارسة متعة غريزة، ضمن إطارها المعنوي الأخلاقي. ولكن السعادة هي عملية التوازن بين إشباع الغرائز، وهو يصل بكلامه هذا إلى فتح علمي. فيمكن لفلاحة أو بدوية تعيش في خيمة أن تكون في غاية السعادة، كما يمكن أن يحصل عكسه لأكبر مسؤول في كرسي الحكم، بمعنى أن المرأة التي تقوم بإشباع غرائزها على نحو سوي أخلاقي، يمكن أن تتمتع بسعادة بدون حدود، في الوقت الذي يحرم منه مسؤول كبير لا ينقصه المال والخدم والحشم والنفوذ والشهرة. ويروى عن بعض الصوفية قولهم لو علم الملوك بما نحن فيه من السعادة، لقاتلونا عليها بالسيوف. ووصف الله عباده الصالحين في أكثر من مكان أنهم تحرروا من مرضين كبيرين، الخوف والحزن. ومن تخلص من الحزن وصل إلى السعادة، ومن نجا من الخوف ذاق راحة البال عطاء غير مجذوذ.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق