ذاكرة المدن

بدأ حياته جنديا هاربا من الثكنة وانتهى مترجما للسلطان بعدما اعتنق الإسلام

حسن البصري
عندما نتصفح كتابات التاريخ الكولونيالي بالمغرب، نتوقف عند اسم رجل سويسري عاش بين الأمازيغ وأصبح نموذجا للاندماج الأوربي داخل المجتمع المغربي. «مقاتل سويسري من أجل تحرير المغرب.. قدر واحد وعالمان»، هو عنوان كتاب ألفه رجل استثنائي اسمه فريدولان زيندر، أصبح يحمل اسم محمد مومن المجاهد بعد انصهاره في المجتمع المغربي، حيث قضى في المغرب عشرين سنة من 1914 إلى 1934، انخرط خلالها في الجيش الفرنسي قبل أن يفر منه ويعيش حياة أخرى في الدائرة المخزنية، توجها بمنصب مترجم في ديوان السلطان المولى يوسف.
تقلب السويسري بين العديد من المناصب، تارة مستشرق وتارة مترجم وتارة جاسوس، وبين هذه الوظائف حرص الرجل على ارتداء الزي التقليدي المغربي، كما عرف بالداعية حين تعمق في فهم الدين الإسلامي وشرع في شرح الكثير من النوازل للمسلمين، بعد أن عفا عن لحيته كما يفعل فقهاء تلك الحقبة الحارقة من تاريخ المغرب، بل إن بعض الوافدين على المغرب نهلوا منه وأصبحوا من تلاميذه، على غرار التشيكي قسطنطين كوزينا، الذي أسلم وأصبح معروفا باسم محمد بن علي.
لم يكن زيندر مجرد مترجم في الدائرة المخزنية، بل كلف من طرف السلطان المولى يوسف بمهام ذات صبغة ديبلوماسية، خاصة في علاقة القصر بسفراء إنجلترا وألمانيا، وكان يقضي وقتا طويلا في كتابة الرسائل المولوية إلى ممثلي البعثات الديبلوماسية في المغرب، خلال فترة كانت بعض المدن المغربية تحتضن مقرات قنصليات لدول غربية ترتبط مع المغرب بعلاقات تجارية وديبلوماسية.
في كتابه «مغامرات عسكري سوسيري هارب من الجندية»، يروي الطبيب الجراح إيمانويل مارتينولي قصة هذا الرجل الغريب الأطوار، الذي يرجع تاريخ ولادته إلى غشت 1897، حيث رأى النور في مركب على بحيرة في الحدود السويسرية- الفرنسية. يعترف الكاتب بتعدد قبعات الرجل، فهو تارة عسكري وتارة عامل في مصنع وتارة مكتشف ومستشرق ومخبر، وأحيانا مدمن على القنب الهندي ومهرب أسلحة، وعارف باللهجات الأمازيغية في الجنوب المغربي، خاصة لدى قبائل أيت باعمران..
كانت حياته مليئة بالمغامرات التي تستحق أن تدون، على الأقل لكي يفهم المغاربة مسار العديد من الأوربيين الذين اختاروا الاستقرار في المغرب، والاغتناء السريع بفضل قدرتهم على الاتجار في كل شيء حتى في القيم التي لا تباع ولا تشترى. «إنها حياة عامرة بالأحداث حياة متنوعة لرجل واحد، في عمق القبيلة المغربية بكل التنوع الذي تتسم به».
من جهته، وصف فريدولان عبوره في المغرب بالمعبر الصعب، حيث قال: «عايشت عن قرب الحياة القاسية للبدو والرحل، اقتربت منهم وتقاسمت معهم أفراحهم وأحزانهم، فآمنت بعقديتهم واخترت الإسلام دينا لي، وفي زواجي اكتشفت شخصية المرأة داخل القبيلة خاصة في المناطق البربرية».
غادر زيندر المغرب وهو يحمل على صدره مسبحة، وحين عاد إلى بلاده انخرط في كتابة وصيته، إلا أن عائلته تعاملت معه كعائد من المجهول.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق