
نعيمة لحروري
لم تكن الفيضانات التي عرفتها عدة مناطق مغربية، من القصر الكبير إلى غيرها من المدن والقرى، مجرد تساقطات استثنائية. كانت اختبارا لمدى جاهزيتنا النفسية والاجتماعية والمؤسساتية للتعامل مع المفاجأة. لأن الكارثة، في حقيقتها، ليست فقط مجرد قدر ينزل بنا، بل ما تكشفه من هشاشة في طريقة عيشنا واستعدادنا.
حين يجلى الناس من بيوتهم في ساعات قليلة، وحين تتحول الشوارع إلى مجار مفتوحة، لا يكون السؤال فقط: لماذا نزل المطر؟ بل: ماذا كنا قد أعددنا لمثل هذا اليوم؟ هنا تبدأ فكرة ثقافة الطوارئ.
ثقافة الطوارئ ليست خطة إسعاف لحظية، وليست فقط تدخلا سريعا، بعد وقوع الضرر. إنها قبل ذلك عقلية تفترض أن الاستقرار ليس ضمانة أبدية، وأن الكارثة احتمال قائم ولو كان نادرا.
في دول عديدة تتحول هذه العقلية إلى سلوك يومي، تدريبات مدرسية على الإخلاء، حقائب إسعاف منزلية جاهزة، ووعي عام بكيفية التصرف في أول ساعة من الأزمة. نحن، في المقابل، غالبا ما نكتفي بالتضامن، بعد أن تقع الفاجعة، بينما يبقى الاستعداد قبلها ضعيفا، أو غائبا.
الفيضانات لم تمس المجال الحضري فقط. في منطقة الغرب الفلاحية تكبد الفلاحون خسائر جسيمة. هناك لا يتعلق الأمر بجدران مبتلة، بل بمحاصيل ضاعت، وديون ستتراكم، وأمن غذائي يتأثر. ثقافة الطوارئ في هذا السياق تعني أيضا أن نفكر في أنظمة تصريف مائي أكثر فاعلية، وتأمينات فلاحية حقيقية، وخطط استباقية لحماية المواسم الزراعية. لأن الكارثة حين تضرب الأرض، لا تضرب مالكها فقط، بل تضرب السوق والخبز والاقتصاد المحلي.
ثقافة الطوارئ لا تختزل في رد فعل سريع بعد وقوع الضرر، بل تبدأ من وعي بسيط داخل كل بيت. تبدأ من مواطن يعرف كيف يتصرف في أولى دقائق الخطر، ومن أسرة اتفقت مسبقا على كيفية التواصل والالتقاء إن انقطعت الكهرباء، أو تعطلت الشبكات. تمتد إلى أحياء ومدارس قادرة على تنظيم نفسها بدل الغرق في الفوضى، وإلى مؤسسات تخطط للمدن والحقول وهي تستحضر احتمالات الطبيعة، لا فقط أحلام التوسع العمراني.
إنها شبكة غير مرئية من الاستعداد تجعل المجتمع أقل ارتباكا وأكثر قدرة على تقليل الخسائر، حين تأتي اللحظة المفاجئة.
المغرب ليس بمنأى عن الكوارث. زلزال الحوز، فيضانات الشمال والغرب، وموجات الجفاف المتكررة، كلها إشارات واضحة. السؤال لم يعد إن كانت الكوارث ستتكرر، بل متى وكيف سنواجهها. والفرق بين مجتمع يتعلم من تجاربه ومجتمع يكرر دهشته كل مرة، هو وجود ثقافة الطوارئ.
هذه الثقافة لا تعني الهلع، ولا تعني تحويل الحياة إلى حالة تأهب دائم، بل تعني التوازن بين الإيمان بالقضاء والقدر، والأخذ بالأسباب. أن ننتقل من عقلية لن يحدث لنا إلى عقلية قد يحدث، فلنكن جاهزين. أن يصبح الاستعداد سلوكا عاديا مثل ربط حزام الأمان، لا فعلا استثنائيا.
لا أحد يملك سلطة على الطبيعة، لكننا نملك سلطة على جاهزيتنا. حين نستعد، لا نمنع الكارثة، لكننا نمنع أن تتحول إلى قدر مفجع يتكرر كل مرة بالطريقة نفسها.





