الرأيزاوية القراء

جدلية العنف واللاعنف من منظور قرآني (8)

بقلم: خالص جلبي

سوف أحاول ضغط الأفكار ملخصة مرة أخرى على شكل كبسولات صغيرة: فالإسلام يبني المجتمع ويصنع الدولة بطريقة سلمية بدون عنف، فهذه طريقة الأنبياء، وهي تختلف عن طريق الثورات الفرنسية أو البلشفية أو الأمريكية، وبعد قيام المجتمع والدولة يصبح بإمكان الدولة وضع يدها على آلة العنف فتمارس وظيفتها الأساسية في توفير الأمن للأفراد بدون طغيان داخلي، ويكون حجم العنف من الشرطة والأسلحة والمؤسسات مثل الإطفائية في المدينة، فليس الجهاد بيد فرد أو تنظيم، كما أن الجهاد بمعنى القتال المسلح ليس لنشر الدعوة، بل لرفع الظلم عن البشر، ومن يمارس الجهاد هي دولة راشدية وصلت إلى الحكم برضا الناس، وهذا يعني أن الجهاد بمعنى القتال المسلح لرفع الظلم عن الناس، إذا سلط في مكان، فيجب أن يكون ضد معظم الدول الإسلامية.
وليست وظيفة الدولة اضطهاد الناس بالمخابرات، وجلد ظهور الناس، وسلب أموالهم، وبناء مجتمع طبقي فرعوني يجعل الناس شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم، أي بناء المجتمع المحرر من القوة داخليا، باستيلاد وخلق الإنسان الحر، فإذا حصل هذا فإن صيانة هذا النوع من المجتمع والدولة تتم بالطريقة السلمية نفسها، كما فعل أبو ذر الغفاري في الوقت الذي رفع الكل السلاح في وجه الانحراف الأموي بمن فيهم الحسين كرم الله وجهه، فكان عليه أن يفعل كما فعل أبو ذر، ولا يدخل المجتمع أزمة لم تحل حتى اليوم، فما زال الشيعة يضربون أنفسهم كل سنة بالسواطير والسلاسل ندبا وحزنا على الحسين، بحيث إنهم حولوا أنفسهم إلى طائفة حسينية، أكثر منها محمدية. وهو كلام ثقيل على الشيعة، ولكن يجب أن يقال، ويمكن أن نسجل للخميني من الشيعة أنه قام بأعظم ثورة سلمية ضد الظلم، ليس على طريق الحسين بالسلاح، بل على طريقة الصحابة، فكان المتظاهرون يضعون الورد في فوهات بنادق الجنود، وانتصر الدم على السيف، وهي ليست طريقة حزب الله في لبنان التي اعتمدت القوة، فهي قد نجحت في طرد اليهود من جنوب لبنان بالتعاون مع آخرين، ولكن ليس بإمكانها ترسيخ الديموقراطية، ووجدناها في خندق واحد مع الطاغوت السوري، حتى منَّ الله على اللبنانيين أن تخلصوا من الجاندراما والمخابرات والذل.
وبعد قيام الدولة والمجتمع سلميا وصيانته سليما، فإن هذا المجتمع المحرر من القوة، يحاول وضع يده في يد أي قوة عالمية عادلة، من أجل رفع الظلم عن الإنسان، أينما كان ومهما دان، ونتائج هذا أننا قد نضع أيدينا مع كافر عادل ضد مسلم ظالم.
وتبقى زاوية مظلمة لا بد من شرحها، فمثل المقاومة الفلسطينية التي لم تمش الخطوات الطبيعية في إنشاء المجتمع والدولة وولادة الإنسان المحرر من القوة، فهذه القوة تصادم قوة أخرى، وهو صراع يحدث بين قوى كثيرة في العالم، مثل صراع التماسيح والسباع في الغابة، وهذا لا علاقة له بمفهوم الجهاد الذي نتحدث عنه، ولا يوجد اليوم مجتمع إسلامي محرر من علاقات القوة، وتخلص من مرض المستكبرين والمستضعفين فيجب الانتباه إلى هذا.
ونقطة أخرى وهي أن هذا المجتمع المحرر من القوة على فرض تحققه، فإنه يدافع عن نفسه بقوة السلاح إذا لزم الأمر في العدوان عليه، وهو ما اختلط على الشيخ القرضاوي في تعليقه على جودت سعيد، فلا يوجد جهاد طلب ودفع، بل الجهاد هو بناء إطفائية حريق عالمية لنجدة المضطهدين في الأرض من أي دين وملة، وهو المشروع الذي اشتغل عليه إيمانويل كانط في كتابه «نحو السلام الدائم ZumewigenFrieden»، حيث تخيل ما يحدث اليوم من قيام جمعية الأمم المتحدة، ولولا مجلس الأمن الإجرامي بحق الفيتو الذي فيه، ولو أن مجلس الجمعية يتحول إلى برلمان دولي عنده القدرة على تنفيذ القرارات، إذا لتحققت فكرة الجهاد، وتشكلت الدولة العالمية التي تفض النزاعات، وتوفر الأمن للجنس البشري، وتضع الحرب أوزارها كما تنبأ القرآن، كما فعلت الدولة للأفراد فلم تبق نزاعات، وإن حصلت فتتدخل الدولة وتفضها بالقوة، فهذا هو الجهاد الداخلي وذلك هو الجهاد العالمي.
فهذه هي مجموع الأفكار باختصار، ويجب تنزيل الآيات منجمة على هذا القانون الداخلي للقرآن. وبذلك تفهم آية «كفوا أيديكم»، وآية «قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم»، وآية «ولا تعتدوا إنه لا يحب المعتدين»، وآية «لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين أن تبروهم وتقسطوا إليهم». وبهذه الصورة ينكشف الغطاء عن الوجه الإنساني للإسلام، ويفهم على شكل منطقي، وليس عدوانا من النوع الخطير الذي يطرحه القرضاوي وغيره، من جهاد الطلب وشن الحروب في الأرض. وهذا الكلام منطقي ومتماسك ومتوازن ويمكن التحدث به في أي مجلس دولي والدعوة إليه، كما فعل الفيلسوف الألماني كانط بمشروعه للسلام العالمي. وأهمية هذا الطرح أن العالم يظن أو يحاول فهم أن الإسلام دين حرب وضرب واغتيال وقطع للرؤوس، كما أن الكثير من الشباب المغفل والجاهل تنطلي عليه أفكار المتطرفين، فيموت في جبهات يظن أنها تدخله الجنة، فيدخل النار التي وقودها الناس والحجارة.
وسوف أحاول الآن بعد استعراض هذه الأفكار في الصفحات المقبلة تناولها بشكل تفصيلي. وقد تأتي بعض الأفكار مكررة، ولكن علينا تحملها لأهميتها حتى ترسخ في الوجدان.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى