الرأيزاوية القراء

زلزال إسطنبول.. بين الرؤية العلمية والخرافية (1)

خالص جلبي
في 26 شتنبر 2019 ارتجت إسطنبول بالزلزال بقوة 6 ريختر، فسقطت مئذنة وهرع الناس إلى الطرقات يفترشونها مثل الشحاذين. ولكن خصوم تركيا من دول النفط وأرض كافور الأخشيدي فرحوا وقالوا إن الله غضب على أردوغان فضربهم بسوط عذاب! ولكن السؤال هل الزلزال أو البركان له علاقة بمزاج رب يغضب ساعة على قوم، ثم يهدأ غضبه على آخرين، أم أن قضية الزلزال والبركان والتسونامي مرتبطة بسنة الله في خلقه ولا علاقة لها بمعتقد قوم وديانة؟
لو فتحنا صفحة التاريخ والزلازل لطالعنا الزلزال في 26 دجنبر 2003م بسحنة كريهة في أرض الصفويين والشيعة، لينهي حياة أكثر من ثلاثين ألف إنسان تحت الأنقاض في مدينة بام الإيرانية الأثرية. ولا يستبعد أن يأتي إنسان خرافي فيقول إن أهل بام (روافض) رفضهم الله فعاقبهم انتقاما لأهل السنة! ولكن قبل سنوات اهتزت الأرض بتركيا في أرض السنة، فقتل فيها من المسلمين (السنة) 20 ألفا. وبعد زلزال بام توجه الزلزال إلى أقصى الأرض فضرب جزيرة (بالي) في أندونيسيا، ثم قفز إلى غرب الأرض فضرب مدينة (مكسيكو سيتي). وخلال شهر اهتزت الأرض أكثر من 200 مرة، منها عشر مرات بقوة تجاوزت 6 ريختر. وفي عام 1960 هبطت مدينة أكادير المغربية تحت أنقاض، مسح الزلزال فيها معظم المدينة وضحايا ألفية، ليلحقها بعد عشرين سنة بنفس المشهد في مدينة الأصنام في الجزائر. وفي عام 1992م ضرب الزلزال (القاهرة)، فخرت الأبنية الضعيفة ونجت القوية. وفي عام 1995 ضرب الزلزال مدينة (كوبي) اليابانية، وهم ليسوا شيعة ولا سنة ولا مسلمين ولا مسيحيين. وكنيسة (آيا صوفيا) التي حولها محمد الفاتح إلى مسجدـ مخالفا سنة (الفاروق)، حين دخل كنيسة القيامة فخرج منها وقت صلاته كي لا يتذرع أحد بتحويلها إلى مسجدـ أنهى بناءها (جوستينيان) عام 537 م واشتغل عليها عشرة آلاف عامل لمدة ست سنوات كاملة، وأنفق عليها 320 ألف رطل من الذهب، ما يعادل مليار باوند إنجليزي، وهو بهذا يعد أغلى مكان بني في التاريخ الإنساني حتى اليوم. وقام بتصميم البناء مهندسان عبقريان هما (أنتيميوس) و(أزيدوريس)، حسبا حساب الزلازل قبل كل شيء، ومن المعروف أن المنطقة أي إسطنبول الحالية تجلس فوق صدع زلزالي؛ فكيف يمكن وضع بناء شاهق لا يضاهيه بناء في هذا المكان الخطر ولا يتأثر بالزلازل؟ إلا أن المهندسين الاثنين قاما بعمل مذهل في دمج النموذج الديني بالدنيوي والمربع بالدائرة في القبة، حيث درس أنتيميوس بناء البارثينون في روما؛ فلاحظ التصدع تحت العواميد؛ فاستفاد من هذه الظاهرة ليقلبها إلى صالحه، بحيث أرسى القبة على مجموعة من النوافذ المفتوحة، تخفف الضغط وتدخل الإضاءة إلى داخل البناء. وكان الناس في أيامهم إذا بنوا زادوا في الحجارة فجعلوها أثقل وأقسى، أما هو فعمل العكس بالانتباه إلى أن ما يصمد في الزلازل ليس الثقل، بل الدينامية والخفة فجعلها تصمد ضد كل الزلازل.
وهكذا بنى الكنيسة من مواد خفيفة، والعلماء اليوم يجدون فيه نفس صلابته القديمة، كما عمر قبل 1500 سنة. وقام المهندس التركي (أحمد جقمق) عام 1992 من جامعة برنستون بدراسة تحمل آيا صوفيا للزلازل، فوضع أجهزة حساسة في كل البناء، ثم قام بإدخال المعلومات إلى الكمبيوتر، ثم أجرى اختبارا تخيليا في ما لو تعرضت المنطقة لزلزال مخيف من درجة 7.5 ريختر، وكانت النتيجة صمود البناء.
وفي غشت عام 1999 جاء وقت الاختبار الفعلي؛ فاهتزت إسطنبول بالزلزال، وهلك آلاف الناس تحت الأنقاض، ويومها اهتز كل شيء بما فيها آيا صوفيا، ولكن لم يسقط منها حجر، ولم يتصدع جدار، ويبدو أنها ستعيش الألف سنة القادمة، والله أعلم.
وهكذا فالزلزال لا دين له وهو غير حزبي وغير متحيز ويضرب الجميع، وفق قانون يعرفه العلماء في تصدع الصفيحات القارية واصطدامها ببعض، وحيث يغضب ينفجر. ولن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا.
ومنذ القديم يذهب الناس في تفسير الزلازل مذاهب شتى، ونحن نعلم اليوم أننا نسكن فوق فرن يقذف بحممه بين الحين والآخر، وليس بيننا وبين باطن التنور إلا قشرة رقيقة من الأرض وما تحتنا نار تتلظى والزلزال. وتهتز الأرض أكثر من 27 مرة في اليوم في أماكن شتى، وأكثر من عشرة آلاف مرة في السنة معظمها من قوة 4 ريختر، ومنها عشرون هزة (رئيسية) ومائة (قوية) وآلاف متوسطة وعشرات الآلاف من التي لا يشعر بها الناس. وما زاد عن ثمانية ريختر فيحدث مرة في كل عام.
وهناك تصدعات ومسارات للزلازل معروفة، مثل صدع أندرياس والبحر الأحمر. والخسائر تحدث بضعف المباني أكثر من قوة الزلزال، كما يحدث في المرض، فانهيار الجهاز المناعي يؤهب للمرض أكثر من قوة الجرثوم. وسبب سماع الناس بالزلزال هو المكان والإصابات. ففي 5 دجنبر 2003 ضرب الزلزال جزر الكوماندورسكي بقوة 6,6 ريختر ولكن لم يسمع أحد. ويعرف الناس الجغرافيا مع الكوارث، فأنا شخصيا لم أكن أعرف مكان أكادير حتى سمعت بالزلزال. وقبل 75 ألف سنة انفجر بركان كراكاتو في أندونيسيا، فأهلك معظم البشر ولم يبق على ظهر الأرض أكثر من بضعة آلاف تابعوا رحلة الجنس البشري. وقد يستفيد العلماء في يوم فيوظفوا هذه الطاقة الفلكية من قوة الزلزال، فيفجروا البراكين في أماكن معينة من قشرة الأرض، كما تفعل المرأة مع الطنجرة البخارية بالتنفيس، فيهدئوا من غضب الزلزال. ويستخدموا الطاقة في ما هو خير وأبقى كما حدث مع الطاقة النووية والبخارية، فسارت القطارات وتعممت الطاقة، ويمكن لمفاعل نووي تزويد مدينة بالكهرباء لمدة عام.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق