الرأيزاوية القراء

سموم الطائفية (2)

خالص جلبي
الطائفية مرض مثلث الأضلاع كل زاوية فيه تعلن إلغاء الإنسان؛ فهي أولا انشداد لطائفة لا حرية للإنسان في اختيارها، أو الرحم الذي يقذفه إلى الحياة؛ فمن ولد في الناصرية بجنوب العراق سيكون شيعيا على الأغلب، ومن ولد في جبل سنجار بين سوريا والعراق سيكون يزيديا (وليس زيديا)، حتى يثبت العكس، ومن ولد في منطقة الأمازيغ نطق الأمازيغية، ومن ولد في حي الميدان بدمشق سيكون سنيا، ما لم يتسرب إليه فيروس شيوعي أو بعثي فيغير الكود الوراثي فيخرج كافرا بكل الملة والسنة. والطائفية ثانيا تعني استقطاب واستخدام من هو في نفس الفصيلة، مثل تعاون الحشرات على التهام الفتات، والذئاب في مطاردة الفريسة. فهنا يغيب الوعي وتعمل الغريزة. والطائفية ثالثا تعني الانشداد لمجموعة، والعمل لصالحها، والقتل باسمها، واستعداء طوائف أخرى. وهي بكلمة ثانية تصدع المجتمع وتشقق شرائحه، وبرمجة الحرب ولو بعد حين. وإذا سالت الدماء في العراق أنهارا فهو أمر طبيعي. وإذا قتل الناس بعضهم بعضا نصف قرن أخرى في بلاد ثورية مثل سوريا بأشد من يوغسلافيا، فهو تحصيل حاصل، وهذا الكلام يفسر ولا يبرر. والقوانين الاجتماعية لها نظمها الخاص، سنة الله في خلقه، كما جاء في محكم التنزيل من سورة «الأنعام»: قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو (يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض). والطائفة في الأصل جمود في الزمن، وقتل للفردية، وإعدام للاستقلالية، وسلب كل لب لبه. وتعطيل كل مصادر النقد والمراجعة، وهل يمكن تغيير الكود الوراثي أو دورة القمر ومجيء الخريف؟ وربما يمكن اعتبار مصر مركزا خصبا لتفريخ الطوائف والأحزاب، فمنها خرج الإخوان المسلمون، والحاكم بأمر الله الفاطمي، والإسماعيلية والحشاشون. ولكن المدهش فيها أنها رحم للطائفية بدون طائفية، فهي تصدر الأمراض ولا تصاب به مثل مرض الهيموفيليا الناعور، الذي تحمله الإناث ولا يصبن به فينزف صاحبه حتى الموت (كما حصل مع ابن نيقولا الثاني، قيصر روسيا، قبل مصرعهم في كاترينبورغ) والسبب جغرافي بحت؛ فالنيل لا يسمح بتشكل الطائفية والطائفة. وليس أمام الناس على ضفتي النيل إلا الاختلاط والامتزاج والتزاوج والتجانس، أو الموت في الصحراء عن اليمين والشمال عزين، في الوقت الذي تنتشر طوائف شتى في أماكن أخرى حسب الجبال والانعزال وأكثر من يتمرن على التعددية، هم أهل الساحل بسبب التجارة والاختلاط، ما لم يهربوا إلى جبال العلويين! ولذا فعلويو سوريا (يسمون بالنصيرين نسبة لنصير مؤسس المذهب) بنزوحهم من الجبال، سوف يقضى عليهم بدون مذابح أهلية، ولكن هذا يحتاج إلى ثلاثة أجيال أي 120 سنة، أي إن علويو سوريا سيكونون سنة عام 2180 م. وفي الوقت الذي أنشأ الفاطميون الأزهر لا يوجد اليوم فاطمي واحد في الأزهر، في حين أن العراق بلد الشقاق والتناحر والعنف والتناشز الاجتماعي (بتعبير عالم الاجتماع العراقي الوردي). فيه ألف ملة ونحلة ولغة. من يوحد الإله أو يزعم أنه انشطر إلى ثلاثة بدون أن ينشطر، أومن يقدس عليا ونسله، أو يعبد الشيطان، من كرد وعرب، وشيعة وسنة، وتركمان وآشوريين، وكلدان وسريان، ويزيديين وصابئة وزرادشتيين. وإذا اجتمع في منزل واحد خمسة أشخاص خلقوا خمس مشاكل؛ فكيف إذا احتشد في البيت الصغير الواحد خمسون شخصا؟ إنهم عند ذلك لا يخلقوا خمسين مشكلة بل خمسمائة. والعراق منذ القديم لا يعرف كيف يحكم نفسه، ويعجز عن حكمه من يأتيه من الخارج، إلا الحجاج ومن سار على دربه واتبع سنته. وما أمر فرعون برشيد. وهو ليس بقانون سرمدي، بل تتغير العراق كما تغيرت ألمانيا والدانمارك. وحسب عالم الاجتماع العراقي (علي الوردي)، فإن العراق مصاب بثلاث مصائب، كل واحدة كافية أن تكون مرضا غير قابل للعلاج: من ازدواج الشخصية، وصراع البداوة والحضارة أو العشيرة والمدينة. وأخيرا التناشز الاجتماعي بين التراث والحداثة. وحسب (البزاز)، فإن أعظم كارثة حلت بالعراق هي ترييف المدينة، ونقل قيم البداوة والثأر إلى المدينة. والحضارة تقوم على المجتمع المدني. ومع الانقلابات الثورية على يد أولاد الأقليات والريف، دمر المجتمع المدني تدميرا. وبعد هدم صنم صدام خرج من رماده ألف صدام ويبقى خيار (الديمقراطية الكاذب) أفضل من (الألوهية السياسية الحقيقية). والأرجح أن تهزم أمريكا في أرض آشور بانيبال، بعد أن يغرق العراق في الدم بأشد من الصومال ورواندا، ليرتفع علم الراديكالية المجنونة. ولسوف تدمر إسرائيل كما يتوقع (أوري أفنيري)، الصحافي الإسرائيلي، ربما  في نصف قرن تدميرا.  ولكن هذا لن يكون نصرا للعرب ولا دخولا في الحداثة، بل دخول العرب العصور (المظلمة) كما عاشت أوربا العصور الوسطى المظلمة، وقد تمتد قرنا أو أكثر يقتل العرب فيه بعضهم البعض، وتذبح كل (طائفة) الأخرى حتى يخرج الإسلام المستنير من رحم الإسلام الأصولي. كما حصل مع تطور البروتستانتية من رحم الكاثوليكية بعملية قيصرية في حروب الثلاثين سنة، بين عامي 1618 و1648، حيث تقاتل على الأرض الألمانية كل الأوربيين وقتل من الألمان سبعة ملايين من أصل عشرين مليونا من السكان واحتاجت ألمانيا إلى ثمانين سنة للترميم. إن قراءة التاريخ مسلية ومفزعة، وحسب عالم الاجتماع الألماني (ماكس فيبر)، في كتابه (روح الرأسمالية والأخلاق البروتستانتية)، فإن أوربا احتاجت أيضا إلى أجيال حتى انبعث الفكر النقدي من رحم الفكر النقلي، وتم تدمير الكنيسة والإقطاع، وولد الرأسمال والعمل والبرلمان والصحافة والتعددية والتأمينات الاجتماعية ونقل السلطة السلمي. إن كل ما نكتبه لا قيمة له والشعوب تتعلم بالمعاناة. وتبقى الطائفية شر مستطير على الطائفة قبل غيرها.
ومن يلعب في النار لا يجعل النار لعبة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى