شوف تشوف

شوف تشوف

صدام المصالح (3/1)

من أجل فهم العبارات والتلميحات والتهديدات المبطنة، التي ضمنها عبد الإله بنكيران خطابه، الذي ألقاه خلال الاجتماع الداخلي الذي عقده الحزب السبت الماضي، تجب إعادة قراءة مقال «فورين بوليسي» الصادر أخيرا حول المغرب والتهديدات التي تتربص به، خصوصا تهديدات الدولة الإسلامية في العراق والشام.
في مقال مجلة «فورين بوليسي»، المعنون بـ «الوقت ينفد أمام المغرب»، الصادرة عن مجموعة «الواشنطن بوست»، هناك ثلاث نقط أساسية يجب التوقف عندها. وتتعلق النقطة الأولى بفشل الحكومة المغربية في مواجهة شبح الفقر، وتتعلق الثانية بكون الأوضاع الاقتصادية المتردية للطبقات الشعبية ستؤدي إلى الثورة، فيما تتعلق النقطة الثالثة بضرورة تضحية الملك بصلاحياته، قبل فوات الأوان، وإعطائها لرئيس الحكومة من أجل تجنيب البلاد السقوط في الفوضى والوقوع فريسة سهلة بين أيدي البغدادي.
وقد لوح كاتب المقال بما يشبه التهديد، وهو يتحدث عن تخلي الملك عن صلاحياته لرئيس الحكومة، عندما قال إن هذه التضحية يجب أن تتم قبل فوات الأوان، وإلا فإن الملك لن يكون لديه الخيار في ما بعد.
الجميع يعلم أن مقالات «فورين بوليسي» ليست مقالات رأي خاص بكتابها، بل هي رسائل مشفرة تخرج مباشرة من دهاليز فئة من صانعي القرار العالمي. وليس صدفة أن مؤسس مجلة «فورين بوليسي» سنة 1970 هو صامويل هانتينغتون صاحب نظرية «صدام الحضارات»، التي شكلت خلفية سياسية لكل الحروب التي خاضتها أمريكا منذ السبعينات وإلى اليوم.
وليس صدفة أن مقال «فورين بوليسي» جاء أياما قليلة فقط، بعد تقرير الخارجية الأمريكية الذي تأسف لعدم وجود مقتضيات لتغيير النظام الملكي، واعتبر عدم وجودها يشكل خرقا لحقوق الإنسان، كما أنه ليس صدفة أن يصدر مقال في موقع الجزيرة بالإنجليزية يتحدث عن «نضال الصحراء الغربية من أجل الحرية الذي يصطدم بجدار»، في إشارة إلى الجدار الرملي العازل، فهناك ما يشبه قصفا أمريكيا موحدا في اتجاه المغرب، وتحديدا في اتجاه نظامه السياسي.
وبالإضافة إلى حشر قطر لأنفها في ملف الصحراء، فأحد الحلفاء الأساسيين لأمريكا في المنطقة، أقصد الجزائر تحديدا، لم يضع الوقت ووجه الاتهام مباشرة إلى محيط المؤسسة الملكية، حول الوقوف وراء أحداث غرداية الدموية التي ذهب ضحيتها 22 جزائريا. فقد قال الوزير الأول عبد المالك سلال، أمام أعيان منطقة غرداية، في اجتماع مغلق، إن بلدا شقيقا هو من يمول النشطاء بمنطقة مزاب. وأضاف أنه يملك لائحة بأسماء رؤوس الفتنة وأيضا تسجيلا صوتيا يؤكد اجتماعات هؤلاء مع نشطاء لإشعال المنطقة.
وإذا كان الوزير الأول الجزائري لم يذكر أسماء رؤوس الفتنة الذين يتهمهم، فإن جريدة النهار الجزائرية تكفلت بذلك، حيث نشرت أن أحمد عصيد، الناشط والعضو المسير في المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، تدخل من أجل ترتيب لقاء بين كمال الدين فخار ومستشار الملك محمد السادس في الشؤون الثقافية.
وأضافت الجريدة أن تعليمات أعطيت من لدن جهات عليا في المملكة المغربية من أجل تقديم الدعم المالي لحركة «مزاب»، من أجل الترويج لمشروع الاستقلال الذاتي لهذه المنطقة في المحافل الدولية.
هذا إذن تصريح على درجة كبيرة من الخطورة، صادر عن الوزير الأول الجزائري، يتهم فيه المحيط الملكي بالتخطيط لتمويل تقسيم الجزائر، وهو اتهام يصل إلى درجة إعلان الحرب.
عمليا يوجد المغرب اليوم بين كماشتين، كماشة خارجية تتجلى في جار يتسلح بالليل والنهار ويحرض شعبه يوميا على العداوة للمغرب استعدادا للأسوأ، وكماشة داخلية تتجلى في حكومة عبارة عن حادثة سير كبيرة تقود البلد نحو الهاوية بتدبيرها السيئ للشأن العمومي.
وبين هاتين الكماشتين، يسمع صوت أمريكي قادما من وراء الأطلسي يطالب المؤسسة الملكية بالتضحية بصلاحياتها لرئيس الحكومة لتجنيب البلاد حتمية داعش.
يتضح مما سبق أن هناك جهودا داخلية وخارجية، على درجة عالية من التنسيق، لحشر الدولة المغربية في الزاوية الضيقة من أجل ابتزازها وتخويفها بعودة موسم «الربيع» من جديد.
في واشنطن، نسمع مايكل هادين، المدير السابق لوكالة الاستخبارات الأمريكية، يقول إن دولا في الشرق كالعراق وسوريا ودولا فاشلة كليبيا ولبنان ستختفي من الخريطة، وأن المنطقة ستعيش حالة من عدم الاستقرار للثلاثين سنة المقبلة.
ومن واشنطن أيضا، يأتينا مقال «فورين بوليسي»، الذي يتحدث عن طرق داعش لأبواب المغرب، إذا لم يسارع الملك إلى التضحية بسلطاته لرئيس الحكومة. أي أن المغرب أصبح أمام أحد خيارين، إما أن يسلم الملك سلطاته لبنكيران أو أن يصبح نهبا لجيش البغدادي.
رئيس الحكومة، وفي خطابه الذي ألقاه السبت الماضي على أسماع بعض وزراء حزبه وقياداته، التقط الخيط واستعمل بدوره كلمة «تضحية» عندما قال: «إن البلد لا يقوم إلا بالتضحية، وببذل الجهد وبالعطاء بدون حساب من الأشياء الغالية».
عبد الإله بنكيران يعرف ماذا يقصد بحديثه عن «التضحية بالأشياء الغالية»، ويعرف كذلك المقصود بهذه الرسالة. ولعل اختيار عنوان «معركتنا مع بائعي الوهم ومفترسي الوطن حتى النهاية» كعنوان لشريط اللقاء يعكس هذا المنحى الصدامي، الذي يسير إليه الحزب مع الدولة.
فاختيار الكلمات مقصود ومفكر فيه بعناية فائقة، وعندما يستعمل بنكيران كلمة «الافتراس» فهو يحيل لا وعي المتلقي إلى كتاب كاترين غراسيي «الملك المفترس»، الذي استعمل خلال الربيع العربي لكي يوقد النار في الشارع المغربي، مثلما أوقد كتابها حول تونس «حاكمة قرطاج» الشارع التونسي. لكن جهود الكاتبة الفرنسية والجيش الإعلامي الذي أجج الجدل حول الكتاب ذهبت سدى في النهاية.
عندما يقول كاتب مقال «الوقت ينفد أمام المغرب»، بمجلة «فورين بوليسي»، إن المستقبل الوحيد المتبقي أمام المغرب، في حالة عدم منح صلاحيات الملك لرئيس الحكومة، سيحدده العنف والحرب، فإنه يعطي إشارة أمريكية إلى رئيس الحكومة المغربية لكي يفاوض من موقع قوة، ولذلك سمعنا بنكيران يقول «أنا أنبه، الأحداث يدبرها الله ويقدرها الله، فلا كانو المغاربة بغاو يفيقو يفيقو».
وإذا كانت هناك من خلاصة يمكن أن نخرج بها من تطورات الأحداث الأخيرة، بخصوص مؤشرات الاستقرار بالمغرب، فهي أن البنتاغون لديه قاعدة ثابتة لا يجب أن تغيب عن أذهاننا وهي أن استقرار المغرب مطلب استراتيجي محسوم.
ليس لأجل سواد عيوننا، بل لأن هناك مصالح أمريكية وإقليمية رهينة بهذا الاستقرار، خصوصا امتلاك المغرب لمعبر مائي بمضيق جبل طارق يعتبر شريانا لتدفق الاقتصاد العالمي سيكون من الحمق تسهيل استيلاء داعش أو أية قوة أجنبية عليه.
لماذا إذن تتحرش أمريكا والجزائر وقطر بالمغرب ونظامه ؟
الجواب واضح، في مقال «فورين بوليسي»، لقد آن الأوان للمرور من الملكية الدستورية إلى الملكية البرلمانية، حسب التوقيت الأمريكي. وكل هذه البهرجة الإعلامية ما هي إلا أعراض لهذه الجائحة التي تداعى لها سائر أعضاء الحزب الحاكم بالسهر والحمى.
غدا نوضح أكثر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى