الرأي

فلسفة الحق والواجب

بقلم: خالص جلبي

لعل أكبر خرافة تعلمناها في تربيتنا السياسية شعار «الحقوق تؤخذ ولا تعطى»، وفي الحقيقة فالحقوق لا تؤخذ ولا تعطى، وإنما هي ثمرة طبيعية للقيام بالواجب؛ فمن يقوم بواجبه ينال حقوقه، إن لم يكن في الأرض فستنزل من السماء عطاء غير مجذوذ.
لنحاول تفكيك هذه الفكرة، هناك «قانون اجتماعي» يربط بين العلاقات الشخصية، وشبكة العلاقات الاجتماعية. وفكرة المركزية واللامركزية التي طورتها المجتمعات الغربية، هي ثمرة نضج تلك المجتمعات. وكل تضخم في جانب الفرد يعني تورما غير صحي على حساب شبكة العلاقات الاجتماعية. وبقدر نمو الفردية بقدر اضمحلال الروح الاجتماعية. ونحن نعرف في علم الأورام أن السرطان حينما يكبر يقضي في النهاية على نفسه والبدن معا. وحينما ترفع صور الأفراد شاهقات في بلد فهو يعني من طرف آخر إلغاء بقية الأمة. كما حصل مع صدام حينما جاءت نتيجة التصويت له مائة في المائة، وكما ورد في الإنجيل قبل السقوط الكبرياء؛ فسقط وصدم وشنق. «فانظر كيف كان عاقبة الظالمين، وجعلناهم أئمة يهدون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون». ونقطة خلاف الإسلام مع المسيحية، هي في نفي صفة الألوهية عن شخصية المسيح ليجلس على كرسي بين البشر. ولكنهم حولوه إلى رب يحرك الأفلاك وينبت الزرع والضرع والأجنة في الأرحام. ومن الغريب أن فكرة الأقانيم والتثليث في المسيحية اعتنقتها السياسة في مناطق كثيرة من كوريا الشمالية، حتى كوبا وسوريا ومناطق كثيرة في العالم العربي؛ فلا تدخل مطارا في عاصمة عربية إلا وطالعتك صورا شاهقات للأقانيم الثلاثة الأب والابن وروح القدس!
إن حرص الإسلام على تحريم الصور لم يكن من أجل صورة الهوية الشخصية أو صور الديجيتال في الإنترنت، بل من أجل نزع القداسة عن الصور.
وهذا الفهم كتب عنه ابن رشد عن سر العلاقة بين العلة والنص في عنوان «فصل المقال في ما بين الشريعة والحكمة من الاتصال»، فعوقب بحرمانه من دخول المسجد للصلاة هو وابنه في قرطبة، عندما هاج عليه الرعاع. وعندما يستلب الفهم من عقولنا نحافظ على الطقوس، وننسى روح الإسلام، تماما كما واجه الصدوقيون والكتبة والفريسيون عيسى بن مريم؛ فكانوا يسألون عن الشبث والنعنع والكمون وينسون الناموس الأكبر، ويسألون عن البعوضة وينسون الجمل.
هناك علاقة صارمة بين فكرتي (الحقوق) و(الواجبات)؛ فالواجب هو (حق) من جانب، وهو (واجب) من الوجه الآخر، تماما مثل وجهي العملة. إن أي (معاملة) هي واجب للموظف يؤديها، في الوقت التي هي حق لمن يستفيد منها. الموظف يرى من حقه أن يعالج بشكل جيد أثناء مراجعة المستشفى، في الوقت الذي يعتبر هذا واجبا للطبيب يؤديه، وهكذا تصبح «العملة الاجتماعية» تدور بين «حق ـ واجب» في كافة شرايين الخدمة الاجتماعية. وهذه العملة يجب أن لا تزور، وحسب قواعد الاقتصاد، يعتبر المجتمع معه «فائضا» في العملة عندما يملك فائضا من عملة (الواجبات). نحن إذا أمام ثلاث معادلات اجتماعية:
(1) الأولى (الواجبات أكبر من الحقوق).
(2) الثانية حينما تتعادل الواجبات والحقوق. واجبات = حقوق.
(3) الثالثة حينما تزيد الحقوق عن الواجبات أو (الواجبات أقل من الحقوق).
الأولى: عند تحقق فائض الواجبات عن الحقوق، وهي ترمز إلى مجتمع متفوق حضاريا.
الثانية: تساوي الحقوق والواجبات، وهي تعطي فكرة عن مجتمع متوازن، أما عندما تتفوق حركة المطالبة بالحقوق في المجتمع عن تأدية الواجبات اليومية، فإن المجتمع يبدأ في الانهيار. ويترتب على القانون الذي ذكرناه قانون اجتماعي آخر هو: عدم المطالبة بالحقوق، أو بكلمة أدق تعميق اتجاه القيام بالواجب، لأن المجتمع الذي تعلم أن يقوم بواجباته سوف تنشق السماء وتتنزل عليه حقوقه. ومعظم أبنائنا الذين يذهبون إلى الغرب لا يفهمون «سر الفعالية» فيه، ويحصل ما سماه (مالك بن نبي) الارتماء في «مزابل الحضارة» أو الانزواء في «مقابر الحضارة». ويعني بكلامه رؤية الحضارة الغربية من ثقبين: الفساد الأخلاقي، والأجواء المهنية! والحضارة ليست هذا ولا ذاك، كما أنها لم تخلق في هذه الأمكنة. كان مالك يريد فهم الحضارة ككائن عضوي مترابط و«الشروط النفسية والاجتماعية» التي تولد هذه الفعالية. وهذه الفكرة حلت عندي إشكالية مهمة، لماذا يتصرف من اختص في الغرب بعد عودته، بصورة غير التي كان يتصرف بها هناك؟ فلا يحافظ على الموعد، ولا يتقيد بإشارات المرور، أو يعتقد بالخرافة إلى أخمص قدميه ولو كان مهنيا بارعا. والمجتمع الألماني الذي عشت فيه تسع سنوات وأتقنت لغته يعتبر من قمم مجتمعات العالم، فألمانيا هي صيدلية العالم، وأرض الفلاسفة، ومكان الموسيقيين المبدعين، وأرض حملة جوائز نوبل. في الوقت نفسه هي محرقة أوشفيتز، وأرض الهولوكوست، ومستنقع العنصرية، ومزبلة كبيرة لكل الإباحيات الجنسية. وما لفت نظري عندهم «أخلاقيات العمل»، فالإنسان الألماني قد يخمر في الليل ويعربد جنسيا، ولكنه في صباح اليوم التالي لا يتأخر في حضوره إلى العمل؛ فالعمل عنده مقدس. إن عندهم فائض في العملة الاجتماعية (الواجب) ما يجعل أمراضهم تحت السيطرة، وقوتهم من معرفتهم بطبيعة هذه الأمراض، والانتباه الدائم إليها، ومراقبتها ونشر فضائح الشخصيات السياسية، في ما لو تورطوا في اختلاسات ولو القليل، أو قصروا في دفع ضرائبهم من خلال أداة نقد اجتماعية حادة. ومن الغريب أن مفاهيم الحقوق والواجبات متناترة في تراثنا، ولكننا نقرأ النصوص بعيون الموتى.
ذكر صلى الله وعليه وسلم في يوم أنه سيكون أثرة، فقال الصحابة: ماذا نفعل يا رسول الله؟ قال (ص): أدوا الذي عليكم وسلوا الله الذي لكم. يقول الراوي لقد بلغ بنا أن أحدنا لو وقع من يده سوط فرسه ما طلبه من أحد، ونزل فالتقطه. فهذه هي فلسفة الحق والواجب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى