الرئيسيةثقافة وفن

في التاريخ الشخصي أو أدب اليوميات

تقديم وإعداد: سعيد الباز
يبدو أنّ حظوظ أدب اليوميات في الأدب العربي قليلة، ذلك أنّ فن اليوميات وأدبها مرتبط بالحياة الشخصية والداخلية للكاتب وتسجيل يومي وكرونولوجي لأطوار هذه الحياة من زوايا متعددة، إضافة إلى مساحة البوح والاعتراف الممكنين في ظل مجتمع قلّما يسمح بذلك، أو على الأقل يضع لها حدودا وضوابط لا يمكن في كلّ الأحوال تجاوزها… من النماذج التي يمكن التطرق إليها على سبيل المثال يوميات الكاتب والروائي الفلسطيني غسّان كنفاني التي تقدم صورة مغايرة عن الكاتب معاناته مع المرض نقده الحاد للأوضاع الاجتماعية والثقافية من زاوية حياته اليومية. الكاتب التشيكي فرانز كافكا جعل من يومياته تحليلا لشخصيته الغريبة الأطوار وتأويلا لرؤيته للوجود ما يسهم بقدر كبير في فهم أعماله الروائية والقصصية. الكاتبة الأمريكية أناييس نن Anaïs Nin اشتهرت أكثر من أي كاتب آخر بكتابة اليوميات في سلسلة من المجلدات قدمت فيها صورة عن الحياة الأدبية في عصرها وعلاقاتها بأهم الكتاب مثل الكاتب الأمريكي هنري ميللر. في الأخير كانت للكاتب الأرجنتيني ألبرتو مانغويل Alberto Manguel طريقة خاصة في كتابة اليوميات، حيث جعل منها تسجيلا حيا ويوميا لعلاقته بالقراءة وعالم الكتب، خاصة برواية الأرجنتيني أدولفو بيوي كاسارس «اكتشاف موريل».

غسان كنفاني: هذه اليوميات عمل كريه
1/1/1960
… ليلة أمس قررت أن أبدأ من جديد…
هذه اليوميات عمل كريه، ولكنه ضروري كالحياة نفسها…
أتى القرار بسرعة وببساطة، كانت الساعة تمام الثانية عشرة، أي أننا كنا ننتقل من عام قديم إلى عام جديد… كانت الغرفة صامتة، تعبق برائحة وحدة لا حد لها.. عميقة حتى العظم، موحشة كأنها العدم ذاته.. وبدا كل شيء تافهًا لا قيمة له، فقررت أن أكتب شيئًا.. لكنني فضلت، لحظتذاك، أن أبكي… ومن الغريب أنني فعلت ذلك ببساطة، ودون حرج، وحين مسحت دمعة، أو دمعتين، كنت كمن يهيل التراب على جزء آخر من جسد ميت سلفًا ندعوه حياتنا…
وهأنذا أكتب من جديد… يوميات كريهة، لحياة كريهة تنتهي بموت كريه، مستشعرًا كم أنا مجبر على أن أكتب، كم أنا مجبر على أن أعيش، كما أنا مجبر على أن أموت…

4/1/1960
إنني مريض، نصف حي يكافح من أجل أن يتمتع بهذا النصف، كما يتمتع كل إنسان بحياته كاملة… وكل المحاولات التي افتعلتها لكي أنسى هذه البديهية تقودني من جديد لكي أواجهها… وبصورة أمر.
لقد توصلت الآن إلى أن أؤمن بأن عنصر المشاركة يكاد يكون معدومًا بين الناس… إنهم يحسون أنك تتألم، ولكنهم لا يعرفون كم تتألم، وليسوا على استعداد أبدًا لأن ينسوا سعادتهم الخاصة من أجل أن يشاركوا الألم… وعلى هذا فعلينا أن نتألم بيننا وبين أنفسنا… وأن نواجه الموت كما يواجه واحد من الناس الآخرين نكتة يومية… وهذا يجعل من الإنسان عالمًا بلا أبعاد، ولكنه في الآن ذاته، عالم مغلق على ذاته.
في الحقيقة، إن المخرج الوحيد في هذه الدوامة الموحلة، هو أن يؤمن المرء بأن العطاء هو المقبول، فقط لدى إنسان الحضارة… وأن الأخذ عمل غير مرغوب فيه… أن يعيش الإنسان باذلًا نفسه هو المقابل، ولا مقابل سواه… إنني أحاول الآن أن أصل إلى هذا الإيمان بطريقة من الطرق، أو أن الحياة تصبح، بلا هذا الإيمان، شيئًا لا يحتمل على الإطلاق…
دفعني لأكتب هذا الكلام… جرح سببته الحقنة اليومية هذا الصباح… وأعتقد أنه مازال ينزف إلى الآن… لو قلت لإنسان ما إنني أتألم منه لأعتبره شيئًا يشبه النكتة الطريفة… ويرددها على هذا الأساس، متسائلًا: «كيف يستطيع إنسان أن يجرح نفسه؟ لاشك أنها تجربة طريفة!!» أو أنه على أحسن الاحتمالات سوف يقول: «إنه يتألم!» ويغير الموضوع… أما بالنسبة لي فهي تعني، وسوف تبقى تعني كل يوم، أنني أريق جزءًا من احتمالي، وإنسانيتي، وسعادتي من أجل أن أعيش… وإنه لثمن باهظ حتمًا.. أن يشتري الإنسان حياته اليومية بالألم.. والقرف… والنكتة… إنه ثمن باهظ بلا شك… أن يشتري حياته اليومية بموت يومي…

10/1/1960
أمس، توفي الفيلسوف الوجودي ألبير كامو… صاحب فلسفة العبث، مات في موقف عبث، وأي رثاء له نوع من العبث ليس غير… لقد انتهى، وعليه أن يقنع بحياة عاشها عريضة، وإن لم يستطع أن يجعلها طويلة…

24/8/1962
قبل منتصف الليل بساعة ونصف ولد فائز…
وحين هتفت الممرضة تقول مبروك، أحسست به، فائز، يقع فوق كتفي… ولمدى لحظات أحسست بشيء يشبه الدوار. وفي صخب المشاعر التي كانت تجتاحني، أحسست بأنني مرتبط أكثر بهذه الأرض التي أمشي عليها، كأن وقوعه فوق كتفي قد غرسني عميقًا في التراب…
وفي الصبح، حملته الممرضة، وعرضته أمام عيني من وراء الزجاج، وبدا لي قطعة لحم حمراء غبية، مغلقة العينين، مفتوحة الفم، راعشة الكفين… عينان أمامهما الكثير لترياه… وفم عليه أن يمضغ طويلًا، وكفان لا يدري أحد أهما للعطاء، أم للأخذ، أم لكليهما؟

فرانز كافكا: تربيتي أضرّت بي
الأحد 19 يوليوز1910
نوم، استيقاظ، نوم، استيقاظ، حياة تعيسة. عندما أنعم النظر يتوجّب عليّ أن أقول إن تربيتي قد أضرّت بي كثيرا في مناح متعددة. فأنا لم أربّ منعزلا، أو في إحدى الخرائب في الجبال، وهذا أمر لا أستطيع أن أنبس حياله بكلمة لوم واحدة. وعلى الرغم من الخطر الذي لم تستطع مجموعة معلّمي السابقين إدراكه، فإنّه كان من دواعي سروري ومناي، لو كن أحد ساكني الخرائب الصغيرة، تلوّحني أشعة الشمس التي تظهر خلال تلك الأنقاض من جميع الجهات، وتبزغ عليّ أشعتها من بين اللبلاب الغضّ. وحتى لو بدوت في أوائل المدة ضعيفا، فإنّ تأثير مناقبي الحسنة سيعلو، مضافا إلى قوة العشب البريّ الكامنة فيّ. وعندما أنعم النظر يتوجّب عليّ أن أقول: إنّ تربيتي قد أضرّت بي كثيرا من مناح متعدّدة. وهذا اللوم يصيب كثيرين، وأخصّ منهم والديّ، وبعض أقاربي، وأفرادا من الذين كانوا يختلفون إلى منزلنا، وبعض الكتّاب، وطباخين بعينهم، قادوني إلى المدرسة عاما كاملا، وأكواما من المعلمين (الذين يتوجّب عليّ أن أكدسهم معا في يومياتي، وإلّا فسيظهر لي واحد منهم، نظرا لأنّي حشرتهم معا، ويفتت هذا كلّه) وأحد مفتشي المدرسة، وواحدا من عابري السبيل المتمهلين. وباختصار فإنّ هذا اللوم سرعان ما يتّجه كالخنجر صوب المجتمع. ولا أحد، أكرّر أنّه لا أحد، يمكن أن ينجو من أن يصيبه رأس هذا الخنجر، بطعنة من الخلف أو في الخاصرة. ولا أحبّ أن أستمع إلى أيّ اعتراض على هذا اللوم، لأنني استمعت إلى الكثير من تلك الاعتراضات ودحضتها. إنّني أقرن بين اللوم والاعتراض لأقول إنّ تربيتي إضافة إلى تلك التفنيدات قد أضرّت بي كثيرا من مناحٍ شتى.
غالبا ما أفكّر، وهو أمر ينبغي أن أصرّح به دائما، طالما أضرّت بي تربيتي. وهذا اللوم يصيب عددا كبيرا من الناس. وهم متجمعون هنا، في كلّ الأحوال، ولا يعرفون، كما هي الحال في الصور الجماعية القديمة أن يبدوا معا، فلا يخطر ببالهم أن يغضوا أبصارهم، أمّا الابتسام فغير متوقّع منهم وهؤلاء هم: والدي وبعض أقاربي وبعض الطباخين على وجه التحديد، وبعض الفتيات من دروس الرقص، وبعض زوار منزلنا في ما مضى، وبعض الكتّاب، وأحد مدربي السباحة، وقاطع تذاكر، وأحد مفتشي المدرسة، وبعض الذين التقيت بهم عرضا في الشارع، وبعض الذين لا أستطيع تذكرهم، وبعض الذين لا أرغب في تذكرهم على الإطلاق. وأخيرا هؤلاء الذين كانت دروسهم تشتت الانتباه، وهو ما لم أتنبّه له يومها. باختصار إنّهم يبلغون من الكثرة حدّا يجعل المرء في حاجة إلى الحذر من ذكرهم مرتين، لهؤلاء جميعا أوجّه لومي. وإذا كنت بهذه الطريقة أعرّفهم ببعضهم بعضا، فإنني لم أعد أتحمّل كلمة اعتراض واحدة. لأنني تحمّلت بصدق في ما سبق ما يكفي من الاعتراضات. ونظرا لأنني فندت معظمها فلم يعد بوسعي غير أن أجمع بين اللوم والتفنيد، وأن أقول: إنّه فضلا عن تربيتي فإنّ هذه التفنيدات قد أضرّت هي الأخرى بي من أوجه شتّى. أيحسب أحد أنّني قد ربّيت وحيدا؟ كلا. لقد ربّيت في وسط المدينة، نعم في وسط المدينة. ولم أنشأ في خرابة في أحد الجبال أو على ساحل البحر. لقد ظلّ والداي وأتباعهما حتّى اللحظة محلّ لومي، لكنهم كانوا يضعون هذا اللوم من دون مبالاة جانبا ويبتسمون، لأنني أبعدت يدي عنهم، ووضعتها فوق جبيني وشرعت بالتفكير: لقد كنت أتمنى أن أكون أحد قاطني الخرائب، أستمع إلى نعيب الغربان، تجتازني بظلالها، أتبرّد تحت القمر –وحتى لو بدوت ضعيفا في البداية، فإنني سأنهض بتأثير من مناقبي الحسنة وبقوة العشب البرّي الكامنة فيّ- تلوّحني أشعة الشمس التي تنتشر بين الأطلال، وتبزغ على شجرات اللبلاب التي لي، وتطلع عليّ من جميع الجهات.

أناييس نن.. بورتري هنري ميللر
… عندما رأيت هنري ميللر يسير باتجاه الباب حيث كنت أقف أغمضت عيني للحظة كي أراه بما يدعونه العين الداخلية. كان هنري دافئا حميميا، مسترخيا مرحا وطبيعيا، ومرّ وسط الحشد كأيّ شخص مجهول. كان ممشوقا ونحيفا متوسط الطول وبدا مثل راهب بوذي، راهب له بشرة وردية بصلعته الصغيرة المحاطة بشعر فضيّ لامع وفمه الشهواني الممتلئ. عيناه الزرقاوان كانتا باردتين ويقظتين، لكن فمه كان عاطفيا وعرضة للغواية. ضحكته معدية وصوته حميم كأصوات الزنوج. كان مختلفا جدا ابتداء بقسوته وعنفه وحيوية كتابته وشخصياته الروائية وهزلياته… ومبالغاته وابتسامته الوقحة عند زاويتي عينيه ونبرات صوته اللينة. هنري رجل يمتلك حياة ثملة دونما حاجة إلى الشراب، رجل يعوم في خفّة من ابتداعه الشخصي… كان يتحدث ببطء كأنّما يتلذذ بكلماته. إنّه يحتلّ اللحظة الراهنة بكاملها ويبدو مهذبا وعطوفا. اعترف هنري بأنّه جاء إلى بيتي لأنّ ريتشارد وعده بعشاء فاخر، لكنّه يودّ الآن أن يتعرّف إلى البيت كلّه، ويتحدث إلى كلّ فرد بقيم فيه، ويعرف عمل كلّ شخص، ويطرح السؤال إثر السؤال بنوع من قسوة غير مقصودة… تحدث هنري ميللر إلى (خواكين) عن الموسيقى ومؤلفاته الموسيقية وحفلاته واتّجه ليصافح والدتي ثم تجول في الحديقة وعاد ليتفحّص الكتب. كان شخصا مسكونا بالفضول…
يشبه هنري ميللر مخلوقا أسطوريا، وتموج كتابته باللهب، كتابة متدفّقة هيولية، مضطربة، خدّاعة خطيرة: (عصرنا بحاجة إلى العنف). أستمتع بسلطة كتابته، بقبح هذه الكتابة وتخريبها وجسارتها وتدفّقها. هذا المزيج الغريب من عبادة الحياة وهذه الحميّا والتلذذ الشغوف بكلّ شيء، الطاقة والخصب، الضحك والعواصف المدمرة التي تربكني، كلّ شيء يهبّ عاصفا: الرياء، الرعب، الشفقة، الزيف… إنّها ثقة الموهبة بنفسها… يستخدم هنري ضمير الشخص الأول في حديثه، والأسماء الحقيقية دون الألقاب، ويرفض السياقات والأشكال، يرفض الرواية نفسها… كثيرا ما كنت أؤمن بحرية (أندري بروتون)، أن يكتب المرء كما يفكّر، بنظام أو بفوضى وبالطريقة التي يحسّ بها ويفكّر، ويتّبع سلطة حواسه مع افتقاد التناسب بين الأحداث والصور ومنح الثقة للآفاق الجديدة التي يقود إليها قارئه… (طقوس عبادة المعجزات)… وثمة طقوس قيادة اللاوعي، طقوس الأسرار، الانفلات من المنطق الزائف… إنّ طقوس اللاوعي كما صرّح بها (رامبو) ليست طقوس الجنون، بل مسمّى لتجاوز الجمود والقوالب التي أوجدها العقل القويم. كان هنري ميللر يمتلك مزيجا غريبا من كلّ هذه الأشياء، وكان طبيعيا أن ينسحر بكتاب أو يخلب لبّه شخص ما أو تفتنه فكرة. إنّه موسيقي ورسّام. إنّ هنري يلاحظ كل الأشياء من حوله: يلاحظ الامتلاء الفاتن لقناني النبيذ، هسيس الحطب في المدفأة، ويختار من كلّ شيء ما يتيح له أقصى متعة… كان هنري يعلن عداءه للروائيين التقليديين لذلك وقع اختياري على (د. ه. لورونس) وكرّست جهودي للكتابة عنه.
أنا لا أثرثر في مواضيع السياسة لأنني أجهلها. لقد اخترت شيئا بوسعي أن أحبه وأنغمر فيه. فاستغرقني هنري… هنري الذي لم يكن متيقنا حتى من نفسه والذي كان يوجّه النقد لنفسه. المخلص الذي يحمل في أعماقه بعضا من قوّة عظمى… كان يريد كلّ شيء… إنّه بالكاد يكون صعلوكا، ينام أينما اتفق، في بيت صديق، في محطة قطار أو غرفة انتظار، على مصطبة في دار للسينما، في منتزه. إنه لا يملك ثيابا وما يرتديه ليس له…
يعيد هنري كتابة أوّل كتبه (ديك الجنون). إنّه يعيش يوما بيوم، يقتترض، يشحذ، يتطفّل. يريد أن يقرأ المجموعة الكاملة لمارسيل بروست، وضعت مع الرزمة بطاقات القطار لكي يتسنّى له المجيء لرؤيتي متى شاء ذلك… لم يكن يمتلك آلة كاتبة، أعطيته طابعتي… ولأنّه مغرم بالوجبات الفخمة صرت أطهو أطباقا فاخرة باذخة. أريد أن أمنحه بيتا ودخلا وضمانا ليستطيع الكتابة…

ألبرتو مانغويل.. يوميات القراءة
الخميس
سأغادر غدا عائدا إلى فرنسا. أجلس مع ابن أخي توماس نتناول الغداء. حدثنا عن الخيانة التي تعرض لها تاريخ الأرجنتين، وعن حاجة توماس للبقاء مؤمنا بإمكانية القيام بعمل إيجابي. كان متحمسا لعبارة قرأها لسيمون دو بوفوار: (اكتشفت، وكلّي شعور بالازدراء، الطبيعة العابرة للمجد). من أجل أن يستهوينا كتاب ما، ربّما عليه أن يقيم رابطة من الاتفاق العرضي بين تجربتنا وتلك التي في القصة أو الرواية، اتفاق بين مخيلتين، مخيلتنا وتلك المدونة على الورق.

الاثنين
عدت إلى فرنسا. قرأت في الطائرة مقالا عن ما يسمّى بالنمل الأرجنتيني. حشرة ضارية ومقاتلة في وطنها الأم، لكنها في أوربا توقفت عن القتال (لأسباب غير معروفة) واستثمرت طاقتها الفائضة في بناء نفق طوله ستة آلاف كيلومتر يمتد من شمال إسبانيا حتى جنوب إيطاليا.
بدأت اليوم في ترتيب مكتبتي. الرفوف جاهزة، ملمّعة بالشمع ونظيفة، فكرت وقبل أن أضع الكتب في مكانها، بأنّه يجب عليّ أن أفتح الصناديق كلّها، فالكتب حسب تصنيفها اختلطت ببعضها البعض، وسوف لا أعرف الحيّز الذي أحتاجه لوضع، على سبيل المثال، الروايات البوليسية أو أعمال كاسارس. في واحد من الصناديق الأولى التي فتحتها وجدت نسخة من كتاب بيوي كاسارس المغامرة الأولى، وهو عبارة عن مجموعة حررتها عندما كنت أعمل في دار النشر «غاليرنا» في بوينس آبرس. كان عمري آنذاك عشرين عاما، وكنّا ثلاثة نعمل في هذه الدار، أنا ورئيس التحرير وزوجته. الكتاب من القطع الصغير جدا بخطوط سوداء مسحوبة على خلفية حمراء. أتذكر كيف ذهبت إلى بيت كاسارس لأجلب المخطوطة، وقد كانت من الورق المنسوخ بالكربون، وكيف قرأتها وأنا في طريقي عائدا بالباص.
كان ذلك في الشهور الأولى من العام 1968. بعدها بثلاثين عاما بالضبط رأيت كاسارس ثانية قبل أسابيع قليلة من موته، لقد انكمش حتى صار ضئيلا، رجل ناتئ العظام يتمتم حين يتكلّم، لكن عينيه لم تزلا تحتفظان، وبشكل مدهش، ببريقهما. أخبرني أنه بصدد التفكير بحبكة رواية جديدة (ستكون فيها جزيرة) قال، ثم أضاف مبتسما (مرّة ثانية).
أحتفظ بصورة فوتوغرافية لبيوي كاسارس وهو في السابعة عشرة من عمره. صورة جانبية يظهر فيها ملتحيا، وسيما بمقاييس ذلك العصر. لدي صورة أخرى له، في آخر لقاء لي معه، يظهر فيها وكتفاه محنيان وخداه غائران. ليس من المؤكد بأنّ «موريل» سيختار الاحتفاظ بالرجل الشاب دون الآخر الذي على حافة الموت، أو سيختار الصورة التي كان عليها دون الأخرى التي سيكون عليها في ما بعد. يقول «موريل» وهو يتطلع إلى صورة محبوبته «فوستين» (والتي يقع الراوي أيضا في حبّها): تأثير المستقبل على الماضي.

الخميس
أجلس في مكتبتي محاصرا برفوف فارغة وأعمدة متنامية من الكتب. خطر لي بأنه يمكن أن أقتفي أثر كل ذكرياتي من خلال هذه المجلدات المكدسة. فجأة سيبدو عندئذ كلّ شيء فائضا عن الحاجة، كلّ هذه الأوراق المطبوعة المتراكمة، أو ربما تجربتي الخاصة هي التي ستكون فائضة عن الحاجة… الغرفة التي تؤوي مكتبتي، تبدو لي واسعة جدا، والآن وهي ملأى بالكتب تبدو أوسع. تناولت المجموعة الكاملة للشاعر العراقي بدر شاكر السياب وقرأت:
حجرتي الجديدة
واسعة، أوسع بأيّ حال
مما سيكون عليه قبري.
لسنوات طويلة ولضيق المكان، احتفظت بأغلب كتبي مخزّنة في مكان ما. كنت أفكر مرارا بأنه يمكنني سماعها تناديني في الليل. الآن أبقى معها كلها ولوقت طويل، مغمورا بالصور ومقاطع من نصوص أحفظها، واقتباسات عشوائية، وعناوين وأسماء. لقد عثرت على نسختي القديمة من «اكتشاف موريل»، الطبعة الثانية الصادرة في عام 1948، العام الذي ولدت فيه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى