الرأيزاوية القراء

في مفهوم الثقافة

عبد الإله بلقزيز

الثقافة، شأنها في الطبيعة شأن العمل وتدبير الأشياء والعلاقات، فعالية أو بعد من أبعاد الفعالية الإنسانية. يمتنع افتراض وجود إنساني أو حياة إنسانية من دون تبد لهذه الفعالية شكلا ما من أشكال التبدي.
وهي، بهذا المعنى، تجسيد للحظة ما بعد الطبيعي في الإنسان؛ لحظة تمثل الذات لموضوعها (الطبيعي) والتعبير عنه في صورة محاكاة له أو إعادة تكوين بالرموز المتاحة. ما من شك في أن الطبيعة مصدرها الأول الذي متحت منه، لكنها في نظامها تنفصل عن تلك الطبيعة كي تكون ثقافة: أعني كي تستقيم فعالية منبعها خيالات الإنسان وتمثلاته وإدراكاته وطاقات الخلق والوعي فيه. لذلك يُنْظَر إلى الثقافة بما هي حالة تنتمي إلى التاريخ؛ إلى ما بعد الطبيعي في الوجود الإنساني؛ أي إلى طبيعة ثانية مبنية ينتحلها الإنسان لنفسه ويبرر بها اعتقاداته وأفعاله..

والثقافة نظام للتعبير: عن الذات؛ فردية كانت أو جماعية، وإن كان مبتدؤها التعبير الفردي في المقام الأول. ولكنها في تعبيرها عن الذات، تعبر عن العالم في الوقت عينه أو، قل، عن تمثلاتها للعالم وللأشياء والظواهر فيه. وقد يبدأ التعبير بمحاكاته، ولكنه يتدرج صعودا عبر صور أخرى من الانفصال عن الموضوع الخارجي إلى حيث يستحيل التعبير خَلقا جديدا للعالم، أو تكوينا ثانيا لعناصره ومعانيه وماهيته، فيتماهى معنى التعبير مع الإبداع. وهكذا كلما اتسع نطاق المسافة الفاصلة بين الذات والموضوع (الطبيعة، العالم…)، زادت – بالتبعة – إمكانات سيطرة الذات على موضوعها وجدانيا وذهنيا بأدوات التعبير التي في حوزتها. ومعنى ذلك أن من الشروط اللازبة للخلق والتعبير تحرر الذات من الموضوع، الإنسان من الطبيعة؛ لأنه لا سيطرة للذات على العالم وإخضاعا منها له إلا بحرية تحققها من طريق انفصالها عن نظامه وتشييدها نظاما لها موازيا. هذا، على التحقيق، معنى الثقافة بوصفها فاعلية.
وتشترك الثقافة – في هذا الميسم من مباعدة العالم الخارجي الذي يسمها – مع المعرفة؛ وإن كان الفارق المفهومي بينهما كبيرا. المعرفة من جهتها، هي أيضا، لا تمتكن إلا متى فارقت أدواتها موضوعها فحولته من خامة إلى موضوع للمعرفة بإعمال أدواتها (المفاهيم): أكانت أدوات نظرية أو أمپيريقية (تجريبية). على أنه رغم ما بين الثقافة والمعرفة من تمايزات مفهومية، يجمعهما أنهما معا تشتركان في مسعى واحد: تحويل الموضوع الخارجي وإعادة تصنيعه لاستحصال منتوج منه. والمنتوج هذا قد يكون معرفيا، كما في حالة المعرفة، أو جماليا ورمزيا كما في حالة الثقافة. على أن بعض الاشتراك بينهما لا يمكن تجاهله: أن المعرفة نفسها ثقافة أو حالة ثقافية عليا.
للتعبير الثقافي وسائل وصور وطرائق مختلفة يتحقق بها، ويفصح عن نفسه بواسطتها. والحديث في هذه يأخذنا إلى المعنى الأنثروپولوجي للثقافة بما هي التعبير بأشكاله كاقة: بالكلام، بالحركة، بالصوت، بالإيماء، بالرسم…إلخ. كل طريقة في التعبير عن خالج أو خامر أو معنى معتمل في النفس تنتمي إلى التعبير الثقافي، أأتَتْ باستخدام الكلمات، أو الحركات والإيماءات، أو الرسوم والرموز، أو الأصوات. وليست الآداب والفنون والمعارف سوى التجسيد المباشر للطرائق تلك. بالكلمات نعبر، ثقافيا، عن أنفسنا في الآداب؛ بالأصوات تعبر الموسيقى والغناء ثقافيا؛ بالحركات والإيماءات تعبر الفنون الحركية ثقافيا؛ بالرسوم يعبر الفن التشكيلي والعمارة والنحت ثقافيا؛ وبالمفاهيم (= كلمات) تعبر المعارف عن نوع ثقافتها المعرفية العالِمة. يمكننا أن نختصر الطرائق هذه جميعها في تعبيرات ثلاثة: مكتوبة، صوتية، حركية على أشكالها تدور الثقافة.
وجوه صرف التعبير الثقافي متعددة الأهداف: قد يُقصد بالأثر الثقافي مجرد البوح والإفصاح في صورة جمالية: مكتوبة أو بصرية أو مسموعة؛ وقد يقصد به السعي إلى الفهم أو الإفهام أو التجلية بأدوات البيان الذهني؛ وقد يقصد به الرغبة في خلع معنى ما على موضوع ما؛ وقد يُقصد به محاولة إنتاج معرفة بظاهرة ما؛ وقد يراد به التعبير عن رأي أو موقف؛ كما قد لا يُبْغَى منه أكثر من تحقيق المتعة من خلال ذلك الأثر الثقافي. في الأحوال جميعها، تتنزل الثقافة من اليومي الإنساني بمنزلة ذلك الفعل الحيوي الذي يتغيا إشباع حاجة داخلية لدى الإنسان: اجتماعية (التواصل)، فكرية – معرفية، جمالية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى