ذاكرة المدن

ماتت في مواجهة الحمى الصفراء وحمل اسمَها زقاق بمراكش

حسن البصري
يعرف قدماء مدينة مراكش زقاقا نشيطا في حي كيليز اسمه زنقة ماري لاي، لكن القليلين من يعرفون من تكون هذه السيدة التي تخلد المدينة اسمها. ماري ممرضة فرنسية الأصل حلت بمراكش ضمن بعثة طبية مع دخول الاستعمار الفرنسي للمغرب عبر البوابة الشرقية للمملكة. كانت صديقة لزوجة الحاكم الفرنسي المقيم بل إن سمعتها مكنتها من دخول قصر التهامي لكلاوي.
عرفت هذه الممرضة بعلاقاتها الإنسانية مع ساكنة مراكش، وكان الكثير من أعيان المدينة يدعونها إلى بيوتهم لعلاج زوجاتهم أو بناتهم في زمن كان فيه من الصعب عرض امرأة على طبيب أجنبي. عينت ماري ممرضة في مستشفى “موشامب” الذي حمل في ما بعد اسم مستشفى ابن زهر، والذي يرجع تأسيسه إلى سنة 1913.
حمل المستشفى الذي عملت فيه ماري لاي اسم الدكتور موشامب الذي قتله المراكشيون، وكان مقتله نقطة تحول في تاريخ المغرب، حيث كانت تصفيته البشعة دافعا للحكومة الفرنسية لاحتلال المغرب، وقررت، في اجتماع تاريخي، تحريك جزء من آلتها الحربية المتمركزة في الجزائر غربا لاحتلال وجدة، بعد أسبوع واحد على مقتل الطبيب. بل إن الحماية الفرنسية أصرت على أن تطلق اسم موشامب على أول مستشفى تفتحه في مراكش.
نعود إلى الممرضة الفرنسية لاي، فقد تحولت من ممرضة إلى مريضة، بعد إصابتها بوباء الحمى الصفراء الذي ضرب مراكش، بعد أن أصرت على مرافقة البعثات الطبية في الحوز لعلاج النساء بعد أن تبين للقائمين على هذا القطاع أن الأزواج يرفضون علاج نسائهم إلا على يد ممرضة. ماتت لاي وسط دهشة الجميع ودفنت بمقبرة مسيحية في مراكش يوم رابع يناير 1939، وسط حسرة الهيئة الطبية.
كانت الراحلة تعمل جاهدة من أجل تغيير عقلية الأهالي الذين لا يلجؤون إلى الطب العصري إلا للضرورة القصوى، بعد أن يستنفد الطب الشعبي جميع محاولاته، خاصة في صفوف النساء المحافظات بعد أن ظلت تحذرهن من مضاعفات الارتماء في التداوي بالأعشاب أو زيارة الأضرحة لطرد الأسقام.
في غرفتها عثر على أكثر من كتاب حول تاريخ الطب بالمغرب، حيث كانت تقرأ للطبيب الفرنسي لوسيان راينو، كتابه “دراسات حول النظافة والطب بالمغرب” الذي ألفه سنة 1902، من موقعه مسؤولا طبيا فرنسيا بالجزائر، والذي توفي هناك سنة 1931. كما أدمنت على قراءة كتاب يحمل عنوان “السحر في المغرب” لصاحبه الدكتور المقتول موشامب، والذي صدر بعد رحيله. ساعدها الكتاب على دراسة العقائد والطقوس السحرية في مراكش كمدخل لفهم العقلية المغربية.
الغريب في وفاة ماري أنها شبيهة بسيناريو وفاة ممرضة فرنسية اسمها ماري فوي، نفس السيناريو، نفس الاسم الشخصي، نفس الوباء ونفس المهمة طبعا، مع اختلاف في تاريخ الرحيل ومكانه، كانت ماري قد قررت أن تنخرط مع الطاقم الطبي لمدينة تيفلت في حملة بالمنطقة والمداشر لمدة أسبوع على أن تستكمل طريقها في الفترة المسائية، لكنها تعرضت لنفس الوباء ولم تنفع تحذيرات زملائها الأطباء من التوقف عن عمل الإغاثة، إلى أن سقطت فتم حملها في سيارة إسعاف إلى جانب المرضى إلى مستشفى مكناس العسكري وبعد ثلاثة أيام توفيت ماري وسط ذهول الجميع، نفس المشهد ستعيشه مراكش لكن بعد مرور 32 سنة.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق