مغاربة يغيرون جلدهم الروحي

مغاربة يغيرون جلدهم الروحي

حسن البصري
أثار الحوار الذي أجرته صحيفة «إسبانيول»، مع رجل مغربي يتحدر من مدينة تارودانت يدعى مصطفى شليحة، جدلا واسعا في أوساط المهاجرين المسلمين في إسبانيا، خاصة حين عبر عن السعادة التي تغمره وهو يرتمي في حضن المسيحية، بعد أن قام، على حد تعبيره، بإجراء مقارنات بين الأديان، مؤكدا أنه يعرف الدين الإسلامي جيدا لكون والده إمام مسجد وعلى يديه تعلم دروس الدين ورتل القرآن.
لكن المثير في قضية هذا المهاجر الذي قضى 23 سنة في حضن الديانة المسيحية، تأكيده على وجود مشاورات مطولة مع مغاربة اعتنقوا ديانة المسيح، وأكيد أنهم عبدوا له الطريق نحو المعتقد الكاثوليكي الجديد.
لم يتوقف مصطفى عند هذا الحد، بل طالب السلطات المغربية بمعاملة الخارجين عن الدين الإسلامي معاملة بالمثل، داعيا إلى توفير مقابر للمسيحيين الجدد، وتدريس الديانة المسيحية للمسيحيين، بدل التربية الإسلامية.
«الأخبار» تتوقف عند بعض حالات تغيير الجلد الديني، وتعيد ترتيب حكاية مغاربة استبدلوا شعائرهم، أو تعايشوا مع زوجات تمسكن بديانتهن المسيحية.

إيميلي.. مسيحية تزوجت شريف وزان غصبا عن الشرفاء
أصر مولاي عبد السلام بن العربي شريف وزان على الارتباط بنصرانية ضاربا عرض الحائط بغضب الشرفاء، كانت للشريف مكانة كبيرة في نفس السلطان، خصوصا وأنه كان يتمتع بصفة الحماية الأجنبية. سقط الرجل صريعا أمام إيميلي كين التي أصبحت شريفة وزان، هي المرأة التي شكلت منعطفا حاسما في حياة مولاي عبد السلام. بالغوص في قصة حياتها، وجدنا قصة امرأة ليست كباقي الأجنبيات الشقراوات اللواتي جئن إلى المغرب قبل الحماية الفرنسية، استهواها المغرب بعد أن جاءت إليه في مهمة عمل كونها تشتغل في الإدارة البريطانية، وحطت الرحال بوزان قادمة إليها من طنجة، وكان آخر ما تفكر فيه وقتها هو الاستقرار بالمغرب، فكيف الزواج من مغربي.. وكيف إذا كان الزوج المغربي هو شريف وزان الأكبر. تقول إيميلي كين في سيرة حياتها إن الزواج من مغربي كان ضربا من الخيال.
في ذلك الوقت كانت وزان عبارة عن معقل وقلعة نفوذ كبير لأسرة شريف وزان المولى عبد السلام. ورث عن أجداده زاوية يحج إليها الناس من كل حدب وصوب، من جهات المغرب الأربع، وهو ما جعل أسرته تدخل في معادلة السلطة المعقدة في زمن السيبة وفرض هيبة المخزن.
اعتنقت شريفة وزان الدين الإسلامي عند زواجها بالحاج عبد السلام كبير الشرفاء، هذه حقيقة يدافع عنها أحفاد الشريف، رغم أن بعض الذين تتبعوا تاريخ الرجل، شككوا في كون إيميلي قد اعتنقت الإسلام.
بالرجوع إلى بعض ما كتب عن شريف وزان، فإن زواجه من إيميلي سنة 1873 قوبل برفض كبير لمريديه، ولم يستسغ الكثيرون أن يتزوج صاحب البركة والنسب الشريف من «نصرانية» بريطانية تتقن عزف البيانو ولباسها الأوروبي والكفر الذي جاءت به من وراء البحر.
لكن حفيدها، الذي اهتم بتاريخ العائلة، يؤكد أن جدته إيميلي كين اعتنقت الدين الإسلامي وعاشت إلى جانب أبنائها حياة شرفاء وزان، وتشبعت بالروحانيات. إقامتها التي أمضت فيها ما تبقى من حياتها منذ غادرت وزان إلى طنجة، لا تبعد إلا خطوات قليلة عن المقبرة.
يقول الأستاذ محمد الوزاني إن جدته اعتنقت الإسلام، وتولى العالم المغربي عبد الله كنون تلقينها الشهادتين بنفسه، ويفتخر الوزاني بأن أرشيف العائلة يتوفر على شريط فيديو يؤرخ للحدث، تظهر فيه إيميلي كين وهي تردد الشهادتين خلف عبد الله كنون.
قصة آل الشريف عبد السلام الوزاني مع الأرشيف غريبة، إذ إن محمد يقول إن أعمامه كانوا من بين أوائل الذين امتلكوا كاميرا للتصوير في المغرب، وهكذا استطاعوا توثيق عشرات اللحظات التاريخية المهمة في تاريخ البلاد.
أشار حفيد إيميلي كين، شريفة وزان، إلى أن الكثيرين يزعمون أنها مدفونة بمقبرة طنجة منذ وفاتها سنة 1941، وأن لها قبرا صغيرا كباقي أموات المدينة المسلمين، وذهب آخرون، بل وكتبوا أيضا أنها مدفونة في مقبرة خاصة بالإنجليز، مما يعني أنها لم تدخل الإسلام، لكن الحقيقة، يقول محمد، أن جدته إيميلي كين أسلمت وعاشت مسلمة في المغرب، وقبرها الآن موجود وبدأ بعض أفراد عائلتها في بريطانيا، من جهة الأب، بربط اتصالات مع العائلة بالمغرب، لزيارة قبر الراحلة والتعرف على أفراد العائلة المغاربة.

كريستيان.. زوجة رضا كديرة.. اعتنقت الديانة الإسلامية بعد الترمل
بعد حصول أحمد رضا كديرة على دبلوم معهد الدراسات القانونية العليا بالرباط، قرر الشاب ابن المدينة القديمة للعاصمة البحث عن يد تنتشله من المغرب وتساعده على استكمال دراسته الجامعية في فرنسا، سيما بعد أن قطع عدد من رفاق دربه الدراسي مضيق البوغاز واستقر بهم المقام في الجامعات الفرنسية. ولأنه كان يعاني من اليتم والخصاص، فقد تحمل عمه العربي تكاليف الرحلة إلى باريس، ومكن ابن شقيقه من تحقيق طموحاته.
غير أن الفضل الكبير في اندماج اكديرة في عالمه الجديد، يرجع إلى فتاة تعرف عليها خلال تردده على مكتب أحد المحامين الفرنسيين حيث كان يقضي فترة تدريب، وهي شابة فرنسية تدعى كريستيان دوفال فونتينبلو، وهي ابنة عسكري فرنسي شارك في الحرب العالمية الأولى ولقي حتفه فيها، بل إن عائلتها لها ارتباط وجداني بالعسكر حيث شارك جدها في جيش نابليون، مما يعطي انطباعا أوليا على تربيتها الصارمة.
اقترح أحمد على كريستيان تحويل علاقة العشق المتبادل إلى زواج، واتصل بوالدته لإخبارها بهذا الارتباط، في الوقت الذي كانت الوالدة تخطط لزواج عائلي، وفي أول زيارة لكريستيان إلى الرباط وقعت أسيرة حب غير مسارها، وأجبرها على إقناع شقيق والدها العسكري بضرورة الخضوع لنبض قلبها الذي خفق لشاب مغربي ضدا على الضوابط العسكرية الصارمة التي كانت تسيطر على أجواء الأسرة.
قبلت والدة كريستيان عرض الزواج من مغربي على مضض، لكنها اشترطت على ابنتها التمسك بديانتها المسيحية، وعدم اعتناق الديانة الإسلامية، وهو شرط أزعج اكديرة ووضعه في موقف حرج مع أفراد أسرته، خاصة حين كانت زوجته الفرنسية تصر على ممارسة الشعائر الدينية الكاثوليكية بانتظام والتردد على الكنيسة دون أن يؤثر توجهها الديني في تربية أبنائها بعد أن أنجبت ولدا وثلاث بنات، وهم حكم ومليكة ومريم وزبيدة.
يقول ابنها حكم: «كانت والدتي كريستيان مؤثرة في قرارات أبي لكنها لم تكن مؤثرة في الجانب الديني، بل كانت بسيطة في معاملاتها تصر على نشر وعي ليبرالي بين أبنائها، كانت تناقش القضايا العائلية بديمقراطية وتنصت جيدا لمقترحاتنا، لكنها كانت تقوم بشعائرها الدينية دون أن تتدخل في التربية الدينية التي علمها لنا والدنا».
مرت علاقة أحمد مع كريستيان بعدد من المطبات أبرزها الخلاف الذي طفا على سطح علاقاتهما بعد أن هددت بقطع علاقتها باكديرة والاستقرار نهائيا في فرنسا، على خلفية إشاعات عن وجود علاقة حب بين زوجها أحمد ونادية برادلي، وهي العلاقة التي بدأت من توكيله بالمرافعة في قضية تهم إرث والدها.
في يوم الخميس 14 ديسمبر 1995 توفي أحمد رضا اكديرة في إحدى مصحات باريس، رافقته زوجته في آخر نبضات قبله، وحين توفي قررت اعتناق الديانة الإسلامية، حتى تدفن إلى جانب قبره في مقبرة الشهداء.

فؤاد الفيلالي يغير جلده واسمه
إذا كان فؤاد الفيلالي قد اختار العيش في إيطاليا بلد والدته، فإن والده عبد اللطيف الفيلالي قضى سنواته الأخيرة في فرنسا، التي اختار العودة إليها متقاعدا بعد أن عاش فيها وهو طالب علم. ظل الرجل يقضي أوقاته في العلاج وتناول الأودية وقراءة الصحف والمجلات الفرنسية، وبين الفينة والأخرى كانت زوجته الإيطالية تقوده إلى منتجع لتغيير أجواء البيت.
كان الفيلالي يخفي قلقا دفينا من رفاق الأمس، ولا يتردد في إبداء غضبه كلما علم بموقف عدد كبير من رجالات الطبقة السياسية الذين أداروا ظهورهم له، منذ أن تخلص من السلطة والمناصب.
آثرت أسرة الفيلالي الابتعاد عن أجواء السياسة، في ما يشبه الاغتراب، إذ عاش الأب عبد اللطيف رفقة زوجته وابنته ياسمينة وابنه فؤاد، رجل الأعمال المغربي الذي اقترن بالأميرة لالة مريم، كريمة العاهل المغربي الراحل الحسن الثاني وشقيقة الملك محمد السادس، حيث أنجبا الأميرين مولاي إدريس ولالة سكينة. شعر الفيلاليون بتراجع رهيب في سلم الوجاهة، منذ أن تسلم عبد الرحمن اليوسفي من الوالد عبد اللطيف مقاليد رئاسة الحكومة، محتفظا في حكومته بحقيبة الخارجية التي لم يستمر فيها طويلا فاستبدله الملك الراحل قبل وفاته بشهور، بمحمد بن عيسى، وفي منفاه الاختياري انكب على تأليف كتاب «المغرب والعالم العربي»، تضمن آراء مثيرة مثل قوله إنه لا يوجد شيء اسمه العالم العربي إلا في الخيال.
غادر فؤاد الفيلالي المغرب في صمت وقرر اعتزال السياسة والاقتصاد، وأدار ظهره للمغرب، لكن آخر ظهور له كان عبر شبكة «سي إن إن» حين ذيلت صورته باسم إيطالي (دجاكومو فيرمونتي)، مما عزز فرضية تغيير جنسيته واستبدالها بجنسية إيطالية، فيما تمنى كثير من متتبعي البرنامج أن يكون الأمر مجرد خطأ في «السانتي»، علما أن فؤاد ظل يقيم منذ مغادرته المغرب في العاصمة الفرنسية باريس حيث يملك عدة شركات موزعة بين فرنسا وإيطاليا تحديدا روما حيث تقيم أمه الإيطالية الأصل. وحسب بعض الصحف الإيطالية، فإن المدير السابق لمجموعة «أونا» يدير شركة تحمل اسم «فييرمونتينا» التي أسستها جدته الإيطالية بروما حيث راكم ثروة كبيرة.
ظهر فؤاد خلال مراسيم دفن والده بمقبرة شالة بالرباط، حيث ووري الثرى بحضور أفراد أسرته والوزير الأول عباس الفاسي ومستشاري الملك والحاجب الملكي إبراهيم فرج وعدد من أعضاء الحكومة. وخلال عملية دفن الراحل عبد اللطيف الفيلالي، لوحظ أن العملية تمت دون إزالة اللوحة المعدنية التي تحمل اسمه وتاريخ ولادته ووفاته باللغة الفرنسية. وتساءل بعض الحاضرين عن سبب دفن الراحل باسمه مكتوبا بالفرنسية في الوقت الذي كان يجب على عائلته الانتباه إلى هذه التفاصيل وتعويض تلك اللوحة الفرنسية بلوحة أخرى تحمل آية الكرسي أو «إنا لله وإنا إليه راجعون»، دون أن يجدوا جوابا عن السؤال.

زيان.. ولد في مالقا وحمل اسم فكتور مارتين
ولد محمد زيان في 14 فبراير سنة 1943، من أب مغربي ريفي الأصل مسلم الديانة هاجر إلى مدينة مالقا الإسبانية، وهناك تزوج من شابة مسيحية إسبانية معارضة لنظام فرانكو. يقول زيان في بوحه لإحدى الصحف اليومية المغربية: «كنت أسمى فيكتور مارتين، وكانت والدتي امرأة ذات شخصية قوية، والدليل أنها كانت جمهورية، ومع ذلك لم تهرب بل تحدت الديكتاتورية الفرانكوية، وظلت هناك حتى نهاية الحرب العالمية الثانية حينما بدأت أجهزة فرانكو في تصفية الأشخاص المشكوك في ولائهم، وأذكر أيضا أنه في تلك الفترة كان العديد من رجالات الكنيسة ونسائها يأتون إلى أمي بغرض إقناعها بأن تعترف بخطئها وأن تتراجع عنه وتعلن ولاءها للفاشية، حينئذ فقط هربت أمي رفقة والدي إلى المغرب. وحينما عدنا إلى طنجة للاستقرار بها، تولت جدتي، أم والدي، تربيتي ورعايتي، وصارت تبعثني إلى المسيد كي أحفظ القرآن وأتعلم مبادئ الإسلام».
شرب زيان من حليب التمرد منذ صباه، وأعلن رفقة والدته التمرد ضد الديكاتورية التي دخلت من أبواب الكنائس ومن الثكنات، وساهم جيش «المورو»، وكان في غالبيته من مغاربة الشمال، في تكريس حكم فرانكو، الذي أحكم قبضته على البلاد خاصة بعد انتهاء الحرب الأهلية الإسبانية.
«دفنت والدتي بطنجة، في المقبرة المسيحية. لقد عاشت مسيحية وماتت وهي على دينها، لم يؤثر وجودها بين المسلمين في المغرب على تشبثها بدينها. لقد اعتبرت أن تغيير الديانة سيكون موقفا انتهازيا وليس صادقا، لذلك كانت تريد أن تقف أمام الله بصدق»، يضيف زيان في البوح نفسه.

الاستثناء القاسمي.. مدرس غير جنسه ودينه
ليس كل أبناء مدينة سيدي قاسم شرفاء يفتخرون بولائهم لسيدي بوعسرية، بل هناك استثناء للقاعدة، إنه عادل البوريشي، الأستاذ الذي ولد في سيدي قاسم وقضى جزءا من طفولته قبل الانتقال إلى الولايات المتحدة الأمريكية لإجراء عملية تحول جنسي تغير معها اسمه من عادل إلى فدوى.
عاش الفتى شبابه في القنيطرة، بعدها انتقل بين مجموعة من المدن والقرى بحكم وظيفته كمدرس وهي المهنة التي كان يشغلها والده. خلال فترة طفولته بسيدي قاسم، اكتشف عادل نفوره من أصدقاء الطفولة الذكور، لم يكن يلعب الكرة، بل كان مهتما بالدمى. تزوج عادل سنة 2009، بضغط من أسرته لكن بعد حوالي 6 أشهر اعتنق الديانة المسيحية، وهاجر إلى الولايات المتحدة الأمريكية.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة