الرأي

العيد مشيا على الأقدام

يونس جنوحي
حركة السفر، رغم توصيات الوزارة والإجراءات الاحترازية في كل مكان، تسير وكأنه لا وباء في العالم.
المغاربة يأتون من كل مكان، يركبون الطائرات والقطارات والسيارات والحافلات وحتى الدراجات النارية، ويسابقون الزمن لطي المسافات حتى يكونوا مع أحبائهم في هذا العيد. وحتى مع ظروف انتشار الوباء والتخوف، فإن الناس مستعدون لتحمل كل هذه المشاق، لكي يجلسوا صباح العيد مع أحبائهم حول نفس الطاولة العائلية.
لكن ما لا ينتبه إليه أحد، هو الحالة الهشة لبعض الناس الذين يعملون في حرف متواضعة، حيث يشتغل بعضهم في مدن بعيدة جدا «بلا خبار الحكومة»، ولا يوفرون طيلة سنة من العمل حتى ثمن تذكرة في وسيلة نقل محترمة، وينتقلون إلى دواويرهم ومساقط رؤوسهم مشيا على الأقدام، ويستعطفون سائقي الشاحنات لحملهم لمسافات، قبل أن يواصلوا المشي على الأقدام وصولا إلى تلك الدواوير المنسية.
لا أحد يفكر في هؤلاء المساكين، إذ لا توجد لديهم تمثيلية للمطالبة بتوفير تنقل مريح لهم، وليست لديهم عقود عمل لكي يتفاوضوا بشأنها. كل ما هنالك أنهم يشكون ذلك الاستمرار التاريخي لمعاناة الإنسان من أجل لقمة العيش.
إذ إن بعض العاملين في أوراش البناء في مدن الشمال، يكابدون للوصول إلى قراهم المنسية نواحي أزيلال وبني ملال، ونواحي مراكش، وحتى في منطقة «تيشكا»، ولا يستطيعون تحمل مصاريف وسائل النقل المريحة للوصول إلى أسرهم.
والأمر نفسه ينطبق على الذين يعملون في قطاعات غير مهيكلة في المدن الصحراوية، حيث يأتون على متن شاحنات نقل البضائع والمحروقات، ويواصلون المشي على الأقدام لأيام في الصحراء، مع ما يعنيه الأمر من معاناة لا يدركها إلا من عاشها. بل هناك من يأتي بدراجته الهوائية إلى أكادير قادما إليها من العيون أو بوجدور، ليبحث بعد أيام من المسير عن أي وسيلة نقل حتى لو كانت غير قانونية، لكي توصله إلى الدوار.
هناك أيضا فئة أخرى لا تتحدث عنها البلاغات ولا رئيس الحكومة، وهم الحرفيون المغاربة في الجزائر. وهم أبناء مناطق منسية احترفوا العمل في البناء والزليج والجبس، ويتجهون من مطار محمد الخامس إلى الجزائر لكي يعملوا في البناء لسنة كاملة، ويعتبرون عيد الأضحى مقدسا.
وهؤلاء قصتهم لوحدها تصلح للأوسكار. إذ يعملون في مناطق هامشية في الجزائر، ويتعرضون أحيانا لمضايقات في مطارات الجزائر، بسبب تحويل العملة التي جمعوها بكدهم وعرق جبينهم طيلة سنة من العمل، ويدفعون ثمن تذكرة الطائرة الذي قد يساوي أحيانا نصف ما جمعوه طوال السنة، وينزلون في الدار البيضاء لكي يبحثوا عن أول وسيلة نقل لتقلهم إلى وجدة، على الحدود مع الجزائر! قمة العبث.
أحد هؤلاء سبق له أن بعث إليّ رسالة يشرح فيها معاناته، حيث إنه كان يعمل في قرية تبعد عن وهران بـ200 كيلومتر غربا. وعندما انتهى من إصلاح منزل صغير لأحد الجزائريين المقيمين في فرنسا، تعرض للنصب من طرف صاحب المنزل الذي اختفى دون أن يدفع له ما تبقى بينهما من مال، ولم يجد المسكين حتى من يستقبله في مخفر الشرطة لكي يسجل شكايته. وهكذا استقل طائرة إلى الدار البيضاء، وركب حافلة لكي تنقله إلى بوعرفة، حيث عائلته، وحمد الله أنه عاد بالسلامة.
إذ إن هؤلاء العمال المساكين، لا أحد يهتم لحالهم ولا تصدر بلاغات مطمئنة لهم بشأن الإجراءات الاحترازية، ولا يطلب منهم إجراء تحاليل كشف فيروس كورونا، وكأنهم غير موجدين أصلا.
لكل هؤلاء، لا يملك الواحد منا إلا أن يرفع القبعة عاليا. فهم معتادون على أن تنقطع بهم السبل مع الوباء وبدونه أيضا. قبح الله الفقر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى