الرئيسيةملف الأسبوع

هؤلاء أول الحاصلين على شهادة البكالوريا بالمغرب

في مثل هذا الشهر من سنة 1987 أثار الملك الحسن الثاني في خطاب إلى الشعب موضوع شهادة البكالوريا، وقال إنه يعتزم تغيير نظامها، بل إنه في لحظة غضب توعد بحذفها نهائيا من منظومة التعليم لاعتبارات عديدة سردها في الخطاب ذاته، أبرزها أن «البكالوريا اليوم ليست هي البكالوريا التي عرفناها قبل عشرين أو ثلاثين سنة بالنسبة إلى النماذج والطرق القديمة، الامتحان في هذه المحطة شيء صعب، لأن الإنسان مخلوق من دم ولحم ومن طبيعة بشرية تتأثر بالمؤثرات. هل من حقنا أن نحكم على تلميذ في يوم كذا من سنة كذا، أمام الورقة البيضاء وفي جو مرهب مشجون؟ هل من حقنا أن نقرر مصيره بما أحرزه من نقط ومعدل، في يوم واحد أو في يومين؟»، حسب ما ورد في كتاب «أقوى الأحداث التي طبعت تاريخ المغرب».

منذ سنة 1987، تم تغيير نظام امتحانات البكالوريا ست مرات، لقد كان الحسن الثاني يقول إن التعليم مثل الفلاحة تجب إعادة النظر فيه كل خمس سنوات. وقد وضع نظاما من تسع دورات للحصول على البكالوريا، كان مرهقا ومكلفا، لكن فرض مستوى جيدا.

لكن على مر التاريخ ظلت البكالوريا لحظة مفصلية في حياة الناس، كان الإعلان عن نتائجها يستنفر المدن وتتأهب لأجله السلطات، قبل أن تصبح معبرا للوجاهة وتصبح في فترة من الفترات حدثا تتأهب له الصحف لتعرض لوائح الناجحين على صفحاتها، وينتهي الأمر بإعلان النتائج على الموقع الإلكتروني لوزارة التربية والتعليم، مع الحنين إلى لحظة يتزاحم فيها الناجحون والراسبون أمام اللوائح في باب الثانويات، فالاطلاع على النتائج فرديا في حاسوب أمر غير مفرح، بخلاف مشاهدة النتائج جماعيا. وهذا دليل على الأهمية الاجتماعية لشهادة البكالوريا، بغض النظر عن قدرتها على رسم المسار المستقبلي للطالب، والخلاصة هي أن البكالوريا مفتاح لأبواب مسالك تعليمية، لكن امتلاك الشهادة ليس محددا لمستقبل الإنسان.

في هذا الملف سنتوقف عند مسار السياسيين وعلاقتهم بالبكالوريا.

امتحان البكالوريا وإضراب الدار البيضاء
في 20 يونيو الأسود من سنة 1981، تحولت الدار البيضاء إلى جزء مستقطع من عملية إبادة كبرى ذكرت ساكنة المدينة بـ«ضربة ساليغان»، مع اختلاف في أسباب النزول وجنسيات القناصة وعتادهم.

احتج سكان الدار البيضاء بالعصيان، ورفضوا تدمير قدراتهم الشرائية نزولا عند رغبة صندوق النقد الدولي، فكان جزاء الاحتجاج الرصاص الحي الذي حول الغاضبين إلى أشلاء، وصفهم وزير الداخلية الأسبق إدريس البصري بشهداء «كوميرة». كانت الحصيلة مؤلمة، حيث تجاوز عدد الضحايا 637، بالإضافة إلى حوالي 5000 جريح، و20 ألف معتقل، ألفان منهم أحيلوا على القضاء، والكثير منهم أدينوا بعقوبات وصلت إلى 20 سنة مع إجلاء خارج الدار البيضاء.

قبل أن تندمل جراح العاصمة الاقتصادية وفي عز الاستنفار الأمني وحالة الطوارئ، كان الطلبة على موعد مع الدورة الاستدراكية لشهادة البكالوريا، وجد العديد من التلاميذ صعوبة في شق طريقهم صوب مراكز الامتحان، تقول بعض الروايات التاريخية إن كثيرا من المرشحين لاجتيار الاختبار قد تخلفوا عن موعد الامتحان بسبب إصابتهم في القصف الذي تعرضت له بعض التجمعات السكنية أو بسبب الاعتقال، وسجلت المؤسسات التعليمية غياب عدد من المدرسين بسبب اعتقالهم، خاصة اليساريين منهم على اعتبار الإضراب حركته النقابة والأحزاب اليسارية.

كان يوم 22 يونيو 1981 مشهودا في تاريخ امتحانات البكالوريا، حيث سيطرت أجواء الغضب وحضرت التعزيزات الأمنية بقوة، وبدا وكأن الاختبار ممزوج برائحة البارود.

قال الحسن الثاني في ندوة صحفية ردا على سؤال حول خطورة الانتفاضة وعلاقتها بإضراب الطلبة لعام 1965: «إنني رجل مؤمن ومتفائل، إننا لم نواجه منذ 1965 مشاكل خطيرة، أي منذ ست عشرة سنة، وعلى أي فإن هذه المدة الأمر يتعلق بألفين من المتظاهرين، وهذا أمر ليس بخطير. لا ينبغي الحكم مسبقا، إن بلدنا يتمتع بنظام فصل السلطات فلا يمكن لعفو الملك أن يصدر إلا بعد أن يقول القضاء كلمته، شأن الملك شأن جميع رؤساء الدول».

وربط الملك الراحل الانتفاضة بالتعليم، وقال: «قلت إن الأمر ليس بخطير كتظاهر، ولكن الأعمال بالعكس كانت خطيرة، لأنها مست ممتلكات المواطنين وأملاك الدولة… إن هؤلاء الأطفال كانوا في عطلة مدرسية، فحرضوا على إلقاء الحجارة، والأطفال لا يرحمون كما يقول المثل. إننا لا نقوم بالجهد اللازم لدرء خطر الهجرة من البادية، وإن ما نتوفر عليه من المعاهد التقنية والمدارس المهنية ليس كافيا، فحينما يرسب طفل في امتحان الابتدائي أو الثانوي يموت مدنيا، كما لو نزعت منه جميع حقوقه المدنية».

منيب .. البكالوريا بوهران
ولدت نبيلة منيب سنة 1960 بمدينة الدار البيضاء، وسط أسرة ميسورة الحال، فقد كانت أمها من وجوه المجتمع المخملي، ووالدها اشتغل طويلا في السلك الدبلوماسي خاصة بالجزائر، وفي وهران بالتحديد نالت شهادة البكالوريا سنة 1977. «اجتزت امتحان البكالوريا في مدينة وهران بالجزائر، وبالضبط في ثانوية «الحياة»، بميزة لا بأس به، في ذلك الوقت كانت نسبة النجاح تصل إلى 20 في المائة فقط، عن تلك المؤسسة التعليمية».

حاولت سلطات الجزائر طرد عائلة منيب من وهران، لولا تدخل جهات عليا، وذلك حين قرر الرئيس الجزائري الأسبق هواري بومدين طرد ما يناهز 400 ألف مغربي كانوا بالجزائر، موازاة مع إعداد المغرب للمسيرة الخضراء، وكانت عائلة منيب مهددة بالطرد من الجزائر، إلا أن جهودا بذلت في أقل من 24 ساعة للحيلولة دون ذلك، اعتبارا لعمل والدها الدبلوماسي. فبقيت هناك إلى أن حصلت نبيلة منيب على البكالوريا، في مدينة وهران، قبل أن تعود إلى المغرب لاستكمال دراستها الجامعية ومنه إلى فرنسا.

لكن نمط العيش كان مختلفا نوعا ما إذ لم تكن أسرتها توفر الدرهم الأبيض لليوم الأسود، «ترعرعت في بيت والدتي رحمها لها، كانت ترتدي في البيت أجمل ما لديها لتجالسنا نحن الأبناء، وكانت الأكثر أناقة، وأنا مدينة لها بتلقيني تلك التفاصيل وفلسفتها في الحياة وحب العيش، وما زلت أتذكر ترديدها للمثل المغربي الذي يقول: «لهلا يخلي لبو وارث ما يورث»»، كما ورد في أحد اللقاءات الصحفية لمنيب، التي تحاول من خلالها التمرد على نظرية تجعل اليسار مرادفا للفقر.

بعد حصولها على شهادة البكالوريا شعبة العلوم التجريبية، انتقلت إلى فرنسا لاستكمال تعليمها الجامعي في شعبة البيولوجيا بجامعة مونبوليي، إلى أن حصلت على شهادة الإجازة وتقرر استكمال المسار الدراسي بنيل الدكتوراه، تخصص طب الغدد.

حين عادت إلى المغرب عينت نبيلة منيب أستاذة جامعية، واختار زوجها المسار نفسه.

محمد الخامس يكافئ بنهيمة بعد البكالوريا
عرفت عائلة بنهيمة بالعلم والمعرفة والإقبال على التحصيل، حسب إبراهيم كريدية، الباحث المهتم بتاريخ إقليم آسفي، فإن عائلة بنهيمة أنجبت عدة أعلام كالسفير الطيب بنهيمة، والقاضي محمد بن الطيب بنهيمة، والفقيه المدرس إدريس بن محمد بن الطيب بنهيمة، والمحتسب الفقيه عبد الله بن محمد بن الطيب بنهيمة، والوزير أحمد بن الطيب بن الغالي بنهيمة، وشقيقه الوزير أحمد بنهيمة.

ما أن اشتد عود محمد بنهيمة المولود عام 1924، حتى ألحقته أسرته بالمسيد، وتحديدا كتاب «السي البشير»، ثم عرج على مدرس الأعيان التي تابع فيها تعليمه الابتدائي، قبل أن ينتقل إلى مراكش لاستكمال دراسته الثانوية، حيث حصل على شهادة البكالوريا، وبعدها رحل إلى مدينة نانسي الفرنسية، حيث تابع دراسته الجامعية في مجال الطب.

أما شقيقه أحمد الطيب بنهيمة الذي ولد عام 1927، فسار على السكة نفسها، واختار المسار ذاته، حين حصل على «الباك» في ثانوية «محمد الخامس» بباب أغمات، وانتقل إلى مدينة نانسي للدراسة الجامعية، مع تعديل بسيط يتعلق بتخصص هذا الأخير في مجال القانون، حين انضم إلى معهد العلوم السياسية.

ويرجع الفضل في هذه النقلة النوعية للملك الراحل محمد الخامس، الذي اختار الشاب العبدي محمد بنهيمة، وقرر دعمه ماليا بمنحة لاستكمال دراسته في الطب بجامعة نانسي، وأصدر قراره بتحمل القصر نفقات الرحلة الدراسية التي ضمت متفوقين آخرين في مجالات متعددة. كان الهدف من المبادرة التي شملت عددا كبيرا من الطلبة المنحدرين من عائلات ميسورة، هو تكوين طاقات مغربية لتعويض الكفاءات الفرنسية والإسبانية التي كانت تستعد لمغادرة المغرب بعد الحصول على الاستقلال، علما أن حزب الاستقلال هو الذي تبنى هذه المبادرة وركب صهوتها.

لكن الغالي بنهيمة أصغر أخويه سنا، ولد أيضا بآسفي وبها تابع دراسته الابتدائية، ونال البكالوريا بها. بعد ذلك سيرحل إلى فرنسا، حيث سيحصل على شهادة عليا في مجال العلوم السياسية، «تلقى عن والده السي الطيبي السلوكات الحسنة والأخلاق الفاضلة، كل هذه الصفات أهلته ليصبح من رجالات الدولة الكبار، حيث شغل عدة مناصب دبلوماسية سامية كسفير مفوض، ثم ما فتئ أن عين سفيرا في عدد من الدول، لينتهي به المطاف كممثل للمغرب في هيئة الأمم المتحدة»، حسب الباحث منير الفيلالي البصكري.

الوزير السملالي يحصل على شهادة البكالوريا في ليبيا
في حوار له مع «الأخبار» تحدث أبو بكر اجضاهيم، المقاوم والرئيس الأسبق لفريق الوداد الرياضي والمسؤول الأمني سابقا، عن رحلته الدراسية إلى مصر فيقول:

«سافرت إلى مصر لاستكمال دراستي بدعم من الحركة الوطنية، وفي القاهرة التقيت بعبد اللطيف السملالي الذي كان يدرس بدوره في العاصمة المصرية، وكان الأستاذ غلام، المسؤول الرجاوي السابق، رفيقنا هناك. كنت ميسور الحال في مصر، لأنني كنت أتوفر على منحتين، الأولى من المقاومة والثانية منحة من الحكومة المغربية، فضلا عما يبعثه إلي أفراد عائلتي من المغرب، خلافا لكثير من الطلبة المغاربة الذين كانوا يتابعون دراستهم في مصر. لكن السملالي سافر إلى ليبيا، حيث نال شهادة الباكلوريا، ثم عاد إلى القاهرة لاستكمال مساره الدراسي الجامعي سنة 1956».

كان السملالي وعدد من الوجوه السياسية المغربية تتابع دراستها في مصر، حين كانت مصر ملاذا للراكضين صوب العلم والمعرفة، وفي القاهرة جمع ابن أزمور بين التعليم والقراءة، حتى لفت أنظار مدرسيه كما يقول الكاتب رمزي صوفيا. «كشف لي عبد اللطيف عن هوسه بالكتابة، وقال لي لقد عشت حلما كبيرا بأن أكون في يوم من الأيام أديبا وكاتبا، حيث كنت خلال طفولتي وشبابي أكتب القصص القصيرة، وكان أساتذتي يذهلون عندما يقرؤونها».

من جهته، يروي اجضاهيم واقعة طريفة حصلت له مع عبد اللطيف السملالي، عندما كان هذا الأخير مرشحا لتقلد منصب وزاري: «اتصل بي مولاي حفيظ بن هاشم، وكان مكلفا بقسم الولاة في وزارة الداخلية، وطلب مني معلومات مفصلة عن عبد اللطيف السملالي في ما يعرف «بطاقة المعلومات»، في الوقت نفسه اتصل بي الحسين جميل من المخابرات المغربية وطلب مني الخدمة ذاتها، كنت حينها رئيسا للأمن في إقليم آسفي. وخلال إعداد السيرة الذاتية لعبد اللطيف، أشرت إلى كونه حصل على شهادة البكالوريا في ليبيا، وأثناء استقبال الحسن الثاني لأعضاء الحكومة قال للسملالي: «واش باقي عندك مع الليبيين؟»، وكانت العلاقات المغربية الليبية في تلك الفترة تمر بمطبات صعبة، ولقد فوجئ السملالي بسؤال الملك، قبل أن يعرف بعد فترة أنني وراء الملاحظة الملكية».

محمد الفاسي… البكالوريا والزواج
ولد محمد الفاسي في مدينة فاس سنة 1908، نشأ يتيما في حضن عمه المرحوم المهدي الفاسي، والد المرحومة مليكة الفاسي التي تزوج بها سنة 1935، التحق «سيدي محمد» كما كان يطلق عليه بالكتاب القرآني مثل أقرانه، ثم انتقل إلى مدرسة أبناء الأعيان الابتدائية، وبعد ذلك المدرسة الإدريسية الثانوية، وأكمل دراسته العليا بباريس، حيث حصل فيها أولا على البكالوريا الفرنسية، وهو أول طالب مغربي نال شهادة البكالوريا من فرنسا.

بمجرد حصوله على شهادة البكالوريا قرر «محتضنه» المهدي، مدير جامعة القرويين، إدخاله إلى قفص الزوجية، والذي لم يخرج عن التقاليد الفاسية في الزواج، حيث ارتبط وهو في سن مبكرة من شبابه بابنة عمه مليكة، التي تعد من الموقعين على وثيقة الاستقلال. أقيم حفل الحصول على شهادة البكالوريا في غمرة حفل الخطوبة، ودخل الطالب قفص الزوجية مبكرا مع زوجة لها تعاطف مع الحركة الوطنية وهي في مهدها.

لم يمنع الزواج محمد الفاسي من مواصلة هواية الرسم ودراسة الآداب، حيث حصل على شهادة الإجازة في الآداب سنة 1932 وعلى دبلوم مدرسة اللغات الشرقية، وفي سنة 1934 حصل على دبلوم الدراسات العليا، ثم الدكتوراه من جامعة السوربون، أثناء وجوده بفرنسا أيام الدراسة من سنة 1927 إلى سنة 1934. ساهم في تحرير مجلة «المغرب» الفرنسية، التي كان يشرف عليها المرحوم أحمد بلافريج والمحامي الفرنسي «بيرجانلوكي»، والتي كانت اللسان المعبر عن صوت الحركة الوطنية.

سياسيون مغاربة والبكالوريا الفرنسية
لا يختلف مسار محمد الزغاري عن سابقه محمد الفاسي أو عن رفيق دربه أحمد بلافريج، رغم وجود فارق السن بينهم. ولد الزغاري سنة 1902 بالرباط، وسط أسرة ميسورة. وبعد حصوله على الشهادة الابتدائية، التحق بثانوية «مولاي إدريس» هناك ظهرت عليه أعراض الزعامة، حيث انتخب رئيسا لأول جمعية أنشئت بالمغرب لقدماء تلاميذ ثانوية «مولاي إدريس».

انتقل محمد إلى باريس لاجتياز امتحان البكالوريا إلى جانب بعثة طلابية مكونة من فرنسيين ومغاربة وجزائريين، هناك نافسوا بقوة من أجل الحصول على الشهادة، على الرغم من صعوبة تأقلمهم مع أجواء الغربة.

عاد الزغاري إلى المغرب وهو يتأبط شهادة البكالوريا، واقترحت عليه الإدارة الاستعمارية منصبا هاما في الإقامة العامة، لكنه ظل يرفض المناصب الحكومية، مصرا على العودة إلى فرنسا لاستكمال دراسته الجامعية، هناك تشبع بروح العمل النضالي إلى جانب قيادة الاتحاد الوطني لطلبة المغرب.

ولأنه كان من أوائل المغاربة الحاصلين على شهادات جامعية، فقد تقلد الزغاري عدة مناصب حكومية هامة بعد الاستقلال، حيث عين نائبا لرئيس الحكومة سنة 1955، ثم وزيرا للدفاع ووزيرا مكلفا بالتنمية. وفي سنة 1957 عين سفيرا للمغرب في باريس، ومديرا للمكتب الشريف للفوسفاط ثم محافظا لبنك المغرب، وهو المنصب الذي ظل فيه إلى أن التحق بالرفيق الأعلى في سنة 1969، بعدما كرس حياته لخدمة بلاده.

المسار نفسه تقريبا قطعه عبد المالك فرج، السياسي المغربي الذي شغل منصب وزير الصحة العمومية بالمغرب في حكومة البكاي بن مبارك الأولى وحكومة أحمد بلافريج، وهو من أوائل الحاصلين على البكالوريا.

أما أحمد بلافريج، ابن مدينة الرباط، فقد تابع دراسته في الثانوية الإسلامية التي سميت في ما بعد بثانوية «مولاي يوسف»، بدعم من والده الذي توفي قبل أن ينال ابنه شهادة البكالوريا، التي رحل من أجلها إلى فرنسا، لأن النظام التعليمي الفرنسي السابق لم يتح فرصة الحصول على «الباك» في المغرب. لذا نال الشهادة في ثانوية «هنري الرابع» بباريس، وهي الثانوية التي درس فيها صديقه محمد الزغاري أيضا وعدد من وجوه الحركة الوطنية الأوائل، خاصة الذين كانوا يعيشون في كنف أسر ميسورة.

مباشرة بعد حصوله على شهادة البكالوريا قرر أحمد الانتقال إلى الجامعة المصرية، حيث سجل في جامعة الملك فؤاد الأول بالقاهرة، ابتداء من سنة 1927، إلا أن حنينه إلى عاصمة الأنوار حتم عليه العودة إلى فرنسا وإعادة التسجيل في جامعة السوربون شعبة العلوم السياسية، وأصبح من الرعيل الأول للحاصلين على الشهادات العليا.

أحمد بن الحسن الوزاني.. أول بكالوريا وأول إجازة
لم تكن سلطات الحماية الفرنسية تظن أن الترخيص لمحمد بن الحسن الوزاني بالسفر إلى فرنسا لاستكمال دراسته سيكون وبالا عليها، فالفتى المولود سنة 1910 بفاس، سيحول العاصمة الفرنسية إلى تجمع للمغاربة والأجانب المتعاطفين مع شعب يناشد التحرر.

كان عمره يصل بالكاد إلى 20 سنة حين حط الرجال بباريس، وهو القادم من جامعة القرويين خلافا لزملائه المغاربة الذين تشبعوا بالتعليم الفرنسي، لكنه لم يجد صعوبة في التأقلم مع التعليم العصري وتمكن من الحصول على شهادة البكالوريا بتقدير جيد، لينضم إلى المدرسة الحرة للعلوم السياسية، ويصبح أول مغربي يحصل على الإجازة في هذه العلوم، كما درس الصحافة والتاريخ، فكرس وقته لتحصيل العلم والنهل من معارف بلد الأنوار، وبرهن على نبوغ مبكر في عالم الفكر والسياسة توجه برسالة دكتوراه أعدها في سويسرا.

يقول رفاق دربه في فرنسا إن محمد بن الحسن الوزاني كان متمسكا بأصالته، فقد عشق الجلباب المغربي وتشبع بتقاليد المغرب في طريقة عيشه، وكأن خيوطا تربطه ببلده الأم. حتى أن عودته إلى المغرب بعد انتهاء دراسته الجامعية، أقلقت المقيم العام الفرنسي الذي وصله تقرير مفصل عن تحركات هذا الطالب، الذي جمع بين العلوم الشرعية والسياسية، وقدرة فائقة على فن الخطابة وحشد الهمم، بل إنه منع من زيارة بلده بقرار من الحماية الفرنسية، فاستقر في العاصمة الإسبانية مدريد وواصل عمله الصحفي عن بعد، وحين حل بالمغرب اعتقل ونفي إلى جنوب المغرب، حيث قضى في منفاه تسع سنوات.

الأب جيكو…أول مدرب مغربي يحصل على البكالوريا وعلى دبلوم تدريب
ولد محمد بن الحسن التونسي العفاني المعروف بلقب «الأب جيكو»، الذي أطلق عليه من طرف الصحافة الفرنسية تشبيها بأحد اللاعبين الفرنسيين اسمه «جيكو»، سنة 1900 في بلدة إيسافن المتاخمة لتارودانت جنوب المغرب. جمع الرجل بين الرياضة والصحافة والعمل البنكي، قبل أن يقرر الارتماء في حضن صاحبة الجلالة.

يعتبر من أول المدربين المغاربة الحاصلين على دبلوم تكوين المدربين، وذلك بإنجلترا خارج الإطار الفرنكوفوني المؤثر آنذاك في المغرب، إضافة إلى ثقافته الواسعة في الميدان الصحفي والاقتصادي، حيث حصل على شهادة البكالوريا في باريس سنة 1923.

بدأ مساره الدراسي حين انتقل رفقة والده من إيسافن إلى الدار البيضاء، واستقر بحي الدالية بالمدينة القديمة، هناك زوجه والده مبكرا بيافعة في عنفوانها تدعى زهراء.

كان محمد طالبا ولاعبا لكرة القدم، لكنه كان الابن الوحيد للتونسي. اختزل الفتى اهتماماته في الكرة والدراسة، فظهرت مواهبه في الملعب وعلى طاولة الدرس، فيما كان والده يحاول توريثه التجارة وإدارة الأعمال، سيما بعد أن أصيب بمرض رئوي حتم عليه مغادرة الدار البيضاء.

حصل الفتى على شهادة البكالوريا وحين عاد إلى المغرب عين مسؤولا بنكيا وصحفيا ومسيرا ومدربا، خاصة وأنه كان من مؤسسي الوداد الرياضي ومن أوائل مدربي الرجاء الرياضي، بعد أن حقق هذا الأخير الصعود إلى القسم الأول.

كان «جيكو» يشتغل كمدرب بشكل تطوعي حبا في الكرة، لكنه كان يوصي لاعبيه بالتعلم والتحصيل، وحسب سعيد غاندي، لاعب فريق الرجاء الرياضي السابق، فإن «الأب جيكو كان يخصص ساعة بعد الحصة التدريبية لكل يوم أربعاء للمراجعة، وكنا نأتي إلى الملعب مرفقين بأدواتنا المدرسية».

إلى جانب بلحسن كانت ثلة من المسيرين الوداديين المثقفين، على رأسهم مؤسس الوداد محمد بن جلون التويمي، بل إن رفاقه الذين اتفقوا على تأسيس الوداد الرياضي كان القاسم المشترك بينهم هو الكرة والعلم، فشقيقه عز الدين بن جلون من أوائل الحاصلين على شهادة البكالوريا، الشيء نفسه ينطبق على المحامي أحمد رزوق.

الأميرة لالة عائشة.. أول مغربية تنال البكالوريا
ظلت المعرفة حكرا على ثلة من النساء الفرنسيات، قبل أن تكسر الأميرة لالة عائشة طوق الحصار المضروب على المرأة المغربية، وتمكنت من بلوغ الريادة في كثير من المجالات، حيث أصبحت أول سفيرة في العالم العربي وكانت من أوائل الحاصلات على شهادة البكالوريا في زمن احتكارها من طرف الرجل.

ولدت الأميرة لالة عائشة بالرباط في 17 يونيو 1930، تابعت دراستها الابتدائية في العاصمة، قبل أن تلتحق بالديار الفرنسية لاستكمال تعليمها. كانت الأميرة تتمتع بذكاء ملحوظ، شهد لها بذلك أساتذتها وكذا التلميذات اللواتي تابعن معها الدراسة؛ حيث تابعت دراستها إلى أن حصلت على البكالوريا، وأسند إليها الملك محمد الخامس في شبابها مهمة تمثيل المرأة المغربية.

يعرف كثير من المتتبعين لتاريخ المغرب مضامين الخطاب الملكي الذي ألقاه الملك محمد الخامس في مدينة طنجة سنة 1947، لكن الكثير لا علم لهم بالخطاب الذي أعقبه، حيث ألقت الأميرة لالة عائشة في تلك المناسبة خطابا مهما، بعد خطاب والدها التاريخي.

من الصدف الغريبة في حياة الأميرة، أنها حصلت على شهادة البكالوريا، قبيل النفي الرهيب إلى كورسيكا ومنها إلى مدغشقر، فبعد الترحيل انقطعت الأميرة عن الدراسة ولم تتابع تعليمها الجامعي، وبعد عودة الأسرة الملكية من المنفى شاركت في الحياة السياسية، وذلك في السنوات الأولى من الاستقلال، ودعت من خلال مجموعة من المناصب التي تقلدتها إلى تشجيع تمدرس المرأة المغربية، وقادت حملات في هذا الاتجاه وهي حينها رئيسة لمؤسسة «التعاون الوطني»، وأول سفيرة في العالم العربي.

رئيس تونسي يجتاز امتحان البكالوريا بطنجة
عاش محمد البدوي المرزوقي، والد الرئيس التونسي الأسبق محمد منصف المرزوقي، في المغرب مدة تزيد على ثلاثة عقود، وظل ينتقل بين المغرب وتونس بعد زواجه من مغربية رزق منها بسبعة أبناء، هم إخوة غير أشقاء للمنصف المرزوقي. في سنة 1961 غادر منصف تونس للالتحاق بوالده، الذي كان يشتغل مترجما في طنجة، وفي هذه المدينة درس الفتى وحصل على شهادة البكالوريا، ومنها سافر إلى فرنسا ليدرس في جامعة ستراسبورغ في كلية العلوم الإنسانية بالتحديد.

حين احتفلت ثانوية «رينيو» بمدينة طنجة بالذكرى المائوية لتشييد هذه المؤسسة، التي ترتبط بالبعثة التربوية الفرنسية في المغرب، ظل مدير الثانوية يسرد خلال فقرات الحفل أسماء الشخصيات التي حكمت فرنسا والمغرب ودول أخرى، والتي جلست في شبابها على مقاعد هذه المؤسسة، وركضت في ساحتها الصامدة منذ أن كانت طنجة تخضع للحماية الدولية وبعد الاستقلال.

تحولت الثانوية إلى مزار لكثير من السياسيين، الذين يجدون متعة في استحضار ذكرياتهم وهم يجوبون أقسام دراسية تحفظ ذكرياتهم، من بينهم فانسان بيون، وزير التعليم الفرنسي السابق، كما أصر منصف المرزوقي، الرئيس التونسي الأسبق، على زيارة مدينة طنجة عشرات المرات، دون أن يلفت نظر أحد، لكن حين أصبح المرزوقي رئيسا للجمهورية التونسية نالت الزيارة حيزا كبيرا من اهتمام وسائل الإعلام، رغم أن منصف ركز في زيارته إلى طنجة على الأمكنة التي تعايش معها خلال الفترة التي قضاها في عاصمة البوغاز خلال الستينات من القرن الماضي، عندما كان يتابع دراسته بثانوية «رينيو».

حسب شهادة منصف المرزوقي، الذي يتحدث في مذكراته عن علاقته الوجدانية بمدينة طنجة: «عشت مع أسرتي المهاجرة في مدينة طنجة في جو جديد من اليسر المادي والأمان النفسي، وطيلة هذه السنوات تعلمت حب المغرب والمغاربة. فقد استضاف البلد أبي المضطهد، وفتح لعائلتي المشردة أبوابه الواسعة، فغرفنا من كرمه ومن حسن وفادته».

ليوطي يستعين بأستاذين من بوردو لتنظيم أولى امتحانات البكالوريا
بادرت الإقامة العامة الفرنسية إلى إنشاء مؤسسات تعليمية فرنسية المناهج، لكنها لم تمنع المغاربة من منافسة الفرنسيين على كراسي التمدرس، وقال محمد عابد الجابري، في كتابه «أضواء على مشكل التعليم بالمغرب» إن «المقيم العام الفرنسي هوبير ليوطي وراء فكرة تأسيس «كوليج مولاي يوسف» بالرباط، وفق ظهير فبراير 1916، و«كوليج مولاي إدريس» بفاس سنة 1925، وغيرهما من المؤسسات التي تعد جسورا نحو الدراسات العليا والوظائف السامية، لكن بموازاة مع ذلك قام بعض الوطنيين بتأسيس التعليم الحر، وهو تجربة مستلهمة من النموذج المصري والسوري».

تتضح كارثية التعليم في المدن في هذه الفترة، خصوصا بالنظر إلى النتائج:

ما بين 1926 و1936 كان عدد الحاصلين على البكالوريا 30 تلميذا، بمعدل 3 تلاميذ في السنة، وكانت حصيلة التعليم الفرنسي في المغرب منذ قيامه إلى سنة 1944 كما يلي: 3 أطباء، 6 محامين، 6 مهندسين، فلاحان. وفي الفترة ما بين 1945 إلى 1955، ارتفع عدد الحاصلين على شهادة البكالوريا إلى 175 تلميذا.

في كتابه: «النخبة المغربية والتعليم الأوروبي زمن الحماية» للباحث محمد اليزيدي، إشارات إلى إقبال النخب المغربية على تلقين أبنائها تعليما أوروبيا بالمغرب، «من خلال سعيها الحثيث لتمدرس أبنائها رفقة أبناء الأوروبيين، ولعل الرغبة في التميز والاختلاف والطموح إلى الحصول على البكالوريا لمتابعة الدراسة، شكلت أسبابا حقيقية لإقبال المغاربة المسلمين على هذا «النوع» التعليمي. وأولى ليوطي اهتماما بالغا بتعليم أبناء الأوروبيين، حيث عمل على استقدام أستاذين من جامعة بوردو لتنظيم أولى امتحانات البكالوريا بالمغرب سنة 1915. وبلغ عدد المرشحين لنيل هذه الشهادة 13 مرشحا».

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى