الرئيسيةالملف التاريخيتاريخ

هذه قصة محاولة تفجير تمثال ليوطي بقنبلة في المغرب

لماذا رفض الملك الحسن الثاني إقامة مجسم له وعارض التماثيل؟

يونس جنوحي
«أنشئ تمثال للمقيم العام ليوطي مباشرة بعد مغادرته الحياة السياسية والعسكرية، وتقرر أن يوضع في الدار البيضاء، رمز الوجود الفرنسي في المغرب اقتصاديا وعلى مستوى البنايات أيضا.
شعر ليوطي سنة 1925، وهو يعيش السنوات العشر الأخيرة من حياته، إذ أنه توفي في يوليوز 1934، أنه مغربي بطريقة أو بأخرى، أو هكذا كان يخبر أصدقاءه خصوصا عند زياراته إلى مدينة طنجة التي كانت وقتها منطقة دولية يختلط فيها الدبلوماسيون من كل حدب وصوب.
التمثال الذي أقيم لليوطي، كان مقررا أن يوضع في قلب إدارة الإقامة العامة الفرنسية في الرباط، اعترافا من فرنسا له بالجميل الكبير الذي أسداه إلى إدارته. فقد كانوا يرون فيه بطلا قوميا لا بد أن يكرم، بينما الأصوات التحررية القادمة من الشرق، والتي كانت على صداقة مع الحركة الوطنية التي لم تولد إلا بعد وفاة ليوطي، فقد كانت ترى فيه مجرم حرب، رغم أنه أوصى بأن يُدفن في المغرب وليس في فرنسا.
جاء في جزء من مذكراته، والذي عنونه بـ«مسيرة التحرير»، متحدثا عن أحداث ما بين سنوات 1950 و 1952، ما يلي: «قررنا مواجهة المستعمر بلغة الحديد والنار. وخططنا للقيام بعمليات نسف وتخريب للأهداف الاستعمارية بالدار البيضاء كما يلي: نسف تمثال المارشال ليوطي الذي كان منتصبا في ساحة الأمم المتحدة سابقا، ساحة محمد الخامس حاليا.
ثم نسف تمثال الصداقة المغربية الفرنسية لتأكيد المواجهة الصريحة ضد فرنسا في ليلة 30 مارس 1952، ذكرى تاريخ عقد الحماية الفرنسية بالمغرب.
هي فترة طويلة مرت على محاولة تدمير تمثال الماريشال عندما كان في الشارع العام، وهذه التي يحاول جيل اليوم إنجاحها عن طريق المطالبة بالعرائض، لكي يُمحى التمثال من الوجود رغم أنه أدخل القنصلية الفرنسية في الدار البيضاء لكي يبقى بعيدا عن الأنظار..»

بعد ثمانية عقود على رحيله.. ليوطي يُغضب المغاربة
عندما تم توقيع كتاب عن الماريشال ليوطي في المكتبة الوطنية سنة 2014، بالرباط، كان الحضور قلة جدا، وكان اللقاء كله وكأنه لا يليق بوزن شخصية قيل كثيرا إنها أثرت في تاريخ المغرب المعاصر الذي نعيشه اليوم.
كان جل الحضور من الفرنسيين المقيمين في المغرب، ولم يحضر أكاديميون ولا متابعون مغاربة. حضور قليل انتشر بأريحية في الكراسي التي بدا أنها فائضة جدا عن الحاجة.
اليوم، ارتفعت أصوات تطالب بإزالة تمثال ليوطي رغم أنه منذ سنوات يقبع في مقر القنصلية الفرنسية في الدار البيضاء، بعد أن تم إدخاله إليها ليترك وسط الدار البيضاء خاليا تماما.
لماذا لا يهتم المغرب كثيرا بمسألة التماثيل؟ نقطة سوف نعود إليها، لكن ما يهمنا الآن هو لماذا في هذا التوقيت بالذات ارتفعت أصوات المطالبة بإزالة تمثال ليوطي بل وتدميره؟
هناك ربط قائم بين ما يقع في العالم، بعد تدمير تماثيل عدد من الشخصيات التاريخية، أبرزها «كولومبوس» مكتشف العالم الجديد كما يحلو للاستعماريين وصفه. إذ أن الأحداث التي يشهدها الشارع الأمريكي مؤخرا بعد مقتل المواطن الأمريكي «فلويد» وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة تحت قدمي شرطي أمريكي، وصلت إلى العالم بأسره. ولا يمكن الآن أن نفصل حدث مطالبة نشطاء مغاربة بإزالة تمثال ليوطي وتدميره عن هذا السياق.
هناك أرشيف مغربي كامل يشهد على وجود ليوطي في المغرب بل وصداقته مع شخصيات مغربية مؤثرة. المقيمون العامون الذين جاؤوا بعده إلى المغرب، بكل سياساتهم التي تأرجحت بين الشد والجذب، جعلوا ليوطي يظهر كملاك فرنسي ظل حريصا على الصداقة مع المغاربة، في حين أن الذين خلفوه في المنصب أصبحوا في نظر المغاربة واليسار الفرنسي، مجرمي حرب تجب معاقبتهم بسبب الجرائم الكثيرة التي نفذوها في المغرب، خصوصا أثناء سنة 1933 التي عرفت أشهر عملية إبادة جماعية في حق القرى المغربية التي رفضت وقاومت في الأطلس منذ 1914 لكي لا تصبح تابعة للإدارة الفرنسية.
هؤلاء المقيمون العامون خصوصا المقيم العام لمرحلة الأربعينيات والخمسينيات، «بونيفاس»، وآخرون غيره بطبيعة الحال، شنوا أكبر الحملات على المقاومة المغربية وكانوا وراء هندسة الخطط الأمنية التي قضت بإعدام وطنيين مغاربة وإخضاع المدن المغربية وإنشاء السجون التي ازدحمت بالوطنيين.
إلا أن شعبية ليوطي تراجعت ليصبح شأنه شأن أي مقيم عام آخر، خصوصا بعد سنة 1956، إذ طالب الوطنيون والاستقلاليون منذ تلك الفترة بتطهير دواليب الدولة المغربية من التبعية لفرنسا.
وعندما تأسست المندوبية السامية للمقاومة، والتحق جل أعضاء جيش التحرير بالجيش الملكي النظامي، حتى تجددت الدعوات إلى ضرورة إزالة تمثال المقيم العام ليوطي وعدم اعتباره رمزا لتأسيس المغرب الحديث، كما كانت تروج الآلة الإعلامية الفرنسية في المغرب. فقد وصلت شهرة ليوطي في المغرب حد اعتباره أسطورة استطاعت تأسيس دولة في المغرب وهو ما كان يعتبر إهانة كبيرة لرصيد تاريخي كبير للدولة المغربية.
يريد الموقعون على العريضة الشهيرة إذن تدمير تمثال ليوطي، بعد أن اختفت الأصوات الداعية إلى هذا الموضوع منذ نصف قرن، وكأن إدخال التمثال إلى القنصلية الفرنسية في الدار البيضاء، وترحيل جثمانه من المغرب سنة 1961، بعد أن أوصى شخصيا بدفنه في أرض المغرب سنة 1934، لم يكن كافيا.

لماذا عارض الملك الحسن الثاني إقامة التماثيل في المغرب ورفضها أكثر من مرة؟
«نحن لدينا المذهب المالكي». جملة لطالما كررها الملك الحسن الثاني سواء في خطبه الملكية التي كان يرتجل أحيانا جل مضامينها حسب المناسبات، وأيضا خلال افتتاحه شخصيا للدروس الحسنية. ومعروف أن المذهب المالكي في الفقه، كان دائما ضد تجسيد الشخصيات وإقامة التماثيل. وربما يكون هذا السبب الأبرز الذي جعل الملك الراحل، الذي كان محيطا بعدد من الأمور الجوهرية وحتى الخلافية في المذاهب السنية، لا يفكر إطلاقا في إقامة التماثيل.
حتى أنه في كتابه «التحدي» الذي كان عبارة عن خلاصات حوار مطول أجري معه، لمّح أكثر من مرة إلى أنه ملك محافظ لا يرى نفسه خارج المذهب المالكي المتبع في المغرب، وخارج الإرث الحضاري الذي توارثته الدول المتعاقبة على الحكم في المغرب.
ننفرد هنا في «الأخبار» بنشر قصة يعرفها قلة من المحيطين بالملك الراحل الحسن الثاني خصوصا في سنوات الستينيات. إذ أن مستشاره رضا اكديرة الذي كان وزيرا للداخلية سنة 1962، اقترح عليه إقامة تمثال له في الرباط، لكن الملك الراحل رفض الفكرة.
ومرة أخرى سنة 1975، عاد اكديرة، حسب المصدر الذي ذكر لنا الواقعة، ليطلب من الملك الراحل الحسن الثاني السماح له بإعطاء تعليمات للسلطة لكي تقام تماثيل للملك الحسن الثاني في مدن مغربية احتفالا بنجاح المسيرة الخضراء. إلا أن الملك الراحل رفض مرة أخرى.
يتضح أن الملك الحسن الثاني كان معارضا كبيرا لمظاهر البهرجة، وقد تحدث عن الأخطاء التي وقع فيها صديقه شاه إيران الذي كان مزهوا جدا بنفسه، وقال الملك الحسن الثاني بشكل مباشر إن قيام الشاه بعدد من الممارسات التي تعارض تعاليم الدين الإسلامي وجهره بها أمام المحافظين في بلاده، هي واحدة من الأسباب الكبرى التي عجلت بانتهاء حكمه. وهذا الكلام عبر عنه الملك الراحل الحسن الثاني في كتابه «التحدي» وفي حوارات صحافية بثها التلفزيون الفرنسي في نهاية السبعينيات وبداية ثمانينيات القرن الماضي.
وهي كلها تزكي الرواية التي وصلنا إليها بخصوص رفض الملك الراحل الحسن الثاني إقامة تماثيل له أو لوالده الراحل محمد الخامس.
قرار إدخال تمثال ليوطي إلى مقر القنصلية الفرنسية في المغرب ونقل جثمان الماريشال إلى فرنسا، كلها قرارات قد وقعت في عهد الملك الراحل الحسن الثاني وفي فترة مبكرة جدا من وصوله إلى الحكم، وهو ما يكشف معارضته المبكرة لإقامة التماثيل والأضرحة الفاخرة للشخصيات التاريخية.

هذه قصة تمثال المقيم العام
عندما قررت فرنسا إقامة تمثال للماريشال العسكري «هوبير ليوطي»، أول مقيم عام فرنسي في المغرب سنة 1912، في مدينة الدار البيضاء، فإنها كانت بصدد رد الجميل لأكثر شخصية فرنسية أثرت في تاريخ المغرب الحديث. كان يحتفل به الفرنسيون لأنه أقنع المغرب بالتوقيع على معاهدة الحماية. واستطاع أيضا إقناع المولى عبد الحفيظ على الاستقالة في نفس السنة بل ومغادرة المغرب ليحل محله أخوه المولى يوسف، والد الملك الراحل محمد الخامس.
عندما وصل الجيش الفرنسي إلى منطقة الأطلس سنة 1914، كان ليوطي يستعد للذهاب إلى باريس، لكي يتلقى دعما جديدا من الحكومة الفرنسية لبلاده. كانت الصحافة الفرنسية ترى فيه رجلا خارقا استطاع فرض وجود فرنسا في المملكة المغربية بل وإقناع الحكومة برفع ميزانية الجيش للإنفاق على عملية اجتياح الأطلس. فقد كان الرأي العام الفرنسي مقتنعا بما تروجه الآلة الإعلامية الفرنسية. هذه الأخيرة كانت تقدم سكان منطقة الأطلس، والجنوب المغربي عموما، على أنهم وحوش يسكنون كهوفا في منطقة ترغب فرنسا في السيطرة عليها وإخضاعها للقانون.
بفضل هذه السياسة، كان ليوطي أكثر شعبية في أوساط الجالية الفرنسية في المغرب. إذ كانت القوانين التي سنها وهو على رأس الإقامة العامة، بالإضافة إلى رعايته للأعمال العسكرية في المغرب، قد عززت بقاءه في المنصب أطول فترة في تاريخ الحماية الفرنسية. إذ كان المقيم العام الوحيد الذي استطاع البقاء في منصب المقيم العام، لاثني عشرة سنة كاملة. إذ بعد تعيينه مقيما عاما سنة 1912، استطاع البقاء في المنصب إلى أن أصيب بالتعب من مهامه، واطمأن إلى أنه أرسى أسس الإدارة الفرنسية وعصبها بل وتأسيس الإدارات الأمنية التي حولت المغرب إلى ما يشبه مقاطعة إدارية تابعة للبلد الأم فرنسا. وغادر منصبه سنة 1925، لكنه بقي متعلقا بالمغرب، خصوصا وأنه ربط صداقات كثيرة مع الأعيان المغاربة على عهد المولى يوسف، وكان لديه أصدقاء آخرون أيضا من عالم الصحافة الفرنسية التي تأسست في الدار البيضاء والرباط.
أنشئ تمثال للمقيم العام ليوطي مباشرة بعد مغادرته الحياة السياسية والعسكرية، وتقرر أن يوضع في الدار البيضاء، رمز الوجود الفرنسي في المغرب اقتصاديا وعلى مستوى البنايات أيضا.
شعر ليوطي سنة 1925، وهو يعيش السنوات العشر الأخيرة من حياته، إذ أنه توفي في يوليوز 1934، أنه مغربي بطريقة أو بأخرى، أو هكذا كان يخبر أصدقاءه خصوصا عند زياراته إلى مدينة طنجة التي كانت وقتها منطقة دولية يختلط فيها الدبلوماسيون من كل حدب وصوب.
التمثال الذي أقيم لليوطي، كان مقررا أن يوضع في قلب إدارة الإقامة العامة الفرنسية في الرباط، اعترافا من فرنسا له بالجميل الكبير الذي أسداه إلى إدارته. فقد كانوا يرون فيه بطلا قوميا لا بد أن يكرم، بينما الأصوات التحررية القادمة من الشرق، والتي كانت على صداقة مع الحركة الوطنية التي لم تولد إلا بعد وفاة ليوطي، فقد كانت ترى فيه مجرم حرب، رغم أنه أوصى بأن يُدفن في المغرب وليس في فرنسا.
وقد تم فعلا دفن ليوطي في المغرب سنة 1934، وهي السنة التي توفيت فيها زوجته أيضا، بل لم يكن يفصل بين وفاتهما إلا أسبوع فقط. لكن في سنة 1961، أي خلال السنة الأولى لعهد الملك الراحل الحسن الثاني، وافق المغرب رسميا على طلب فرنسا وعائلة ليوطي بنقل جثمانه إلى كتدرائية فرنسية عوض أن يبقى مدفونا في المغرب.
ومن وقتها، والتمثال الذي بنته فرنسا تكريما له، أصبح أيضا في خبر كان، وفضلت فرنسا أن تُدخله من الفضاء العام، إلى مقر القنصلية الفرنسية في الدار البيضاء.

رواية نادرة لـ«برادة» أحد الذين حاولوا تفجير تمثال الماريشال!
مات ليوطي إذن، وبقي التمثال الذي أقيم له، شاهدا على بصمة الرجل الأكثر تعلقا بالمغرب. وكانت الحركة الوطنية ممثلة في صحافة «العلم» خلال الخمسينيات، تطالب بإزالة رموز الوجود الفرنسي في المغرب وتنقية دواليب الإدارة والاقتصاد منه. تمثال ليوطي وقتها كان قائما.. ولا يزال موجودا في المغرب.
نذهب الآن إلى ما دونه الحاج الحسين برادة، آخر شهود مرحلة تأسيس النواة الأولى للمقاومة وأحد الذين هندسوا لاندماج جيش التحرير. توفي في الأسبوع الأخير من مارس الماضي، على بعد مدة قصيرة فقط من هذه الدعوة إلى إزالة تمثال ليوطي من القنصلية الفرنسية ومن التراب المغربي، حسب الدعوة التي عممت مؤخرا. لا بد وأنه كان سيحس بفرح كبير. فالأمر بالنسبة لأمثاله، انتصار في معركة قديمة لم يعد يتذكرها أحد.
جاء في جزء من مذكراته، والذي عنونه بـ«مسيرة التحرير»، متحدثا عن أحداث ما بين سنوات 1950 و 1952، ما يلي: «قررنا مواجهة المستعمر بلغة الحديد والنار. وخططنا للقيام بعمليات نسف وتخريب للأهداف الاستعمارية بالدار البيضاء كما يلي:
+نسف تمثال المارشال ليوطي الذي كان منتصبا في ساحة الأمم المتحدة سابقا. ساحة محمد الخامس حاليا.
+نسف تمثال الصداقة المغربية الفرنسية لتأكيد المواجهة الصريحة ضد فرنسا في ليلة 30 مارس 1952، ذكرى تاريخ عقد الحماية الفرنسية بالمغرب.
+إحراق حافلات النقل الحضري.
وهكذا تم إحراق تسع حافلات على يد جماعة درب السلطان وجماعة المدينة القديمة. أما القنابل المخصصة لنسف تمثال ليوطي وتمثال الصداقة المغربية فقد تعذر تفجيرهما بسبب غزارة الأمطار تلك الليلة. ورغم ذلك فقد عملت الجماعة المكلفة بهذه العملية على إضرام النار في شركة «لماروكان دي بوا» أسفرت عن إحراق كمية من الخشب. قدرت خسارتها بـ40 مليون فرنك. حسب ما أوردته الصحف الصادرة في اليوم الموالي لهذه العملية».
يذهب الحاج الحسين برادة في هذه المذكرات إلى القول بأن المقاومة وزعت عددا كبيرا من المنشورات التي كانت تدعو من خلالها المغاربة إلى التمرد. ويقول بشكل صريح أيضا إن المنشورات دعت إلى إعدام تمثال ليوطي والإساءة له ما دام أعضاء الخلية السرية الأولى في المغرب، قد فشلوا في تفجير التمثال نظرا لصعوبات تقنية. إذ يجب ألا ننسى أنهم لم يكونوا مدربين على حرب العصابات، وكانت القنابل التي صنعوها في ذلك الشتاء محلية وبدائية أيضا.
بالعودة إلى أرشيف محاضر البوليس الفرنسي في تلك الأيام، نجد ما يؤكد رواية الحاج برادة.
يوما واحدا بعد حادث احتراق المخزن الفرنسي الذي لم يخلف خسائر كبيرة لأنه كان فارغا، شب حريق هائل هذه المرة في مخزن كبير، وحسب المحاضر فإن الشرطة أحصت خسائر بملايين الفرنكات، دون احتساب خسائر الأضرار التي طالت الملكية. ووزعت مناشير في نفس المساء، في الدار البيضاء، تدعي فيها منظمة الائتلاف، أنها هي التي خططت للعملية.
تساءل رجال البوليس الفرنسي عن السبب الذي يجعل تنظيما سريا يوزع منشورات في الشوارع ليخبر المغاربة أنه هو الذي نفذ العملية التي كبدت المعمرين الفرنسيين ملايين الفرنكات في أمسية واحدة. لم يجد أحد مبررا أكثر إقناعا من أن هناك جهات تنسب البطولات لنفسها، ففضل بالتالي الفاعلون الحقيقيون أن يخرجوا قبل تناسل الإشاعات لينسبوا فضلهم لأنفسهم.
كان مواطنان مغربيان، يعملان مترجمين في إدارة فرنسية، بحكم دراستهما في «كوليج آزرو» حيث تعلما اللغة الفرنسية، يسيران في اتجاه حديقة عين السبع بالدار البيضاء، قبل أن تباغتهما سيارة صغيرة من نوع «بوجو» وتطلق عليهما النار ويلوذ سائقها ومساعده بالفرار.
تم إنقاذ الموظفين بعد تدخل طبي عاجل، وكادت روحهما أن تُزهق في ذلك اليوم. لكن المثير أن المحضر لم يذكر أي إفادات بخصوص الفاعلين رغم أن أقوال واحد من الموظفين تؤكد أنه استطاع التعرف على الراكب بجانب السائق، وهو الذي أطلق النار.
كان ضباط الشرطة في البوليس الفرنسي يعلمون جيدا أن عملية ملاحقة بعض المطلوبين مرهقة، ولا تؤدي إلى أية نتيجة. وقد كان الوضع فعلا يبعث على اليأس. فقد كانت مكاتب الأرشيف تحتفظ بمحاضر كثيرة لهذا النوع من القضايا، دون أن ينجح الأمنيون في حلها، أو إلقاء القبض على أعضاء التنظيمات السرية. فهل نستطيع القول إننا كسبنا المعركة كمقاومة ضد الاستعمار الفرنسي؟

محاضر الأمن الفرنسي تؤرخ لعقاب فرنسا لمن تطاولوا على المجسم
ننقل لكم هنا مقاطع اعتمادا على أرشيف البوليس الفرنسي في المغرب، والذي كان يشتغل حسب خطة ليوطي. هنا تسجل فرنسا في محاضر البوليس التابع لها، حوادث أعدمت على إثرها مغاربة، انبرى محامون اشتراكيون فرنسيون للدفاع عنهم في المحاكم المغربية. ببساطة لأن هؤلاء الفرنسيين كانوا يعتبرون أن قضاء بلادهم غير مستقل في محاسبة المغاربة الوطنيين. وقد كان اسم ليوطي، رغم أنه وقتها توفي بحوالي 20 سنة واردا وبقوة.
باب مراكش. في قلب مدينة الدار البيضاء. كانت مصابيح الإنارة العمومية تتراقص على طول الشارع الذي يصل قلب المدينة بالمعلمة. كل شيء هادئ في ذلك المساء، الرابع من يناير سنة 1955. إلى أن سُمع دوي انفجار قوي هز المكان. القنبلة استهدفت محلا لبيع الأحذية الجلدية. لكن بدل أن تستهدف القنبلة المحل، فقد أودت أيضا بحياة عدد من المارة، وأصيب الآخرون بجروح. وكلهم مغاربة.
رغم أن الانفجار حدث لم يكن ممكنا للأمن الفرنسي التغاضي عنه، إلا أنهم في الدائرة الأمنية القريبة تنفسوا الصعداء عندما سقط ضحايا مغاربة في الأخير. فمنذ أيام، والحوادث تتلاحق في تصعيد غير مسبوق، سببه الأحداث الدولية التي يعيشها المغرب على إيقاع من التوتر وانتظار انفراج أزمة العرش، أشهرا قبل عودة الملك محمد الخامس من المنفى.
لنعد إلى ما قبل الانفجار بقليل. في ذلك اليوم، وحسب شهادات قدماء سابقين في المقاومة وجيش التحرير، فإن سجالا كبيرا وقع بين أصدقاء المقاوم إبراهيم الروداني، أو ما تبقى منهم بعد وفاته ووفاة الزرقطوني أيضا، حول ظروف صناعة بعض القنابل اليدوية. فقد اشتكى بعض المقاومين من عدم فاعلية عدد من القنابل المحلية التي صنعوها بأنفسهم، خصوصا وأن بعضها تسبب في سقوط ضحايا مغاربة أكثر مما استهدف من رجال الأمن الفرنسيين. واستعادوا في أذهانهم ما وقع للقنبلة التي لم يُكتب لها الانفجار لنسف التمثال الشهير الذي أقيم في قلب الدار البيضاء سنة 1953 إكراما لذكرى أصدقاء الماريشال ليوطي. ولم تنفجر القنبلة بسبب الأمطار، وأيضا لكونها بدائية الصنع.
هذا السجال عاد بقوة بين مختلف التنظيمات السرية التي كانت تنشط في المغرب، خصوصا في الدار البيضاء، بخصوص جدوى تفجير المحلات التجارية. في وقت كان فيه آخرون، خصوصا في الهلال الأسود، يستهدفون حياة الفرنسيين والمخبرين، ويرمونهم بالرصاص في الأزقة الضيقة أو أمام الإدارات التي يشتغلون بها، لبث الرعب في نفوس الموظفين الآخرين.
المحاضر التي بين أيدينا، تكشف أن عددا من العمليات لم تكن مجرد إشاعات بل كان أقرب منها إلى البطولات. بينما وثائق أخرى من الأرشيف، تكشف أن بعض «العمليات» لم تكن في الحقيقة إلا محاولات مرتجلة لإرباك فرنسا، ولم يكن لها الحجم الذي أراد البعض تصويره.
دائما، في الرابع من يناير، وقبل انفجار باب مراكش بساعات، أعدمت المحكمة الفرنسية ست مقاومين مغاربة تمت إدانتهم بأعمال «إرهابية» استهدفت فرنسيين وأيضا بسبب اتهامهم بالانتماء لمنظمة اليد السوداء. هؤلاء الستة هم: عبد العزيز وعبد العالي بن شقرون، محمد بن عبد السلام الحياني، محمد السلاوي، محمد الراشيدي، الطاهر بن عبد الكريم.
تم إعدامهم رميا بالرصاص، وتم ترويج الخبر في الصحافة المحلية. علم أصدقاؤهم في المنظمة بالخبر من عائلات المحكومين، وتم إخبار العائلات بالتنفيذ ساعات قليلة فقط قبل الموعد، فيم علم أغلب أصدقائهم بالأمر عن طريق الجرائد المحلية التي تطبع في الدار البيضاء.

قبر ليوطي الذي رُحل عن المغرب سنة 1961
تمثال الماريشال ليوطي في قلب الدار البيضاء، الذي كان يتأمله خلال خمسينيات القرن الماضي كل من أراد ولوج ساحة محمد الخامس، ليتذكر أن هذا الرجل وأمثاله هم من صنعوا تلك الدار البيضاء التي تبهر زوارها وسكانها بزخارف العمارات وامتداد الشوارع على الطريقة الفرنسية، كان وحيدا عندما غادر جثمان ليوطي المغرب صوب فرنسا لكي يستقر هناك، قرب أحبائه وزوار المتاحف التي تؤرخ للفترة الاستعمارية الفرنسية.
بالنسبة لهم فإن الماريشال ليوطي بطل قومي. وبالنسبة لنا نحن فإنه كان مهندس الحماية التي جثمت على أنفاس المغاربة سلطة وشعبا. حتى أن الذين اتخذهم ليوطي أصدقاء له، ظهر خلال الأربعينيات أنهم لم يكونوا وطنيين بالضرورة، وتخلوا على الملك الراحل محمد الخامس عند أول امتحان له مع فرنسا حيث انتهى بنفيه خارج المغرب. كان ليوطي وقتها قد توفي بفترة طويلة، لكن السلطان محمد بن يوسف كان يتذكره من خلال لقاءاته المتكررة مع والده لفرض السياسة الفرنسية الجديدة في المغرب.
جثمان ليوطي نقل على عهد الملك الراحل الحسن الثاني في الأشهر الأولى على وصوله إلى السلطة. سنة 1961 كانت مفصلا تاريخيا، إذ اعتبرت المعارضة المغربية التي كان جل أعضائها من قدماء المقاومة، ترحيل جثمان ليوطي إشارة قوية إلى المرحلة السياسية المقبلة التي سوف يدخلها المغرب.
لا تتوفر للأسف معطيات كافية عن الطريقة التي تم بها إدخال تمثال ليوطي إلى مقر القنصلية الفرنسية في الدار البيضاء، لكن الأكيد أن الأمر تم بسبب انتشار الوعي السياسي بعد الاستقلال في أوساط المغاربة ورفضهم لما كان يسمى وقتها «أذناب الاستعمار» في الإدارات. إذ أن لائحة الخونة التي تحمس لها الملك الراحل الحسن الثاني وهو لا يزال وليا للعهد سنة 1956، تعززت بعدة إصلاحات أدخلها الملك الشاب وقتها على الإدارة، ومنها إنهاء هيمنة الأطر الفرنسية. رحل إذن ليوطي عن المغرب مرتين، وما المطلب الأخير بترحيل تمثاله، رغم أن الكثيرين تناولوه من زاوية ساخرة، إلا مطالبة بتتمة ما بدأ سنة 1961.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق