الرئيسيةبانوراما

هكذا تقاوم القارة السمراء «كورونا» أفضل من باقي العالم

سهيلة التاور
رغم زيادة الأشخاص المصابين بفيروس «كورونا» في القارة الإفريقية منذ ظهور الفيروس، إلا أن القارة ما زالت تمثل 1.2 في المائة فقط من حالات Covid-19في العالم. الشيء الذي يطرح تساؤلات عدة حول ما إذا كانت القارة السمراء قد نجحت في احتواء الفيروس أم أن قلة الاختبارات هي التي جعلت الأرقام منخفضة أم هناك أسباب أخرى؟

تختلف التركيبة الديمغرافية للقارة الإفريقية عن تلك الموجودة في مناطق أخرى من العالم، حيث يبلغ متوسط العمر لدى 1.3 مليار نسمة في إفريقيا 19.7 سنة، بينما يبلغ متوسط العمر في الصين 38.4 عاما وفي أوروبا 43.1 عاما. وقد أظهرت التجارب في آسيا وأوروبا أن الأشخاص الذين تزيد أعمارهم عن 60 عاما والذين يعانون من مشاكل صحية كبيرة هم الأكثر عرضة للحالات الشديدة من Covid-19. على الرغم من أن الشباب من السكان الأفارقة يمكن اعتباره عاملا مهما في مقاومة الوباء،إلا أنه ليس السبب الوحيد في انخفاض أرقام الإصابات.

أرقام القارة السمراء
وفقا لأرقام المركز الإفريقي للسيطرة على الأمراض والوقاية منها، فقد سجلت الاثنين 4 ماي 034 44 حالة إصابة (1.2٪ من الإجمالي العالمي) و 1788 حالة وفاة (0.7٪) ، وفقًا للنشرة اليومية التي نشرها المركز. وتعد هذه الأرقام منخفضة مقارنة مع عدد سكان قارة إفريقيا الذين يتجاوزون 1.25 مليار نسمة. في المقابل تجاوز عدد إصابات «كورونا» في العالم 1.200 مليون إصابة، والوفيات تجاوزت 66,500. وبهذا يكون أداء القارة أفضل بكثير من أوروبا أو الولايات المتحدة.
وحتى الآن سجلت إصابات بالفيروس في 50 دولة إفريقية، والدول الأعلى إصابة هي جنوب إفريقيا ومصر والجزائر والمغرب والكاميرون، لكن في المقابل لم تسجل في دول جزر القمر وليسوتو وساو تومي وبرينسيبي أي حالة.
وعلى الرغم من أن عدد الأشخاص الذين خضعوا للاختبار في كل إفريقيا لا يتجاوز بضعة آلاف، فإن التقديرات المبنية على الأرقام والإحصائيات المتوفرة تشير بالفعل إلى عدم وجود إصابات كبيرة بالوباء.

قلة الاختبارات
صرح خبراء صحيون أن عدد الإصابات بفيروس «كورونا» في الدول الإفريقية راجع إلى قلة الاختبارات التي تجريها هذه الدول على مواطنيها. كما يتخوفون من عدم دقة فحوصات الكشف لدى غالبية بلدان القارة، وهنا يكمن الخطر، فمن المحتمل أن يكون الفيروس موجودا يتنقل في دورات حضانة خفية لكنه غير مكتشف.
وينفي مختصون في عدة بلدان إفريقية احتمال العجز عن الكشف من بينهم البروفيسور أمدو ألفا صال مدير معهد باستور الصحي في داكار (السنغال) الذي أكد أن الأمر ما يزال في بدايته، وقال: «لو كانت هناك حالات إصابة كثيرة في إفريقيا لظهرت للعلن، لأن منظمة الصحة العالمية وضعت العالم كله في حالة طوارئ».
وتعتزم جنوب إفريقيا إطلاق برنامج لإجراء مسح واسع النطاق للكشف عن المصابين بفيروس «كورونا»، وإرسال حوالي 10 آلاف عامل صحي لفحص المواطنين في منازلهم، بهدف اكتشاف المصابين بالفيروس.
كما أعلن الملياردير الصيني جاك ما، مؤخرا عن تبرعات بأكثر من مليون جهاز مسح عينات المرضى للبلدان الإفريقية. وليس واضحا إذا كان التبرع يشمل حزمة أجهزة الاختبار الكاملة الأخرى، ولكن إذا كان الأمر كذلك، فقد يكون للتبرعات دور مهم في تعزيز الاختبارات على مستوى القارة. ويقول الدكتور زيرابا: «نحن نعلم أن هناك تحديات حول تطوير الاختبارات، وكذلك تكلفة الاختبار والمواد اللوجستية المستخدمة في الاختبار، ولكن لا يمكننا أن نتقاعس ونعتقد فقط أن الناس لن يموتوا».

الفيروس لا يعيش في الحرارة
تحدث محللون مهتمون بمتابعة الفيروس عن حماية القارة الإفريقية يوفرها المناخ حيث إن درجات الحرارة المرتفعة في العديد من البلدان الأفريقية قد تجعل إمكانية بقاء الفيروس «حيا» أكثر صعوبة، وقد يكون هذا معقولا، إذ إن موسم الإنفلونزا في جنوب إفريقيا، على سبيل المثال، يبدأ فقط في أبريل عندما يصبح الجو أكثر برودة. حيث أكد البروفيسور يازدان يانداباناه رئيس مصلحة الأمراض المعدية في مستشفى بيشات في باريس عن «احتمال أن يكون الفيروس عاجزا عن التكاثر والتنقل في النظام البيئي الإفريقي الحار»، وهو احتمال نفاه البروفسور أدني آدم الخبير في مستشفى آغا خان في نيروبي قائلا: «لا يتوفر لدينا حتى الآن دليل علمي على أن للمناخ تأثيرا على تنقل الفيروس، فحتى الساعة هشاشة الأفارقة أمام الفيروس مساوية لهشاشة الآخرين».
ومع ذلك، لا يزال من السابق لأوانه معرفة كيفية تفاعل فيروس «كورونا» الجديد مع الطقس الحار في إفريقيا وإن كان معروفا عن الفيروسات الأخرى من نوع «كورونا» أنها تنتشر ببطء شديد في الأوساط الدافئة. ويُعتقد أن سبب ذلك يكمن في الأشعة فوق البنفسجية التي تكون أقوى في الشهور الدافئة، والتي تقلص مدة بقاء الفيروسات في الهواء أو على الأسطح، حيث تفقد الكثير من السوائل و»تموت».
وعموما، يمكن افتراض أن الطقس الحار قد يؤدي إلى عدد أقل من الإصابات بالفيروس. إلا أن منظمة الصحة العالمية قللت من شأن التوقعات بانحسار فيروس «كورونا» في غضون الأشهر القادمة، وقالت إن من الخطأ الاعتقاد أن الفيروس سيختفي خلال فصل الصيف كما لو كان مجرد إنفلونزا. وهذا قد يعني أن افتراض أن انخفاض حالات «كورونا» في إفريقيا راجع إلى ارتفاع درجات الحرارة، غير صحيح.
استراتيجيات استباقية

وصل فيروس «كورونا» القارة الإفريقية متأخرا عن أوروبا وآسيا وأمريكا، مما منح فرصة أمام الدول الإفريقية لاتباع استراتيجية استباقية من خلال اتخاذ بعض التدابير الاحترازية للحد من انتشار الفيروس القادم من الخارج. واشتملت هذه التدابير على مجموعة من الإجراءات طبقتها كل الدول الإفريقية تقريبًا بشكل جزئي أو كلي. وتمثلت أبرز تلك الإجراءات في: فحص القادمين من الدول المصابة، واحتجازهم لحين مرور فترة حضانة الفيروس، ومنع التجمعات، وإغلاق الحدود، وتعطيل الدراسة بالمدارس والجامعات، ووقف رحلات الطيران، بالإضافة إلى مجموعة من الإجراءات الاقتصادية لتخفيف أثر هذه الأزمة على المواطنين وأصحاب الأعمال، فضلًا عن الاهتمام بالتوعية الصحية المقدمة للجمهور لتجنُّب الإصابة بالفيروس، وتوفير وسائل تواصل إلكترونية لتقديم المعلومات الصحيحة والخدمات، وفتح مراكز للحجر الصحي للحالات المشتبه بها.
وقد قام عدد من الدول الإفريقية بإجلاء مواطنيها من مدينة ووهان الصينية، ومنهم: المغرب، الجزائر، ومصر، والسودان، وفرضت أوغندا الحجر المنزلي على القادمين من خارج البلاد، وأرسلت مساعدات مالية لطلابها في الخارج. كما أعلنت جنوب إفريقيا حالة كارثة وطنية، وأغلقت نصف حدودها. وأغلقت ليبيا مجالها الجوي. وفي بوركينافاسو أغلقت الحكومة المدارس والجامعات، وحظرت التجمعات العامة، لكنها لم تُطبّق الإجراءات على التجمعات الدينية، التي كانت مصدرا لانتشار العدوى.

مكافحة المعلومات المضللة
اتخذت دول إفريقية إجراءات للتصدي لـ «كورونا»، كما تتعاون الحكومات في مختلف أرجاء القارة الإفريقية مع شركات التكنولوجيا العملاقة مثل فيسبوك وواتساب لمكافحة المعلومات المضللة عن الفيروس على منصات التواصل الاجتماعي، والتي قد تسهم في زيادة انتشار المرض في قارة تعاني من هشاشة نظم الرعاية الصحية.
ففي نيجيريا، يتعاون المسؤولون الطبيون مع خدمة التراسل المملوكة لفيسبوك في توجيه رسائل للمستخدمين تتضمن نصائح ومعلومات عن الأعراض وكيفية تجنب العدوى.
وتقوم «تويتر» بتعديل خوارزمياتها لنقل المعلومات الطبية من مصادر مسؤولة، وهي مبادرة متاحة في 70 دولة منها خمس دول إفريقية. وقال تشيكوي إيكويزو من المركز النيجيري لمكافحة الأمراض «لم يكن هناك وقت أكثر صعوبة من الآن نلجأ فيه لمواقع التواصل الاجتماعي لتوجيه الرسالة الصحيحة».

لكن الحكومات وشركات التكنولوجيا تواجه معركة، فمع انتشار الفيروس تنتشر شائعات لا أساس لها من الصحة على مواقع التواصل الاجتماعي. ومن بين هذه الشائعات التي ظهرت على «تويتر» ورصدتها «رويترز» أن «السود لا يصابون بـ «كورونا» وهو ما نشره مستخدم كيني له 700 ألف متابع.
وجاء في تغريدة أخرى على تويتر «إذا كنت تشك بأنك مصاب.. يتعين أن تتعلم كيف تفتح مجرى التنفس بغلي الليمون والزنجبيل واستنشاقهما»، ونشرها مستخدم من نيجيريا له 119 ألف متابع.

وتلجأ بعض الحكومات الآن لإجراءات عقابية، فمثلا اعتقلت كينيا رجلين أحدهما مدوّن بارز لنشرهما معلومات مضللة عن الفيروس على «تويتر»، وهو اتهام يُعاقب عليه بالسجن عشر سنوات أو غرامة خمسة ملايين شلن كيني (48 ألف دولار)، ولم يُوجّه اتهام رسمي لأي منهما.

وسنت جنوب إفريقيا قانونا في مارس يعاقب على نشر معلومات مضللة عن الفيروس، بالسجن مددا تصل إلى ستة أشهر.
ويخشى مسؤولو الصحة العامة أن تزيد هذه المعلومات الخاطئة من عدد الإصابات في القارة التي تعاني نظمها الصحية من ضغوط شديدة.

مساعدات من منظمة الصحة العالمية
أعلن تيدرو أدانوم مدير عام منظمة الصحة العالمية أن «40 دولة إفريقية تتوفر حاليا على وسائل أكيدة للكشف عن فيروس كوفيد 19».
وقال في نقطة صحافية بجنيف: «في البداية أكدت المنظمة العالمية للصحة قلقها البالغ إزاء إفريقيا بسبب هشاشة أنظمة الصحة في غالب دولها، وقررت المنظمة تخصيص الممكن من الوسائل لتمكين بلدان إفريقيا ما وراء الصحراء، بصورة خاصة، من الاستعداد لمواجهة هذا الوباء». حتى بداية فبراير، لم يكن هناك سوى دولتين فقط في إفريقيا جنوب الصحراء لديهما القدرة على اختبار الفيروس التاجي الجديد، هما السنغال وجنوب إفريقيا، الأمر الذي دفع منظمة الصحة العالمية بالتنسيق مع المركز الإفريقي لمكافحة الأمراض إلى مساعدة 43 دولة أخرى في إنشاء أو زيادة مختبراتها الوطنية، ومدها بوسائل الاختبار، وتدريب فنيي المختبرات بها حتى تتمكن من اختبار فيروس «كورونا» المستجد، بالإضافة إلى تدريب العاملين الصحيين على فرق الاستجابة السريعة وتتبع الاتصال. وتم شحن معدات الوقاية الشخصية إلى 24 دولة، ويجري إعداد شحنة ثانية لباقي الدول التي تم تأكيد حالات بها.
وأكد تيدرو أدانوم مدير عام منظمة الصحة العالمية أنه «فيما كانت بلدان القارة ترسل عينات من الدم لمخابر عالمية للحصول على تأكيد أو نفي الإصابة بالفيروس، تحسنت خلال الأسبوعين الأخيرين قدرات الكشف الفنية عن الفيروس حيث أصبحت 40 دولة إفريقية تتوفر على القدرة التامة على الكشف». وقال: «نسعى لأن يكون تعامل دول إفريقيا مع الفيروس تعاملا منسقا، وقد عقد اجتماع هام في هذا الصدد، مخصص لتنسيق الكشف والتحضير لمواجهة الفيروس وطنيا وقاريا».
ودعا أدهانوم قادة الاتحاد الإفريقي إلى العمل بنهج متكامل، استعدادا لما وصفها بالعاصفة الوشيكة في حالات الإصابة بفيروس «كورونا» (كوفيد-19) في القارة. وقال في القمة الافتراضية المصغرة التي شارك فيها رؤساء تسع دول إفريقية ورئيس المفوضية الإفريقية، إن على القادة الأفارقة الإسراع في الحصول على الأدوية واللقاحات.
تحذيرات أدهانوم تأتي في وقت لا تزال فيه النسب منخفضة في الإصابة بالفيروس منذ بدء انتشاره نهاية العام 2019، وهو ما أربك الخبراء الصحيين، وتساءلوا عما إذا كان هناك نقص في التقارير القادمة من إفريقيا.
بينما يقول البروفيسور ميشيل ياهو مسؤول البرامج الاستعجالية في مكتب منظمة الصحة العالمية في برازافيل: «مشكلة إفريقيا ليست في الكشف عن الفيروس، بل في القدرة على محاصرته وعلى علاج المصابين به». وأضاف: «معظم بلدان القارة الإفريقية لا تتوفر على وسائل لمعالجة الحالات الخطيرة، والقدرات الصحية في العواصم محدودة وخارج العواصم ضئيلة جدا، وهنا مكمن القلق».

معادلة الإغلاق وقلة الغذاء
في حالة تدهور الأمور وفقدان السيطرة على تفشي فيروس «كورونا» يكون الإغلاق وقلة الغذاء معادلة صعبة التحقيق. يقول الدكتور فرانشيسكو تشيتشي، أستاذ علم الأوبئة في مدرسة لندن للصحة والطب الاستوائي: «الركود الاقتصادي وتدهور سبل المعيشة يعني الفقر وسوء التغذية وأزمة الوصول إلى الخدمات الصحية الروتينية، وهذا يعني الموت أيضا». وأضاف: «الموت لن يضرب فقط كبار السن ولكن أيضا الأطفال والشباب. لذلك توجد معادلة صعبة حقا هناك».
وقد بدأت دول مثل رواندا في توزيع الغذاء والموارد تحسبا لتلك العواقب. في كيب تاون بجنوب إفريقيا، بدأت حتى عصابات الشوارع سيئة السمعة في المساعدة في توزيع الطعام. لكن في بلدان أخرى، لا توجد خطة واضحة للمواجهة.
وفي كينيا، بدأت مجموعات المجتمع المدني في جمع الأموال والغذاء للأسر ذات الدخل المنخفض. بينما أعلنت إثيوبيا حالة الطوارئ، على الرغم من أن رئيس الوزراء آبي أحمد، قال مؤخرا «لا يمكننا فرض إغلاق مثل الدول الأكثر تقدما، حيث يوجد العديد من المواطنين الذين ليس لديهم منازل».
الدول الإفريقية لديها موارد محدودة لتعويض المواطنين ماديا إذا ما تركوا عملهم. وتسلط هذه الصعوبات الضوء مرة أخرى على أهمية إجراء الاختبارات. وتقول الدكتورة نغوزي إيروندو، متخصصة الأمراض المعدية في مركز تشاتام هاوس للأبحاث: «إذا تمكنا من اختبار وتطبيق نهج استراتيجي محلي لتقييد الحركة فإن هذا سيساعد في الحفاظ على الموارد». وأضافت: «أعتقد أننا يمكن أن نكون أكثر إبداعا في تحديد القرى التي يجب أن تذهب إلى السوق والأيام التي تذهب فيها بالتناوب مع القرى الأخرى بحيث تكون هناك مناطق أقل كثافة سكانية”.
ويمكن للعديد من العوامل الأخرى أن تجعل وباء «كورونا» أسوأ في إفريقيا، فمثلا قد يكون من الصعب تطبيق سياسات التباعد الاجتماعي في البلدات المزدحمة، والأسر الكبيرة والمكونة من عدة أجيال تعيش في منزل واحد. كما أن هذه البلدات تفتقر إلى وسائل النظافة الأساسية فسيكون من الصعب عليهم تطبيق سلوك غسل أيديهم عشرين ثانية بالماء والصابون، وهم لا يجدون ماء للشرب.
كما أن العديد من البلدان الإفريقية تعاني نقصا في الأسرّة وأسرّة العناية المركزة، وبالتالي قد لا تمتلك القدرة على تقديم الرعاية الصحية اللازمة لمرضى «كورونا».

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق