الرأي

واهم من يعتقد.. 

جهاد بريكي
واهم من يعتقد أنه سيقفز يوما فوق ذاكرته متجاوزا كل ما مضى بكبسة زر. ومدلس من يخبرك أن الماضي يبقى هناك، بعيدا مظلما متواريا خلف حجب الحاضر. الإنسان يشبه بحيرة تشكلت منذ عصور خلت تجتمع فيها مياه البحر المالحة وانهمار المطر وسيول أنهار عذبة وبقايا برك آسنة، تختلط كلها لتعطي كائنا مميزا لا يشبه أحدا غيره. حتى طفولته التي لا يكاد يتذكر منها سوى مشاهد شاردة هي حاضرة بكل عزمها معه في حله وترحاله.
تتحكم الأحداث الغابرة في طريقة تفكيرك وفي تحديد أولوياتك ورغباتك وحتى في اختيار معاركك. تصاحبك جملة قيلت لك دون انتباه من صاحبها عمرك بكامله، فتبني منها أسوارا تحمي معتقداتك، أو ما اختير لك اعتقاده. واهم من يتحدث عن الماضي وكأنه جزء من رحلتك قد تركته وانفصل عنك، وكأنك قطار مضبوط على سرعة محددة يتجاوز المحطة تلو الأخرى لا مباليا، هدفه الوصول. لم يكن قدر الإنسان الوصول. بل الرحلة، وكل ما يعيشه خلال هذه الرحلة.
بصيغة أبسط، وأقرب لقلبي الذي يعشق الرسم والرسامين ويدي التي تفشل في رسم تفاحة، كل لون يصبغ لوحة بيضاء سيظل عالقا فيها حتى تعود اللوحة للعدم الذي جاءت منه، قد يتلاشى بريقه ربما، أو يخفت لمعانه أو تخبو حدته، وربما يتغير تماما عما كان عليه من قبل، غير أنه دائم الحضور ما دامت اللوحة بين يدي رسامها أو على حائط مقتنيها. وأنا لوحة أنهكتها الألوان وفرش الرسم ويد الرسام، أحتفظ بألواني كلها داكنها وفاتحها، جيدها وسيئها. لا لون يمكن أن يمحى ولا حركة فرشاة يمكن أن تلغى. معلقة على حائط بارد. وأنتظر.
واللوحة لا تعرف أي لون قد بدأ الرسام به أولا ولا أية حركة سبقت الأخرى، ننظر إليها فنرى رسما نستمتع به، أو ننفر منه. لا ماضي للوحة ولا حاضر هي ذلك الخليط من الألوان والماء والذي أنتج شكلا متكاملا نحمله بين أيدينا مبتهجين ونعلقه داخل غرف المعيشة وقرب المكتبات.
واهم من يعتقد أن بمقدرته التخلص من أعضائه بالبتر، أو من عشيقاته بحفلات النسيان أو من دموعه بالرقص تحت المطر، أو من ماضيه بدروس العزف وحصص اليوغا. كل هذا يساعد في تلطيف الذكرى وتهذيبها حتى لا تظل حادة تخدش الروح وتدميها.
ماضينا أعمدة الأساس التي ينهار بنياننا بانهيارها، حاضر في حاضرنا على الدوام، يقبع كجندي مجهول بين تفاصيلنا، يوجهنا ويوجعنا، يحنو بيد ويصفع بالأخرى. أحداث الطفولة، قصص النوم، غراميات المراهقة، عشق الصبا، نجاحات تافهة وفشل ذريع. وعود على حافة الرحيل ودموع الفرح القصير والحزن الأصيل.
هل كان يمكن أن نكون ما نحن عليه لولا هذا الماضي الذي نحاول التنكر له؟ لا أعتقد، وطن بدون ذاكرة لا يستحق أن نحمل لواءه، وإنسان بلا ماض، مسخ آلي لا قيمة لوجوده. التركيز على الحاضر كأنه كل ما نملك هو نوع من الهروب الجبان، ووعود النسيان التي يمنونك بها لحياة أسعد لا تكاد تكون سوى خرافة لذيذة ستأخذ وقتها ثم يمحقها برهان الواقع.
ستشهد كل آثارك عليك، من هنا مررت، وفوق هذا الجرح ذرفت الدمع ونزفت الأمل، وعن قمة هذا الحب سقطت وعلى سفح ذلك الخذلان هويت. ماضيك جنينك الذي لا يقبل مغادرة أحشائك، راقد بداخلك حتى تفنى. وواهم من يعتقد أن جراحا مهما بلغت عجرفته سيستطيع استئصاله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى