
بقلم: خالص جلبي
اسمعوا إلي جيدا.. هذا لست أنا من يقوله، بل الخبراء الأمريكيون. قالها والقوم خشعا بكما ينصتون. إنها الحرب العالمية الثالثة. لا أحد يثقب البالونة بوخزة إبرة، فالمتكلم من رجال المال والأعمال، والله علمنا قاعدة ما شهدنا إلا بما علمنا وما كنا للغيب حافظين. ولكن بين المسلمين وقواعد فهم القرآن قطر الأنروميدا.
أرسل إلي صديقي أبو فراس من السعودية تسجيلا لمدة ربع ساعة، للعراف الأردني الجديد من رجال الأعمال والمال. أردت اختباره، قلت له: ما رأيك؟ قال: إن توقعاته مدهشة، وهو يتوقع الكارثة عام 2020 وها قد وقعت. قال العراف الأردني: إن الحرب قادمة وستكون في بحر الصين تحديدا، وثمة بضعة صواريخ سوف تضرب. تابع إنها ليست من نموذج تلك الحرب الواسعة (شوية صواريخ باللهجة الأردنية). طبعا سخفا من هذا النوع يضحكني عن حرب عالمية وبصواريخ وفي بحر الصين، ثم يجلس العملاقان للتفاوض. صاحبنا يرسم سيناريو مرسوم بدقة في ذهنه، مثل لعب الأطفال من البداية إلى النهاية (Playgame).
قصة هذا الرجل تذكرني بقصتي مع رجل أعمال آخر اجتمعت به في الإمارات. ولأنه يملك المال والأعمال ومصائر العمال الكادحين المتعبين تحت يديه وسلطانه، فخيل لصاحبه أنه يعرف كل شيء؛ فطالما امتلك هذه الأداة السحرية: المال عرف كل شيء. كنت أتحدث فقاطعني، وبدأ يدخل في مواضيع علمية مثل فيزياء الكم (الكوانتوم)، تعجبت منه وقلت له: هل سمعت بـبول ديراك أو فيرنر هايزنبيرغ أو ميشيو كاكو أو ماكس بلانك وظاهرة الجسم الأسود؟ بهت ووقف فاغر الفم. إنها أبحاث قضيت فيها مئات من ساعات العمل، مثل دراسة التشريح والفسيولوجيا في الطب. وكما يقال إن الفرق بين الخبير وغيره، أنه إذا تناول موضوعا شعر الآخر أنه لا يعرف فيه شيئا، ولكن من يعترف فهذه خصلة شيطانية من الجهل والاستكبار.
رجال الأعمال والمال مساكين ومن يسمع إليهم مغفل أكثر منهم، وبالطبع فالذي يملك المال يكون عفوا (حرامي) في أغلب الأحيان. لأن ثروة كبيرة خلفها غالبا إما تجارة سلاح، أو دعارة أو حشيش أو نفوذ وسلطة وغش تجاري وتهرب ضريبي.
كانت ابنتي مريم تقول لي: إن أصحاب الرواتب لن يصبحوا أثرياء قط. وحين سألت خويلد السعودي عن ثروته، المفاجأة تفاجأ من سؤالي، وقال: هي العقارات، أي قفز الأسعار الجنوني، كما هو في قصة التجزئة في المغرب، حيث تباع أمتار قليلة بملايين غزيرة ليلتصق الناس ببعضهم في البناء مثل أعشاش الحمام. حيث أسكن في الجديدة تم تدشين منطقة تتسع لبضع فيلات فحشرت فيها أعشاش الحمام بعشرات أشباه الفيلات، وما زال صاحبها الذي استهوته هذه التجارة السريعة طمعا في الثراء السريع، ما زال ومنذ سنوات يضيف كل يوم فيها شيئا من بناء متعثر، مثل حركة الفكرون (السلحفاة بتعبير المغاربة)، ولا أظن أصحابها المنكوبين سوف يسكنونها قبل عشر سنوات، هذا إن سكنوا. مثلها أيضا قيل لي إنه كان موظفا في الضرائب، فنهب واندفع في مشروع مشابه، ولكنه توقف وهرب.
رجل الأعمال الأردني يشبهه أيضا (عمران حسين) من الهند والسند، هما نموذج نوستراداموس للعرب والمسلمين. وفي هذا أتذكر واقعة حدثت للرسول (ص) عن معرفة الغيب مع ابن الصياد، ذكرها محمد إقبال في كتابه «تجديد التفكير الديني». وابن الصياد هذا يهودي كان يزعم معرفة الغيب، وهو ما لم يدعيه رسول الرحمة (ص) لنفسه: (قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك = «الأنعام»، الآية: 50)، جاءه رسول الرحمة (ص) يوما وفاجأه من الخلف وقال له: لقد خبأت خبأ فما هو؟ قال: هو الدخ (ربما طائر أسطوري)، قال: قد خسئت يا عدو الله لن تعدو قدرك. كان عمر رضي الله عنه موجودا في الواقعة فقال: دعني أضرب عنقه. كان جواب رسول الرحمة: إن كان كما يقول فلن تسلط عليه، وإن لم يكن كذلك فلا حاجة لك بقتله. بغض النظر عن صحة الرواية، فهي تصب في القاعدة التي أعلنها نبي الرحمة (ص)، أنه من صدق كاهنا أو عرافا فقد كذب بما نزل على محمد. بالطبع المدافعون كثيرون، وسيقولون هذا ليس كشفا للغيب، بل هو تحليل اقتصادي. وهنا بيت القصيد، فالمال والسياسة تحدث عنهما ابن خلدون في مقدمته عن نقل الأخبار، وأنه يجب اعتماد قواعد السياسة والعمران والأحوال في الاجتماع الإنساني. وهذا ليس النموذج الوحيد، فقد تحدثنا عن أسطورة رش غاز السارين في طبقات الجو الخارجي، وهي غالبا دعاية روسية (بورباغندا) لتجريم أمريكا أنها فعلت هذا في دول مجاورة لروسيا في أوكرانيا وجورجيا، لقتل كبار السن والتخلص منهم، ولكننا نعرف أن غاز السارين يقتل الأطفال قبل كبار السن، كما فعلها البراميلي بشار، طاغية دمشق، في أطفال الغوطة عام 2013 م مع اندلاع الثورة السورية.
ومن المغرب خرج رجل فلسطيني في الأغلب يقسم أن الدواء موجود في المغرب، ويشفي خلال 36 ساعة، وقد وضع بجانبه زجاجات (قرعات باللهجة المغربية) هي بلسم الشفاء، والعلم ليس كذلك والدجل كثير.




