الحسن الثاني للأمين العام للجامعة العربية: أحضرتُ بوعبيد للقاء دليلا على أن الصحراء قضية كل المغاربة

يونس جنوحي
كان الجو مكهربا داخل القاعة التي ضمت اجتماع السفراء ووزراء الخارجية العرب، في أبريل 1985، أثناء الإعداد لانعقاد مجلس الجامعة العربية. فمن جهة، كان على التازي أن «يصون» صداقاته مع الدبلوماسيين العرب، ومن جهة أخرى كانت كلمات الملك الراحل لا تزال ترن في أذنيه، والتي حذره فيها من تبعات ارتكاب غلطة السماح لوفد البوليساريو بحضور أشغال القمة، بتواطؤ مع أنظمة عربية على رأسها الجزائر وليبيا، في وقت كان الحسن الثاني والعقيد القذافي فتحا صفحة صداقة جديدة بين البلدين.
يواصل السفير محمد التازي، هنا، تسجيل كلمته أمام وزراء الخارجية العرب في ما عرف لاحقا بـ«قمة طرابلس»، والتي استعمل فيها كل الأساليب الدبلوماسية المتاحة، وآخرها التهديد بانسحاب المغرب وتجميد عضويته في الجامعة العربية إن وافقت دولة عربية على حضور البوليساريو في القمة المرتقبة بطرابلس، موجها الخطاب إلى وزراء الخارجية العرب:
«ثم التفتت لرئيس وفد الجماهيرية الليبية، عبد السلام التريكي، وقلت له على مسمع من الجميع:
– إن الاتحاد بين البلدين يجتاز الآن أول امتحان له. فإما أن يصمد ويتجاوزه وإما أن يفشل فينحلّ، وتحقق الجماهيرية ما عجزت بعض الدول عن تحقيقه. والشعب الذي صوت على الوحدة لا لوم عليه إذا صوت غدا ضدها.
فقال التريكي:
-الجماهيرية مهما كانت الظروف ستختار بقاء الاتحاد، ولن تكون سببا في المس به.
وبعد فترة صمت رهيب توشك أنفاس الحاضرين أن تكون مسموعة، بدأت المقترحات والتعديلات تتري علي، وكان ردي عليها أن موقفي واضح. إذا تقرر الاجتماع سأعلن للصحافيين خارج القاعة أن المغرب انسحب من الجامعة، وإذا انعقد الاجتماع في طرابلس، وحضرته الدول العربية والمرتزقة، فسنعيد النظر في الاتحاد مع ليبيا، فإذا فضلت دول الجامعة الأشباح علينا فإنها أدرى بمصالحها، ونحن أحرار في اختياراتنا.
وتكهرب الجو مرة ثانية، فاقترح الرئيس أن تقتصر الجلسة على رؤساء الوفود، وعقد الاجتماع فاقترح الأمين العام عدم البت في الموضوع وتكليفه بإجراء اتصالات مع الدول العربية، فرفضت الاقتراح، وجمعت أوراقي لمغادرة القاعة ليتخذ المجلس ما يشاء من قرارات، ولكن بدون حضوري.
ألح الأمين العام بعدم مغادرة الجلسة، ثم اقترح عدم المصادقة على قرار اللجنة السياسية، بحضور اجتماع طرابلس، وتكليفه بإجراء اتصالات مع المغرب، ولم يعترض أحد، وأعلن الرئيس انتهاء الدورة.
بعثت برقية مختصرة لجلالة الملك، وللوزير، وبعد ساعة سعدت بسماع الصوت الهادئ الودود، صوت جلالته، وهو يقول:
– لم أكن مخطئا حين حملتك المسؤولية، وطلبت من الفيلالي أن يعود. ابعث لي بتدخلك الكامل، وسأبعث للأمين العام ليحضر لمراكش غدا، ويعود في يومه، والله يرضي عليك آ التازي».
تنفس السفير محمد التازي الصعداء. بدا واضحا أن الأحداث تتجه نحو الانفراج، وأن أغلب الدول العربية لن تقبل حضور وفد من البوليساريو إلى طرابلس. وفعلا حل الأمين العام للجامعة العربية في المغرب، واستقبله الملك الحسن الثاني، وعاد في اليوم نفسه ليجد التازي في استقباله. يقول السفير عن هذه الجزئية:
«وسافر القليبي لمراكش، وحين عاد في المساء كنت في استقباله، في المطار فقال:
– إن جلالة الملك متشبث بالموقف الذي أعلنته، وأن جلالته كان ينتظر منك نتيجة الاجتماع ليَصدر بلاغ بالانسحاب من الجامعة، فأبلغت جلالته أنك دافعت بشجاعة وبراعة وإصرار، وحضر المقابلة السيد عبد الرحيم بوعبيد، وقال جلالة الملك، لقد أحضرت للمقابلة السيد بوعبيد لتتأكد أن قضية الصحراء ليست قضية الحسن الثاني، وإنما هي قضية الشعب المغربي كله، حتى الذين في المعارضة. وما أنا إلا مؤتمن على مقدسات الشعب وحقوقه، ولا يمكن أن أفرط في ذرة تراب من أرضه، أو أسمح لأحد أن يعتدي على سيادته».





