
أكادير: محمد سليماني
بعد ليلة سوداء عاشتها مدينة إنزكان ومركز جماعة آيت اعميرة بإقليم اشتوكة أيت باها، ظن الجميع أن الهدوء سيعم مدن وجماعات جهة سوس ماسة، وأن الاحتجاجات، حتى في حال تواصلها، ستكون سلمية وأقل حدة، خصوصا بعد اعتقال مجموعة من المتورطين في عمليات الشغب والتخريب، غير أن واقع الحال كان أكثر عنفا وتخريبا وإيلاما في اليوم الموالي.
عودة الهدوء إلى إنزكان
بعدما عاشت إنزكان ليلة رعب سوداء اختلط فيها الخوف بالقلق، وعاش سكان المدينة والأحياء المجاورة حالة غضب كبير واحتقان غير مسبوق، خوفا على ممتلكاتهم وأرزاقهم، بل وعلى حياتهم أيضا، سيما وأن مقاطع فيديو انتشرت انتشار النار في الهشيم بين تطبيقات الهواتف النقالة، ظلت تنشر تفاصيل الاعتداءات واقتحامات المحلات التجارية والمؤسسات البنكية. وبعد تلك الليلة السوداء، تمكنت القوات العمومية، رغم الخسائر الكبيرة التي سجلت في صفوفها، من إعادة الأمن إلى المدينة، وذلك بعد اعتقال عدد من الشباب الجانحين الذين تبين تورطهم في أعمال تخريب واعتداءات على الممتلكات العامة والخاصة. وإثر أحداث التخريب والعنف، التي أصيب فيها 69 عنصرا من القوات العمومية، وتم إلحاق أضرار بثلاث سيارات خاصة بالقوات العمومية، و4 سيارات للخواص، تم اعتقال ما يزيد عن 140 شخاصا.
وبدت الأجواء بمدينة إنزكان، طيلة أول أمس الأربعاء، عادية وطبيعية، مع نوع من الهدوء الحذر، تحسبا لخروج مظاهرات احتجاجية مساء اليوم نفسه، وهو الأمر الذي دفع عددا من تجار المدينة إلى إغلاق محلاتهم في وقت مبكر، واضطر البعض منهم إلى إحكام إغلاق هذه المحلات بواسطة أقفال إضافية.
محاولة سطو على الأسلحة بالقليعة
تعتبر مدينة القليعة أحد أكبر التجمعات السكنية بعمالة إنزكان أيت ملول، وتقع في الحدود ما بين مدينة أيت ملول وإقليم اشتوكة أيت باها. تعيش بهذه المدينة أكبر كثافة سكانية بالمنطقة، أغلبها بدون عمل والبعض يشتغل في القطاع الزراعي بعدد من الضيعات. كانت المدينة معروفة من قبل بأنها مأوى وملاذ عدد من المبحوث عنهم في عدد من القضايا بمختلف المدن، غير أن هذه المدينة ستعتلي واجهة الأحداث بعدما عاشت حالة غليان كبير.
بدأ الأمر بمظاهرة احتجاجية، بالشارع الرئيسي الذي يفصل القليعة إلى شطرين، لكن سرعان ما تحولت إلى أعمال تخريب خطيرة، تم فيها تهشيم زجاج مركز لذوي الاحتياجات الخاصة، والاعتداء على عدد من المحلات التجارية والمؤسسات العمومية.
وفي سياق الهيجان، الذي تملك عددا من الشبان المتظاهرين، قرروا اقتحام مركز الدرك الملكي بوسط القليعة، حيث حاولوا الدخول إليه بالقوة، والسيطرة على الذخيرة والعتاد والأسلحة الوظيفية.
وكشفت السلطة المحلية بعمالة إنزكان أن عددا من الشبان عمدوا، ضمن مجموعات من الأشخاص، إلى الانخراط في أعمال عنف وشغب من خلال رشق مركز الدرك الملكي بالحجارة واقتحامه، قبل أن تتمكن العناصر الأمنية من صدهم بادئ الأمر باستعمال قنابل مسيلة للدموع، وذلك في إطار الدفاع الشرعي عن النفس.
وبعد ذلك عاد المهاجمون، بعد تعزيز صفوفهم بمجموعات كبيرة، إلى الهجوم على مركز الدرك الملكي، مدججين بأسلحة بيضاء ليتمكنوا من اقتحامه واكتساحه، حيث استولوا على سيارة وأربع دراجات نارية تابعة لمصالح الدرك الملكي، فيما تم إضرام النار في السيارة وفي جزء من بناية المركز، مع الشروع في محاولة الاستيلاء على الذخيرة والعتاد والأسلحة الوظيفية لرجال الدرك.
وأمام هذا المعطى الخطير اضطرت عناصر الدرك الملكي لاستخدام أسلحتها الوظيفية، في حالة دفاع عن النفس، لصد هذه المجموعات من المقتحمين، ما أدى إلى مقتل شابين متأثرين بجراحهما، فيما أصيب بعض الشبان الآخرين بإصابات مختلفة الخطورة، وعلى إثر إشهار السلاح الوظيفي وصد الهجوم، عاد الشباب الهائج إلى الخلف وغادروا مركز الدرك.
إحراق مقر جماعة سيدي بيبي
بعد الأعمال التخريبية التي عاشها مركز أيت اعميرة، الثلاثاء الماضي، انتقلت العدوى في اليوم الموالي إلى الجماعة المجاورة، سيدي بيبي، إذ تحولت هذه المدينة الهادئة، مساء أول أمس الأربعاء، إلى مسرح لأعمال شغب وعنف وسرقة واعتداءات يندى لها الجبين من قبل شباب هائجين، كان هيجانهم يزداد أكثر كلما لمحوا سيارة للقوات العمومية، حيث يتسابقون نحوها من أجل إيقافها بالقوة، إذ يتم رشقها بالحجارة، غير آبهين بإمكانية إصابة أي مواطن أعزل في الطريق. وما زاد من حدة الوضع أن الشارع الرئيسي يعرف إعادة التهيئة، الأمر الذي وفر الحجارة بكثرة لعدد من الشباب الهائج لاستعمالها في رشق القوات العمومية.
وفي لمحة بصر، تحول عدد من مثيري الشغب نحو مقر جماعة سيدي بيبي، حيث تم إضرام النار في مكاتبها، وإحراق مكتب الحالة المدنية وتصحيح الإمضاءات، وتم قطع الطريق الوطنية الرابطة بين تيزنيت وأكادير على مستوى منطقة سيدي بيبي بفعل التراشق الكبير بالحجارة.
وببيوكرى، عاصمة إقليم اشتوكة أيت باها، قام عدد من الجانحين بإضرام النار في السد القضائي للأمن الوطني بمدخل المدينة، وعبثوا بكل تجهيزاته. وبمنطقة بلفاع، التابعة للإقليم نفسه، عاشت المنطقة يوما مرعبا، حيث تم الاعتداء على ممتلكات عامة وخاصة، واقتحام مدرسة خصوصية والعبث بتجهيزاتها ومحتوياتها، الأمر الذي أدى بإدارة هذه المؤسسة إلى تعليق الدراسة أمس الخميس حتى إشعار آخر.
إضرام النار بمدخل عمالة تارودانت
شأنها شأن باقي مناطق جهة سوس ماسة، عاشت مدينة تارودانت هي الأخرى أحداثا مرعبة ومفزعة. فبعدما كانت الوقفة الاحتجاجية سلمية في البداية، تحولت إلى أعمال عنف وشغب وتخريب واعتداء على الممتلكات العامة والخاصة. وقام عدد من مثيري الشغب بتهشيم أبواب عدد من المحلات التجارية المخصصة للتعاونيات النشيطة في مجال المنتوجات المجالية، حيث تم العبث بمحتوياتها.
وأثناء ذلك حاول أحد عناصر القوات المساعدة صد الشباب الهائج عن هذه الأفعال، ليتم الهجوم عليه من قبل عشرات الشبان وإسقاطه أرضا بشكل مهين، قبل رفسه وركله والاعتداء عليه، ولم تشفع توسلاته في توقف الاعتداء. بعد ذلك اتجه هؤلاء الجانحون نحو مقر عمالة تارودانت، حيث حاولوا اقتحامه بالقوة، إذ قاموا بإضرام النيران في مدخله الرئيسي بواسطة قنابل «مولتوف» يدوية، وذلك من أجل تخويف أفراد القوات المساعدة المرابطين بالمكان.
وبمدينة أولاد تايمة، التابعة لإقليم تارودانت، جرى تخريب مؤسسة بنكية بعد اقتحامها والعبث بتجهيزاتها، وتخريب إدارة البريد بنك وإشعال النيران في المدارات الطرقية بوسط المدينة، فيما اقتحم هؤلاء الشبان المحجز الجماعي بالمدينة وقاموا بسرقة عدد من الدراجات النارية المحجوزة به.
من السلمية إلى التخريب بأكادير
تحولت المظاهرة الاحتجاجية التي اندلعت بأكادير بشكل متزامن مع المظاهرات الاحتجاجية بباقي مدن وجماعات جهة سوس ماسة، غير أنها تميزت عنها بأنها كانت أكثر تنظيما وسلمية من باقي المناطق، لكن الأمور سرعان ما انفلتت من الهدوء الذي طبعها، لتتحول إلى أعمال عنف وتخريب، حيث قام المتظاهرون باقتحام مؤسسة بنكية بحي امسيرنات وسط المدينة.
ولولا حضور تعزيزات أمنية مكثفة في الحين، لعاشت المدينة عمليات تخريب كبرى كان من شأنها أن تنسف كل المجهودات التي تم بذلها لتغيير ملامح المدينة من خلال برنامج التنمية الحضرية.





