حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرأي

تواصلوا تصحّوا

يونس جنوحي

هناك مؤسسات ومنظمات وتمثيليات لا تنشط إلا في العالم الافتراضي ولا تقوم بأي نشاط في الواقع. ويخرج أصحابها، افتراضيا طبعا، للدفاع عن صورتها في الواجهة ونشر بيانات وبلاغات بلغة ركيكة وبدون أية رسالة واضحة.
يحدث هذا، للأسف، في وقت يحتاج المجتمع المدني وحتى بعض فروع مؤسسات الدولة لإعادة هيكلة كاملة ومراجعة شاملة لتطهيرها من الشوائب. تخيلوا كم كنا سنتجنب من كوارث وأزمات لو كانت هناك قنوات تواصلية سليمة مع كل الأطراف، سواء أثناء حملة المقاطعة أو أثناء خوض الإضرابات التي عرفتها بعض القطاعات، خصوصا في مجالي التعليم والصحة، وانتهت بتفعيل الاقتطاعات من أجور المضربين وتعطيل الصالح العام لأشهر طويلة.
الآن، مع أنفلونزا الخنازير التي يتخوف المغاربة، كبقية مواطني العالم بشكل طبيعي، من أن تصل عدواها إليهم وإلى أبنائهم. وإذا ذكرت هذا الوباء أو أية عدوى أخرى، فإنك بالضرورة تثير قطاعي التعليم والصحة.
وزارة الصحة معنية بالدرجة الأولى لأنها الوصية على السلامة الصحية للمغاربة، ويتلقى كبار أطرها ومسؤوليها أجورا وتعويضات لا تنتهي مقابل القيام بهذا الدور. ومؤسسة التعليم معنية لأنها وصية على تنظيم أكبر تجمع بشري في الدولة، وهم التلاميذ وأطر التدريس.
لطالما كانت الدولة سباقة إلى مواجهة بعض الأمراض المعدية كالسل والأمراض الجلدية من داخل حجرات التعليم، حيث يتحول المعلمون إلى ممرضين، ويقومون على مضض بواجب طلاء أعين التلاميذ بـ«البوماضة» الصفراء الشهيرة لتجنب إصابتها بالرمد. وربما لا يوجد مواطن مغربي مر من المدرسة العمومية لم يختبر أول عقدة نفسية حادة في حياته، وهي تلك التي تتعلق بضحك زملائه وسخريتهم عند مغادرة المدرسة وفي عينيه بقايا «البوماضة» التي تشبه «بزاق الطيور».
كل الأجيال تحتفظ بالآثار المادية للشراكات التي أبرمتها وزارة الصحة مع وزارة التربية الوطنية، وأشهرها «الجلبة» التي تترك «وشما» لا يُزال من أذرع المواطنين تماما كوشم السجون في عالم العصابات.
واليوم، للأسف، عندما يعيب الإعلام على أطر الصحة وحتى أطر التعليم بعض التقصير الحاصل في أداء المهام المنوطة بهم، تخرج تنظيمات وتجمعات افتراضية لسب الجميع والدفاع عن المعنيين بلغة الخشب والإنشاء الخالي تماما من أي منطق.
يبدو أن هؤلاء فطنوا بشكل مغلوط إلى ما يسمى في الغرب السمعة الإلكترونية. ففي أغلب دول العالم تلجأ كل المؤسسات والتنظيمات، بل وحتى الشخصيات، إلى صناعة صورة إيجابية عن واجهتها افتراضيا، للمنافسة على أصوات الناخبين أو تلميع صورتها إعلاميا في كل الوسائط، وهذا طبعا حق مشروع للجميع.
لكن عندنا تحول الأمر إلى مزايدات فارغة وحرب افتراضية غير واقعية، أقل ما يمكن قوله عنها إنها وهمية. والخرجات الأخيرة لرئيس الحكومة السابق لا تخرج أبدا عن هذا الإطار، فالرجل رقص بمعنى الكلمة على مآسي المغاربة ويرغب في تأسيس سمعة طيبة لولايته افتراضيا على الأقل، ما دام عاجزا عن خوض هذه المعركة على أرض الواقع. فالرجل لم تعد لديه أجهزة ولا صفة لعقد التجمعات وممارسة التنكيت.
تخوف المواطنين من الأنفلونزا يتحكم فيه بشكل كبير هذا التشوه التنظيمي الذي تعرفه المؤسسات على مستوى التواصل. وأول دليل على هذا الشرخ هو ما وقع خلال الأسبوع الماضي من انفصام وتضاد بين تصريحي وزير الصحة والناطق الرسمي باسم الحكومة. فالأول أراد مواجهة تخوفات المواطنين المشروعة بنفي الأمر من أساسه، وهذا خطأ سياسي فظيع. والثاني عمل بمنطق «والله حتى نقولها» واعترف رسميا بوجود إصابات، ليترك الكرة لوزير الصحة من جديد ليقوم بما يفترض فيه أن يقوم به دون هذا الارتباك.

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى