
في كل موسم ديني أو اجتماعي، تُفتح دفاتر الشكوى، وتُرفع لافتات الاتهام ويعود مصطلح «العنف الاقتصادي ضد النساء» إلى الواجهة كما لو أنه اكتشاف حديث، مع أنه، في كثير من الأحيان، لا يعدو أن يكون مرآة مشروخة تعكس أعطاباً أعمق في بنية العلاقات الاجتماعية والاقتصادية داخل الأسرة. بين زوج متهم بالبخل، وزوجة تُقدَّم باعتبارها ضحية دائمة، تضيع الحقيقة في منطقة رمادية لا يجرؤ كثيرون على الاقتراب منها.
خلال شهر رمضان، على سبيل المثال، تتحول مائدة الإفطار من طقس روحاني إلى ساحة محاسبة غير معلنة. يُقاس الحب بعدد الأطباق، وتُختزل الكرامة في جودة «الشباكية» ويُصبح الإنفاق معيار الرجولة الأول. أما في العيد فتبلغ المفارقة ذروتها حين تتحول «جلابة العيد» إلى وثيقة إثبات على صلاح الزوج أو فساده. فإذا عجز العامل البسيط عن توفيرها وُسم بالبخل، وربما وُضع في خانة «المُعنِّفين اقتصادياً»، دون كثير من التساؤل حول قدرته الفعلية على الإنفاق.
غير أن السردية السائدة تميل إلى التبسيط المخل: رجل يملك ويمنع وامرأة تُحرم وتُعاني. والحال أن الواقع أكثر تعقيداً بكثير. فالرجل الذي يُتهم اليوم بالبخل، قد يكون في الحقيقة ضحية ضغط اقتصادي خانق، يعمل ساعات طويلة مقابل أجر بالكاد يكفي لتغطية الأساسيات.. لكنه، في الخطاب العام، يُجرَّد من هذا السياق ويُختزل في صورة نمطية تُرضي الحاجة إلى إدانة واضحة وسريعة.
في المقابل يتم التعامل مع عجز بعض النساء عن الاستقلال الاقتصادي كمعطى ثابت لا يقبل النقاش. تُقدَّم ربة البيت، في كثير من الأحيان، ككائن خارج معادلة الإنتاج، رغم أن كثيرات يتمتعن بصحة وشباب يسمحان لهن بالعمل أو التعلم أو اكتساب مهارات. هنا يصبح السؤال مشروعاً: هل من العدل تحميل الرجل وحده عبء الإعالة في زمن تغيرت فيه شروط الحياة، أم أن الأمر يتعلق أيضاً بثقافة اجتماعية تُعيد إنتاج التبعية وتُجمّلها تحت مسميات مختلفة؟
المفارقة الساخرة أن الخطاب نفسه، الذي يُدين «العنف الاقتصادي»، قد يكرّس، دون وعي، شكلاً آخر من العنف الرمزي، حين يُصوّر المرأة ككائن قاصر اقتصاديا، غير قادرة على الفعل أو الاختيار. وهنا يتحول الدفاع عن الحقوق إلى إعادة إنتاج للوصاية، لكن هذه المرة بلغة حداثية أنيقة تطلق عليها مدربات التنمية البشرية بطاقة الاستحقاق الأنثوية.
لا يعني هذا، بطبيعة الحال، إنكار وجود حالات حقيقية من البخل المرضي أو التحكم المالي التعسفي، حيث يُستخدم المال أداة للهيمنة والإذلال. هذه الحالات موجودة، وهي تستحق النقاش والمعالجة القانونية والاجتماعية.. غير أن تعميمها وتحويلها إلى قاعدة تفسيرية لكل توتر مالي داخل الأسرة، يفرغ المفهوم من مضمونه ويجعله أقرب إلى شعار منه إلى أداة تحليل.
إن اختزال الإشكال في ثنائية «زوج ظالم» و«زوجة مظلومة» يُغفل عوامل بنيوية أعمق: ضعف التكوين، هشاشة سوق الشغل، غلاء المعيشة وثقافة استهلاكية تفرض معايير إنفاق تفوق بكثير إمكانيات الفئات المتوسطة والفقيرة. في هذا السياق يصبح الضغط على الرجل لتلبية توقعات اجتماعية متضخمة شكلاً من أشكال العنف المعكوس، وإن لم يُسمَّ كذلك.
ثم إن السؤال الأكثر إزعاجاً يظل معلقاً: لماذا لا يُطرح موضوع الاستقلال الاقتصادي للنساء بالحدة نفسها التي يُطرح بها موضوع «حقوقهن في الإنفاق»؟ لماذا يُنظر إلى مطالبة المرأة بالعمل أو التكوين كنوع من القسوة، فيما تعتبر مطالبة الرجل بالمزيد من الإنفاق أمراً بديهياً؟ أليست الشراكة الحقيقية تقتضي تقاسم الأعباء كما تُقتسم الحقوق؟
ربما يكمن الخلل في تصور تقليدي متجدد، يُريد للرجل أن يبقى مُعيلًا مطلقاً، وللمرأة أن تبقى مُعالة بشكل دائم، مع تحديث شكلي في الخطاب دون مساس بجوهر العلاقة. وهكذا نجد أنفسنا أمام معادلة عبثية: رجل مطالب بأن يكون «سخيًّا» مهما كانت ظروفه، وامرأة يُطلب منها أن تكون «مستحقة» لهذا السخاء دون مساءلة.
لا يتعلق الأمر بالدفاع عن طرف ضد آخر، بل بمحاولة تفكيك خطاب مريح ظاهرياً، لكنه يخفي الكثير من التناقضات. فالعنف الاقتصادي ليس دائماً ما يُقال لنا إنه كذلك، وقد يكون أحياناً نتيجة مباشرة لعجز جماعي عن إعادة تعريف الأدوار داخل الأسرة بما يتلاءم مع واقع متغير. وبين جلابة العيد ومائدة رمضان، تستمر الحكاية التي نخشى أن تكتب نهايتها التداعيات الاقتصادية الكارثية لاستمرار إغلاق مضيق هرمز. فبينما تطالب النساء بـ«حق الملح» مقابل خدماتهن الجليلة في المطبخ طيلة الشهر الكريم، يحق للرجال كذلك المطالبة بحق «المازوط».





