
يونس جنوحي
عندما لازم السفير محمد التازي، الملك الحسن الثاني، في سنوات حكمه الأولى، أصبح شاهدا فريدا على مجموعة من المحطات التي مرت منها العلاقات المغربية- الجزائرية، خلال الفترة القصيرة التي كان فيها الرئيس أحمد بن بلة في هرم السلطة، قبل أن ينقلب عليه الهواري بومدين.. وبقية القصة معروفة.
كان التازي شاهدا على اتفاق وقف إطلاق النار بين البلدين، في باماكو، بعد حرب الرمال التي اندلعت بداية أكتوبر 1964.
وهنا، في أوراقه الشخصية دائما، يحكي لنا السفير محمد التازي، وهو وقتها موظف في السلك الدبلوماسي تم استدعاؤه على عجل من سفارة المغرب في لبنان، كواليس إصدار البلاغ الذي تلا الصلح في باماكو.
يقول:
«اجتمع الإمبراطور هيلا سيلاسي الأول إمبراطور إثيوبيا، والملك الحسن الثاني، ملك المغرب، والرئيس أحمد بنبلا رئيس الجمهورية الجزائرية، والرئيس موديبو كيتا رئيس جمهورية مالي، بهدف إيجاد حل للخلاف القائم بين الدولتين الشقيقتين المملكة المغربية والجمهورية الجزائرية، وقد عقد المؤتمر برئاسة الإمبراطور هيلا سيلاسي، وقرر رؤساء الدول الإفريقية الأربع في هذه المحادثات:
أولا، اعتبارا من ساعة الصفر يوم 2 نوفمبر 1963.
ثانيا، تقوم لجنة مؤلفة من ضباط مغربيين وجزائريين، وإثيوبيين وماليين بتحديد المنطقة التي تنسحب القوات المشتبكة خارجها، ويقوم المراقبون الإثيوبيون والماليون بالسهر على أمن هذه المنطقة وعلى حيادها العسكري.
ثالثا، عقد اجتماع عاجل وفي أقرب وقت ممكن لوزراء خارجية الدول الإفريقية التابعة لمنظمة الوحدة الإفريقية لتشكيل لجنة تحكيم خاصة في أديس أبابا وتكون مهمتها:
-تحديد المسؤوليات الخاصة ببدء الاشتباكات بين الجانبين.
-دراسة مشكلة الحدود وتقدير اقتراحات إيجابية للطرفين لحل الخلاف نهائيا.
-قرر رؤساء الدول الأربع نتيجة لذلك :
أ- وقف الجزائر والمغرب لكل حملات الدعاية بالإذاعة وبالصحف، ابتداء من ساعة الصفر 1 نوفمبر منتصف الليل 31 أكتوبر.
ب- المراقبة الشديدة لمبدأ عدم التدخل في شؤون الدول،
ج- حل كل الخلافات التي تنشب بين الدول الإفريقية بطريق المفاوضات».
أبرم هذا الاتفاق، الإفريقي، في وقت فشلت الجامعة العربية فشلا ذريعا، بسبب الدسائس والتآمر، في الوصول إلى اتفاق. فقد حكى التازي كيف أنه عاد أدراجه من مصر رفقة الوزير الأول باحنيني الذي كان على رأس الوفد المغربي بأمر من الملك الحسن الثاني، من القاهرة بعد صدور بلاغ الجامعة العربية المتحامل على المغرب في حرب الرمال.. وهو ما اعتُبر وقتها انحيازا واضحا من جمال عبد الناصر إلى بومدين، وتسرعا لاتهام المغرب..
يعلق التازي على البلاغ الإفريقي:
«ويعلل السيد عبد الخالق حسونة، الأمين العام للجامعة العربية، عدم نجاح الوساطة العربية في تصريح له بعد عودته من المغرب على رأس وفد للوساطة بين البلدين بأنه خلال وجود الوفد العربي في مراكش، أبلغه السيد أحمد بلا فريج وزير خارجية المغرب، أنه تم الاتفاق على عقد اجتماع في باماكو، وأن مثل هذا الاجتماع هو ما كانت تهدف إليه الجامعة العربية داخل النطاق العربي، ولم يشر السيد حسونة إلى ما صدر عن الاجتماع الذي قرر إرسال هذا الوفد إلى الجزائر والمغرب، من إدانة للمغرب، دون أن يسمع موقف المغرب، فما جدوى هذه الوساطة بعد الإدانة؟
وتلقى الرئيس بنبلا، بعد إبرام اتفاق باماكو، برقية من الرئيس جمال عبد الناصر جاء فيها: لقد أسعدنا جميعا أن تحل ذكرى عيد الثورة في نفس الساعات التي لاحت فيها من باماكو تباشير احتمالات حل سلمي للأزمة التي وقعت على حدود الجزائر.
وتضيف برقية الرئيس عبد الناصر: إن هذه الأزمة أضافت مرة أخرى بالتجربة الحية أصالة روح الثورة في الجزائر وقدرتها ولم يتم الاكتفاء بهذا الدعم المعنوي الذي سبقه دعم مادي، بل أعقبه إرسال وفد لتهنئة الجزائر يتكون من السادة: حسين الشافعي نائب رئيس الجمهورية العربية المتحدة، ووفد عسكري برئاسة الفريق علي عامر رئيس أركان القوات المسلحة.
كانت أهداف السياسة الجزائرية هي خلق أمر واقع في منطقة الاشتباكات باعتبارها الحدود الفاصلة بين ما هو أرض جزائرية وما هو أرض مغربية.
وحتى بعد اتفاق باماكو فإن الجزائر كانت تطالب بجلاء القوات المغربية عن حاسي بيضا وتينجوب اللتين دخلتهما القوات الجزائرية في عملياتها الأولى وأجلتها القوات المغربية عنهما. وانتهت المغامرة الجزائرية بالفشل، وكانت منطلقا للصراع الذي أطاح بالرئيس بنبلا بعد ذلك بشهور معدودة، وما تزال انعكاساته راسبة في الفكر الجزائري».





