عندما رد الملك الحسن الثاني على استغلال الجزائر للقضية الفلسطينية في حرب الصحراء

يونس جنوحي
كيف كان الحسن الثاني يُعد مبعوثيه إلى المحافل الدولية؟ السفير محمد التازي عاش كواليس استعدادات الملك الراحل لإيفاد من يمثله إلى اجتماعات الأمم المتحدة.. خصوصا في النصف الأخير من سبعينيات القرن الماضي، عندما كانت المواجهات على أشدها مع الجزائر.. ففي سنة 1978، كادت الأزمة تتحول إلى مواجهة عسكرية على الحدود. إذ أن الفترة ما بين 27 غشت و30 شتنبر من تلك السنة عرفت عمليتين عسكريتين أقدمت عليهما الجزائر، على مستوى المنطقة الحدودية مع المغرب.
يواصل التازي سرد وقائع تمثيل وزير الخارجية، الاستقلالي امحمد بوستة، للمغرب في نيويورك، في إطار مساعي بحث الحسن الثاني عن حل سياسي لردع هواري بومدين.
يقول التازي في مذكراته:
«وكانت توجيهات جلالته، التي أعطاها لوزيره امحمد بوستة قبل مغادرته المغرب إلى نيويورك، هي:
أولا: أن المغرب على استعداد للتعاون المثمر والبناء في نطاق المغرب العربي.
ثانيا: أن أي حل يطرح يجب ألا يتضمن مساسا بأي جزء من التراب المغربي.
ثالثا: أن أي حل يجب ألا يؤدي إلى خلق حدود أجنبية بين المغرب وموريتانيا.
في إطار هذه الثوابت يمكن للوزير أن يتحرك ويتصرف حسب اجتهاده.
عندما حوصرت الدبلوماسية الجزائرية التي كان على رأسها السيد عبد العزيز بوتفليقة، إفريقيا ودوليا، وتأكدت من اقتناع الرأي العام بالموقف المغربي، لجأت إلى انتهاج منحى آخر بعيدا عما يجري في المنطقة، فربطت بين التوتر فيها والقضية الفلسطينية، وكان ملفتا لنظر المتتبعين لما يجري في المنطقة ألا يجد الرئيس الجزائري مهربا من التزاماته للمغرب إلا الابتعاد عن منطقة المغرب العربي آلاف الكيلومترات فرارا من الواقع، إلى خلق متاهات سياسية أخرى.
فقد جاء في رده على رسالة جلالة الملك، أنه يتساءل هل لا يزال معقولا أن يربط اتصالا مباشرا مع جلالته لتصفية الجو السياسي بمنطقة المغرب العربي بعد المواقف المتناقضة التي اتخذها الطرفان، كل واحد على حدة، في ما يخص القضية الفلسطينية! فما العلاقة بين الاعتداءات الجزائرية على السيادة المغربية ومواقف البلدين من القضية الفلسطينية؟
ويعقب جلالته، رضوان الله عليه، على هذا الموقف الغريب بقوله:
هل الحوار بيننا عن التوتر في منطقتنا لا يمر إلا عبر القضية الفلسطينية؟ ثم ما الموقف الذي اتخذه المغرب منفردا في القضية الفلسطينية؟ إن موقفنا واضح ومعلن، ولا يمر في سراديب المساومات الإقليمية والدولية، إننا متشبثون بقرارات مؤتمر الرباط عام 1974 التي فتحت الأبواب المغلقة أمام السعي إلى حل عادل قائم على حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة على أرضه وعاصمتها القدس بقيادة منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني، على عكس قرارات اللاءات الثلاثة المتخذة في قمة الخرطوم عام 1967.
لم يحد المغرب عن هذا الخط الذي أجمعت عليه الأمة العربية، وكان لجلالته بكل تواضع الفضل كله في إقناع الملك حسين رحمه الله بالاعتراف بمنظمة التحرير ممثلا شرعيا وحيدا للشعب الفلسطيني، بعد أن رفضت قمة الجزائر قبل ذلك بسنة الاعتراف للمنظمة بهذا الحق، بسبب الرفض الأردني. لم يحد المغرب عن هذا الخط، على عكس الجزائر التي انساقت مع أقلية عربية لا وزن لها ولا تأثير في تبني سياسة الرفض والصمود. وكشفت الأحداث أن الرفض كان مساومة وأن الصمود انهار في ذات نفسه، وبقيت أغلبية الدول العربية مع المغرب وفية لما التزمت به في قمة الرباط، ومع ذلك فإن جلالته استمر في موقفه مؤمنا بمعالجة التوتر في المنطقة بروح إيجابية لا يؤثر عليها تباين المواقف بالنسبة للقضايا العربية الأخرى.
موضوع آخر أثاره الرئيس الجزائري، في رده على رسالة جلالة الملك، هو حرصه على تأكيد تمسك الجزائر بمعاهدة إفران، وهي المعاهدة التي كان محتواها دليلا على حسن نية جلالته، وعلى قدرته الخارقة على التحكم في عواطفه، وعلى إيثاره لمصلحة منطقة المغرب العربي على مصالح وطنه، باعتبارها إطارا قادرا على إيجاد تسوية شاملة لخلافات الحدود وعلى وضع أسس لتعاون اقتصادي مشترك لصالح المغاربة والجزائريين، وشعوب منطقة المغرب العربي. وقبل التوقيع على المعاهدة، تلقى جلالته من العقيد هواري بومدين جميع الضمانات والتأكيدات بمساعدة المغرب على استكمال وحدته الترابية واستعادة ما تبقى من أجزائه المغتصبة، وفي طليعتها الصحراء الغربية».





