
يونس جنوحي
لم يكن انشغال مولاي المهدي العلوي بالقضية الفلسطينية محصورا في حضور المؤتمرات والندوات في الدول الأوروبية.. فقد عاش تجارب ميدانية حصرية، عند خط التماس في عز الصراع العربي- الإسرائيلي.. وهو ما جعله يراكم تجربة فريدة، ويحظى بعلاقات وطيدة مع القيادات الفلسطينية.
يحكي العلوي، في هذه المذكرات، عن علاقته بقيادات حركة التحرير الفلسطينية، ونشاطه الحقوقي والنضالي خلال فترة ثمانينيات القرن الماضي:
«.. وقد دعيت من طرف الإخوة في حركة «فتح» لزيارتهم في الأردن، واستقبلت حينها من طرف الإخوة القياديين بمعية صحافي من جريدة الحزب الشيوعي الفرنسي L’Humanité وصحافية من Jeune Afrique اللذين انتدبا لمعاينة عملية ميدانية في الحدود بين الأردن وإسرائيل».
وخرجت من زيارتي بانطباع سيئ عما شاهدت وأنا في الأردن. فما كان يحدث آنذاك ينذر بعاصفة قادمة بين الأردنيين والفلسطينيين. وهذا ما حصل لاحقا في ما سمي بأيلول الأسود سنة 1970.
كنا في الشوارع، ونحن في السيارة، عرضة لتوقيفات ومساءلات متكررة، إما من الشرطة الأردنية أو من القيمين على الحواجز التي تقيمها التنظيمات الفلسطينية داخل عمان. ومن الأمور التي شاهدتها عيانا أن ملصقات تحمل صور قادة الحركة الشيوعيين كماركس ولينين وستالين وغيفارا، تُلصق على حيطان المساجد التي تقيم المنظمات اليسارية أمامها تجمعات بعد صلاة كل جمعة، وهذا السلوك هو، في حقيقته، استفزاز للمشاعر، واختلاق لعداوة تأصلت بين الفلسطينيين والقيادة الأردنية، وكان من نتائجها الحرب التي اندلعت بين الطرفين سبتمبر / أيلول 1970، والتي كانت مأساة للشعب العربي ولحركة التحرير الفلسطينية.
وبحكم علاقات الود التي تربطني بقادة عدد من التنظيمات، دعيت من قبل منظمة التحرير الفلسطينية لحضور أشغال الدورة الاستثنائية للمجلس الوطني الفلسطيني أواخر شهر غشت 1970، التي كانت قد عُقدت، لأول مرة، في عمان قبيل مأساة «أيلول الأسود»، فكانت فرصة للتواصل مع عدد من ممثلي الأحزاب والتنظيمات والشخصيات المستقلة الداعمة لحقوق الشعب الفلسطيني، إلى جانب وفد الجمعية المغربية لمساندة الكفاح الفلسطيني، برئاسة سيدي بوبكر القادري، رحمه الله.
قبل هذه الرحلة، كنتُ قد انطلقتُ في رحلة أخرى إلى رومانيا لتمثيل الحزب في أشغال مؤتمر الحزب الشيوعي الروماني، حيث كنتُ حريصا على أن ألتقي بعدد من القيادات الحزبية الصديقة، بقدر حرصي على الاجتماع بالأحزاب التي تتعاطف مع الأطروحة الجزائرية المساندة للبوليساريو لتوضيح الأمر، مما أزعج ممثل الجزائر السيد محمد يزيد وقد كان يجلس بجانبي ونحن ننصت لخطاب الديكتاتور «تشاوشيسكو»، الذي دام قُرابة ثلاث ساعات، تمت مقاطعته خلالها بـ«جوقة التصفيقات» لأكثر من مائة مرة على الأقل، مما منحني الانطباع، حينها، بأننا إزاء سيف مسلط على رقاب الرومانيين، لابد من أن يأتي يوم ليردوه على صاحبه.
معاركي الشخصية في الدفاع عن القضية الفلسطينية يعرفها من جايلتهم من مسؤوليها الكبار وفي طليعتهم المجاهد الشهيد ياسر عرفات رحمه الله، ويشهد بها أيضا الأصدقاء الذين حضروا معي بعض أطوارها في نيويورك، إبان تمثيلي لبلدي في هيئة الأمم المتحدة».
هنا، يستحضر مولاي المهدي العلوي واحدة من المعارك التي خاضها بنفسه دفاعا عن القضية الفلسطينية، عندما عينه الملك الراحل الحسن الثاني -بعد عودته إلى المغرب وانخراط حزب عبد الرحيم بوعبيد في الحياة السياسية خلال بداية الثمانينيات- في مهمة لدى مجلس الأمن. يقول:
«وهنا أذكر إحدى معاركنا في مجلس الأمن حين طرحتُ مشروع قرار على مجلس الأمن لإدانة الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على المسجد الأقصى، وكان يمثل الجانب الإسرائيلي سفيرهم لدى هيئة الأمم المتحدة رئيس الوزراء الحالي «بينيامين نتانياهو».
طرحت الموضوع على الملك الحسن الثاني، بعد أن كنت قد حشدت التأييد للمشروع، وتناولت الكلمة في الجلسة، ولاحظت أن ممثل إسرائيل كان يتحدث بصوت عال للتشويش على كلمتي، فتوقفت هُنيهة، حتى يستتب الصمت، فأواصل كلامي، وقد كنت متأكدا من أن معي 14 صوتا من مجلس الأمن لصالح مشروع القرار، مقابل الصوت الأمريكي الذي كان سيلجأ حتما للفيتو .
في هذه اللحظة، أتى من يطلبني من مساعديّ، فاستأذنت بالغياب للحظات لأرد على الهاتف، فإذا بي أجد نفسي مع الملك الحسن الثاني، الذي قال لي إن الرئيس الأمريكي «رونالد ريغان» ووزير خارجيته «جورج شولتز»، أبلغاه رسالة مفادها أنهم يطلبون إرجاء التصويت على مشروع القرار لثلاثة أو أربعة أيام، فنبهني إلى أنه إذا كنت متأكدا من صمود من معي من الأعضاء، فيمكنني المضي قُدما في الأمر، وإذا لم يكن كذلك، فعلي أن أمنح نفسي فرصة لتعزيز موقفي.
أكدت للملك موقفي، فرد عليّ بالقول: «اللَّه يعاونك». وكان أن صُوّت بالفعل لفائدة القرار بـ14 صوتا، ليلجأ ممثل الولايات المتحدة الأمريكية للفيتو، مما اعتبر، حينها، نجاحا للدبلوماسية المغربية والعربية، استحق تهنئة خاصة من الوفد الأمريكي، الذي أثنى، بالخصوص، على منهجية تحضير مشروع القرار».





