
في سابقة لافتة، مرّ اللقاء الصحفي الأخير للرئيس الجزائري عبد المجيد تبون دون أن يعرّج، ولو عرضاً، على ذكر المغرب، وخاصة ملف الصحراء المغربية، ذلك الملف الذي ظلّ لعقود حاضراً بقوة في كل خطاب رسمي جزائري، ومُستعملاً كورقة سياسية وإيديولوجية داخلية وخارجية.
صمتُ الرئيس الجزائري لا يمكن اعتباره عفوياً، بقدر ما يوحي بوجود ترتيبات دبلوماسية دقيقة، خاصة مع انطلاق جولة مشاورات جديدة بمدريد تحت إشراف الولايات المتحدة الأمريكية، حيث تعود القضية إلى واجهة النقاش الدولي بمرجعيات مختلفة عمّا اعتادته الجزائر.
حكام الجزائر وصلوا إلى حقيقة مفادها أن أسطوانة «تقرير المصير»، التي يرددونها في كل مناسبة، أصبحت مشروخة، ولم تعد تقنع أحدا، خاصة بعدما حسم المغرب ملف وحدته الترابية منذ نهاية شهر أكتوبر الماضي، عندما صوت مجلس الأمن، بدعم من القوى العظمى، على اعتبار مبادرة الحكم الذاتي هي الأساس الوحيد لحل الملف تحت السيادة المغربية.
تبون بدا مرتبكا بدون بوصلة في خرجته الأخيرة، فبدأ يوزّع رسائل ودّ وغزل على السعودية وقطر والكويت ومصر، وبالمقابل هاجم دولة الإمارات العربية المتحدة، التي وصفها بـ«الدويلة» التي تتدخل في الشؤون الداخلية للجزائر، لكنه رفض التعليق على العلاقات المتوترة بين بلاده وفرنسا، كما تحدث عن دول الجوار متمثلة في موريتانيا ودوّل الساحل وليبيا، وتجنب الحديث نهائيا عن المغرب، ولذلك فإن أخطر ما في خطابه، لم يكن ما قاله، بل ما تجنّب قوله، فاستبعاد الحديث عن المغرب وعن قضية الصحراء، التي طالما شكلا محورا في كل خرجاته السابقة، لا يعني التراجع عنها، بل يعكس إدراكاً جزائرياً بأن الخطاب التقليدي لم يعد مقنعاً ولا مسموعاً دولياً.
كانت الجزائر تردد دائما أنها ليست طرفاً مباشراً في النزاع المفتعل حول الصحراء، لكن هذا الادعاء تنسفه نصوص قرارات مجلس الأمن نفسها، التي تذكر الجزائر بالاسم كطرف رابع في الموائد المستديرة، وتطالبها بالانخراط الجاد في المفاوضات.
وفي الوقت الذي وجه الملك محمد السادس دعوة للرئيس الجزائري، عبد المجيد تبون، لحوار أخوي صادق، بين المغرب والجزائر، من أجل تجاوز الخلافات، وبناء علاقات جديدة، تقوم على الثقة، وروابط الأخوة وحسن الجوار، اختارت دولة الجوار مرة أخرى خيار التصعيد الإعلامي والعسكري، كما وقع مؤخرا على الحدود المغربية- الجزائرية، من خلال إعدام مواطنين مغاربة أو محاولة استفزاز مغاربة بمحاولة السطو على أراضيهم، في خطوة للتغطية على الفشل الدبلوماسي لنظام العسكر.
ومقابل هذه الاستفزازات المتواصلة، يواصل المغرب، بثبات، نهجاً مختلفاً: لا عداء، ولا تصعيد ولا ارتهان للماضي، بل انخراط في مشاريع تنموية إفريقية كبرى، ورؤية استراتيجية تجعل من الصحراء جسراً للتكامل لا بؤرة للصراع، من قبيل فتح المجال أمام الدول الإفريقية للولوج إلى المحيط الأطلسي، وإقامة خط أنبوب الغاز الذي يمر عبر عدة دول، وغيرها من المبادرات التنموية.
وبين هذا الخيار وخيار الهروب إلى الأمام، يتّضح أن صمت تبون عن الصحراء المغربية هو تأكيد على فشل جزائري ذريع في توظيف هذا الملف لمهاجمة المغرب، واعترافا ضمنيا بأن المغالطات والهلوسات لم تعد تقنع أحداً.





