مدارس مغربية لم تبق منها إلا الأطلال
عندما كان التعليم المغربي شكلا من أشكال المقاومة

قبل أن يصير عضوا في مجلس الملك الراحل محمد الخامس، وقبل أن يصير وزيرا للأوقاف، كان العالم الكبير المختار السوسي مسكونا بالتنقيب في أرشيف المدارس العتيقة في منطقة سوس. الباحثون اليوم يعتبرونه أحد أوائل الذين كرّسوا سنوات من أعمارهم لوضع لائحة بأسماء المدارس التي كانت تؤطر أبناء المغاربة وتكونهم دينيا وعلميا أيضا.
من يتحمل، إذن، مسؤولية ضياع المدارس الكبرى التي كان لها دور كبير في تأطير الجيل الأول من المغاربة الذين اشتغلوا في الإدارات وأمسكوا زمام الأمور في البلاد مباشرة بعد الاستقلال؟
ثم لماذا تم إهمال تاريخ كامل لأدوار المدارس الأولى في المغرب، وتم التخلي عنها ببساطة كما لو أنها لم تُسهم في بناء المغرب؟ وقبل أن نتساءل متى تستعيد المدرسة المغربية أمجادها، يجب أن نتساءل، أولا، هل حقا نعرف المدرسة العمومية المغربية كفاية؟
يونس جنوحي
++++++++++++++++++++
«لوقش».. مدرسة منسية لا يعرفها أحد
هي مدرسة تأسست سنة 1753، أي قبل 269 سنة. اسمها مدرسة «لوقش» في تطوان، ولا تزال أنقاضها واقفة إلى اليوم شاهدة على مجد المدرسة المغربية.
قصة غريبة تحملها هذه المؤسسة التي تعتبر من أقدم المدارس المغربية. ورغم محاولات حثيثة للحفاظ عليها من الاندثار، إلا أن محاولات اغتيالها توالت خلال فترات متفرقة، وكادت أن تُهدم لتقوم مقامها عمارة تغتال تاريخ المدرسة المغربية. فهناك باحثون مغاربة، اليوم، يعتبرونها أقدم مدرسة مغربية بالإضافة إلى مدرسة أخرى في مدينة وجدة، مع اختلاف في السياق وظروف النشأة.
مدرسة «لوقش» تبقى نموذجا للمدرسة، بالمعنى العصري للمؤسسة، ورغم ذلك فإنها لم تحظ بما تستحق من اهتمام.
الباحثة نادية الرزيني شاركت بمساهمة في كتاب «مدرسة لوقش» الذي ألفه التهامي الوزاني، وهو أحد الغيورين على تاريخ مدينة تطوان وأحد أوائل الكتاب والصحافيين المغاربة على الإطلاق.
تقول في تقديم كتاب التهامي الوزاني الذي أعيد إصداره نظرا لأهمية البحث التاريخي الذي أجراه هذا الكاتب المغربي: «خلافا للمدارس التاريخية المشهورة بفاس ومكناس وسلا ومراكش، فإن مدرسة لوقش بنيت وسيرت بأموال الأوقاف الخاصة، ولم يمولها السلاطين. لقد بناها عامل تطوان محمد بن عمر لوقش خلال القرن الثامن عشر بجانب مسجد يحمل نفس الاسم وهو جامع لوقش. تم ذلك خلال فترة تاريخية مضطربة من تاريخ المغرب، إثر وفاة السلطان مولاي إسماعيل الذي حكم المغرب من 1757 إلى 1790 وفرار محمد لوقش إلى ضريح المولى عبد السلام بن المشيش بعد أن تم اعتقاله. إلا أن عائلة لوقش ما زالت إلى يومنا هذا (الكتاب صدر سنة 2002) معدودة ضمن أعيان المدينة.
..هناك أسئلة عديدة بدون جواب يطرحها التفكير الملح في تحويل المدرسة إلى قيسارية. فمن سيستفيد من مداخيل بيع أو كراء حوانيت القيسارية».
كان هذا السيناريو الذي شغل الغيورين على تاريخ مدينة تطوان أسوأ ما يمكن توقعه. وقد نجت منه المدرسة بأعجوبة، رغم أن وضعيتها لا تسر أحدا، وكانت هناك مطالب بترميمها وإعادتها إلى «الخِدمة» لكي تواصل دورها الذي بُنيت لأجله منذ ثلاثة قرون تقريبا.
مثال هذه المدرسة المغربية يبقى شجرة تخفي غابة من أسماء وأنقاش مدارس متخلى عنها، لعبت دورا كبيرا في الحياة العامة المغربية.
وبدل أن تصبح بنايات تاريخية تحفظ طاولات ومكاتب بأسماء من مروا بها، تحولت إلى أنقاض أو مكتبات صغيرة في أفضل الحالات، وأطلال مهجورة مأسوف عليها. متى، إذن، يُعاد الاعتبار إلى تاريخ المدرسة العمومية في المغرب؟
وجوه أسست المدرسة المغربية وغادرت التجربة مبكرا
هناك نماذج مغربية سرقتها السياسة من مجال التدريس. لن نُعدم أمثلة هنا، فعشرات الأسماء التي ساهمت في بداية انطلاقة المدرسة المغربية «سرقتها» السياسة.
أول هؤلاء نجد المهدي بن بركة وعبد الهادي بوطالب. كلاهما كان من الأطر الأولى في التعليم بالمغرب. الأول، أي بن بركة، كان خريجا للمدرسة الفرنسية في الرياضيات العصرية، ورغم انشغالاته السياسية المبكرة، فقد التقطه الملك الراحل محمد الخامس منذ بداية أربعينيات القرن الماضي، لكي يشرف على تدريس ولي العهد الأمير مولاي الحسن في المدرسة المولوية التي كانت تجربة استثنائية برعاية من الملك الراحل محمد الخامس. أما عبد الهادي بوطالب فكان خريجا من أبرز خريجي القرويين والتقطه الملك الراحل على هذا الأساس، في نفس فترة اختيار المهدي بن بركة، لكي يكونا معا على رأس قائمة من تكلفوا بإعداد وتدريس ولي العهد.
كان المهدي بن بركة من أوائل المغاربة الذين برعوا في الرياضيات وتفوق على الخريجين الفرنسيين الذين كانوا يعيشون في المغرب. أما عبد الهادي بوطالب فكان على رأس خريجي القرويين وتم الاحتفاء به وبتفوقه في حفل كان يسمى «سلطان الطلبة»، وألقى كلمة فيه بالمناسبة، بحضور السلطان محمد بن يوسف.
عبد الرحيم بوعبيد كان أيضا يُدرس أبناء المغاربة في سلا، وكان من التربويين الأوائل الذين تعرضوا للتضييق. والسبب هو مضمون الدروس التي يلقنها لتلاميذه، والتي لا توافق توصيات الإقامة العامة الفرنسية، خصوصا الدروس التي تتعلق بالقضية المغربية وظروف توقيع معاهدة الحماية.
كان عبد الرحيم بوعبيد من الذين جيشوا تلاميذهم للانخراط في المظاهرات المناهضة للاستعمار. إذ برز دور هذه المدارس منذ أحداث الظهير البربري سنة 1933، حيث انطلقت المظاهرات في سلا رافضة السياسة الفرنسية في المغرب.
لكن السياسة سرقت بوعبيد بدوره، ولم يواصل مسار التدريس وتفرغ للعمل السياسي مبكرا، خصوصا وأنه كان مشاركا في أول تجربة حكومية مغربية على الإطلاق وأمسك زمام وزارة واعدة هي وزارة الاقتصاد.
كما أن المحاماة سرقت عبد الرحيم بوعبيد من التدريس، وزاولها بالموازاة مع مهامه في حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية الذي ورثه عن كل من المهدي بن بركة وعبد الله إبراهيم.
هذا الأخير، الذي استطاع أن يُعيد نفسه إلى التدريس، وينخرط في التدريس الجامعي هربا من قيظ السياسة الحارق، خصوصا بعد «إجهاض» تجربة حكومته سنة 1959، ثم مغادرته بعدها للساحة السياسية.
هذه الهجرة «العكسية» التي قام بها عبد الله إبراهيم جعلته يصبح من أعمدة التدريس الجامعي، خصوصا وأنه أشرف على أطروحات مهمة لأكثر من أربعة أجيال من الطلبة المغاربة.
بعد ذلك، جاء جيل آخر من تلاميذ هؤلاء الوطنيين واشتغلوا بالتدريس قبل أن تبتلعهم السياسة بدورهم. ومن هؤلاء نذكر الاتحادي عبد الواحد الراضي، الذي كان منذ بداية السبعينيات أستاذا جامعيا في الرباط في تخصص علم النفس، حيث تخرج من فرنسا وجاء للمساهمة في تأسيس الجامعة العصرية المغربية، قبل أن تسرقه السياسة بدوره، خصوصا وأنه كان من أوائل البرلمانيين المغاربة منذ تأسيس البرلمان سنة 1963.
أما عبد الكريم مطيع، مؤسس الشبيبة الإسلامية، فكان من أوائل المفتشين المغاربة، وناشطا سابقا في الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، قبل أن يغير أفكاره ويتأثر بالحركات الإسلامية ويؤسس مع آخرين أولى تجارب الإسلام السياسي ويصبح معارضا ويغادر المغرب هربا من حكم بالإعدام على خلفية ملف اغتيال النقابي عمر بنجلون، والذي لا يزال ملفه غامضا إلى اليوم. ولم يعد مطيع إلى اليوم، حيث يقيم حاليا في بريطانيا. وهكذا انتهت تجربته في التعليم بعد أن كان من أوائل مؤسسي النواة الأولى للمفتشين المغاربة، حيث عمل مع «بوكماخ»، صاحب أشهر مقرر دراسي مغربي، في إنشاء وتأليف وتنقيح محتوى المقررات الدراسية المغربية.
«مدارسنا» قبل قرن.. شهادة نادرة لمعنينو تحكي قصة البداية
في العام 1983، كتب أحمد معنينو، أحد زعماء الحركة الوطنية وقيدومي مؤسسي الشورى والاستقلال، عن قصة بداية المدارس الحرة في المغرب، خصوصا أن هذه الأخيرة تُعتبر أول خطوة للوطنيين المغاربة لمواجهة المدارس الفرنسية التي بدأ أعيان المغرب يُرسلون أبناءهم إليها.
ذكر معنينو في مقاله ما يلي:
«وللتاريخ أسجل أن أول مدرسة حرة أسست لهذه الغاية السامية هي المدرسة المعطوية برباط الفتح، تحت إدارة ومسؤولية الأستاذ أبي الشعور السلفي الشهير محمد اليماني الناصري دفين البقيع الشريف سنة 1919 بالضبط ولا تزال هذه المؤسسة الحرة الكريمة تؤدي رسالتها حتى اليوم وعقبها مباشرة فتحت مدرسة حرة ثانية بدرب الزهراء، الزاوية الحراقية برئاسته أيضا، كما أسس في نفس التاريخ مدرسة حرة ثانية بالبيضاء عن الاسم الكريم للمتطوع بها وسنة 1920 تأسست مدرسة حرة بالزاوية الكتانية بالرباط تحت إدارة الخطيب المصقع الأستاذ الصديق الشدادي رحمه الله ثم تبعتها مدرسة أخرى تحت إدارة وإشراف العلامة الرغاي، ومن هذه المؤسسة الحرة الأولى تخرج الفوج الأول من رجال الوطنية، كالشيخ محمد المكي الناصري، والأستاذ أحمد بلافريج، والأستاذ محمد الرشيد ملين وغيرهم كثير، وفي سنة 1921، فتحت أول مدرسة حرة بمدينة سلا بحي درب لعلو، جوار زاوية سيدي الهاشمي الطالب بإدارة العلامة زين العابدين بن عبود، والعلامة شيخ الجماعة سيدي أحمد بن عبد النبي ومنها تخرجت الأفواج الأولى للوطنيين كأخينا محمد حصار وأخينا حجي وغيرهم كثير، وتطوع لها مسلم غيور بدار من دوره حبسها، فأصبحت مدرسة حرة بمنزل قار، هذا المسلم الكريم أحمد الصابونجي القيم على صنع السكة العزيزية، والدار لا تزال تحتاج اليوم للترميم والإصلاح لتؤدي رسالتها التاريخية».
الأكثر من هذا، يضيف معنينو:
«كما أعلم أنه في سنة 1923 تأسست بفاس مدرسة حرة تحت إدارة شيخ الجماعة العلامة بن محمد بن عبد الرحمن العراقي مدرسة حرة ثانية بالزاوية الناصرية تحت إدارة أخينا الأستاذ محمد غازي رحم الله الجميع.
وتأسست المدرسة الأهلية بتطوان تحت إدارة أخينا العلامة محمد داود سنة 1924 أطال الله حياته.
هذه المؤسسات الحرة التي ذكرت هي التي حصلت على تاريخ تأسيسها وأسماء مؤسسيها، وذكرتها بالاسم واللقب والعين، ومن الممكن، وغير بعيد أن غيرها من المؤسسات الأولى بالمغرب لا أعرفها، فالرجاء التسامح، والعفو من رجالاتها لأنني لم أذكرها، ولم أتعرف عليها وهي حرية بالذكر والإشهار والتنويه، فمعذرة لأصحابها والعذر عند كرام الناس مقبول.
خصصت ذكرى هاته المؤسسات في العشرينات وما كانت 1927 تحل حتى انتقل لرضى الله ورضوانه جلالة السلطان المعظم المولى يوسف، قدس الله سره وأعلن حالا بخلفه ووارث سره ولده المعظم الملك المتوج بتاج الروح الإسلامية والنخوة العربية محمد الخامس طيب الله ضريحه ملكا على المغرب العزيز، وبعد يومين من بيعته سجل خطابه القيم للتاريخ، حيث وعد فيه الأمة المغربية بصيانة أمجادها، وإحياء معالمها والحفاظ على لغتها ودينها (..) وعندما صدر ظهير 16 ماي 1930 ظهر بوضوح ما يخبئه الاستعمار من المكائد والمصائد، هذه الصيحة التي أيقظت من القبول حينئذ شمر المغاربة على ساق واحد واعتلى منصة الدعوة الراعي الأمين، فأسست المئات من المدارس الحرة الابتدائية بكل جهات المغرب لتكتسي شعارات العناية والرعاية الملكية، فبرزت المدرسة المحمدية، والمدرسة الحسنية، والمدرسة العبدلاوية، ومدرسة الأميرة عائشة، وأصبحت الشهادة الابتدائية تصول وتجول، ولم تمر إلا أعوام قلائل، وأصبح التفكير في إنشاء المدرسة الثانوية لمتابعة السير، ورفع المستوى، والتاريخ الحق يعطي الأسبقية للرباط العاصمة فيها سجل محمد الخامس المؤسسة الثانوية الأولى باسمه الكريم مدارس محمد الخامس هي الأولى في الثانويات الحرة بالمغرب، هذا كل ما في علمي، وبعدها تتابعت المؤسسات بالثانويات الحرة بكافة أرجاء المغرب».
المختار السوسي.. عراب التنقيب في ركام مدارس «زمان»
قبل أن يصير عضوا في مجلس الملك الراحل محمد الخامس، وقبل أن يصير وزيرا للأوقاف، كان العالم الكبير المختار السوسي، مسكونا بالتنقيب في أرشيف المدارس العتيقة في منطقة سوس. الباحثون اليوم يعتبرونه أحد أوائل الذين كرّسوا سنوات من أعمارهم لوضع لائحة بأسماء المدارس التي كانت تؤطر أبناء المغاربة وتكونهم دينيا وعلميا أيضا.
النتيجة أن المختار السوسي ترك خلفه إرثا مثل مرجع «المعسول» الذي ضم أسماء علماء ساهموا في بناء مدارس عمرت لقرون في منطقة سوس ونواحيها وكان لها الفضل في الرقي بالمدرسة المغربية قبل الاستعمار. إذ أن المختار السوسي جمع أرشيف قرون خلت، ووثق لأسماء المناطق والمدارس وأبرز من مروا بها والمواد التي درسوها لمئات طلبة العلم الذين صاروا في ما بعدُ علماء.
وبفضل تنقيب و«حفريات» المختار السوسي، انتبه علماء الشرق إلى ما كان يجري في المغرب من «ثورة» في عالم المدارس، وبدأ المشارقة في التوافد على المغرب للتفقه والاطلاع على المراجع المغربية.
من بين ما يُروى عن المختار السوسي، أنه كان أيضا مهتما بجمع قصص يوميات المدارس المغربية قديما وطرائف ونوادر العلماء والأساتذة مع تلاميذهم.
لذلك كان المختار السوسي سنة 1955، أحد أوائل الذين أوحوا إلى الملك الراحل محمد الخامس بضرورة إحياء المدرسة المغربية بعد الاستقلال وعدم الاقتصار على المدارس النظامية التي تركتها فرنسا واقترحوا إنشاء «المدارس الإسلامية» التي كان من أبرزها وقتها المركز الإسلامي في مدينة تارودانت، والذي تخرج منه أطر في تدريس الفلسفة والفكر الإسلامي لاحقا، وكان أيضا من بين الخريجين أساتذة ساهموا في تأليف مقررات اللغة العربية في المدارس العمومية خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي.
بالعودة إلى المختار السوسي، فقد استفاد أيضا من تجارب العلماء من أصدقائه، وهو ما أشار إليه بنفسه في كتابه «حول مائدة الغذاء» معددا أسماء بعض العلماء الذين كان لهم فضل كبير في التزام أبناء المغاربة بالمدرسة واستكمالهم لطلب العلم.
كانت هناك حرب غير معلنة بين سوس وفاس، محورها جودة التعليم. إذ كان علماء منطقة سوس مضربا للمثل في الإحاطة بعلوم اللغة العربية والمتون، بينما كان علماء فاس يعتبرون أنفسهم علماء عربا، ويسهمون في تخريج دفعات من الخريجين الذين يلجون القضاء بل والدواوين الوزارية أيضا، في حين أن أبرز خريجي منطقة سوس كانوا يتناوبون على إدارة المدارس العتيقة وتلقين الأجيال الجديدة.
أرشيف العالم الكبير والفقيه المختار السوسي يبقى اليوم أحد أبرز «الأدلة» المرجعية للباحثين في تاريخ المدرسة المغربية، العتيقة والحديثة، بحكم أنه اشتغل على نماذج من المدارس وذكر حتى مصادر تمويلها. قبل أن تولد المدارس الحرة التي مولها الأعيان ومعارضو الوجود الفرنسي في المغرب، واستطاعوا بفضلها منذ 1940 تقريبا، أن يضعوا جدار صد أمام مد المدارس الفرنسية التي أشيع أنها كانت ترمي إلى قتل هوية المغاربة والتطبيع مع الاستعمار.
هؤلاء أول من كانوا وراء إطلاق «المدرسة المغربية»
عندما تتأمل تاريخ إنشاء المدارس في المغرب خلال فترة الحماية الفرنسية، لا يمكن إلا أن تخرج بخلاصة مفادها أن التعليم في المغرب بعد 1912 لم يكن سوى ساحة معركة لمواجهة فرنسا.
كانت هذه المدارس منذ بدايتها بديلا عن المدرسة العمومية المغربية وممهدا لها. حتى أن بعض الدراسات تقول إنه لولا المدارس الحرة لما انطلقت المدرسة العمومية المغربية سنة 1956 تلك الانطلاقة القوية التي كانت عليها. إذ أن الوزارة على عهد الوزير محمد الفاسي استفادت من أطر المدارس الحرة وخبراتهم في التعليم وأسست بفضلهم الجيل الأول لأسرة التعليم المغربية.
ذ. حمزة الأمين، أحد قيدومي المدارس الحرة التي أسسها الوطنيون المغاربة، في حوار سابق مع «الأخبار»:
«عندما بدأت فرنسا إنشاء المدارس العصرية بعد معاهدة الحماية، لاحظ الوطنيون أن الدولة الحامية بدأت تُهمل اللغة العربية في هذه المدارس، وقرروا إنشاء مدارس حُرة، أي أنها غير تابعة لفرنسا. لكن إنشاء هذه المدارس في الحقيقة كان بترخيص من فرنسا. وقد حاولت جمع معطيات في هذا الباب وسوف ألخصها كالتالي. المدارس المغربية الأولى الحرة أسست سنة 1928. ومن أوائل من فتحوا هذه المدارس نجد المدرسة الحرة لعبد الرحمن النتيفي في الدار البيضاء وهو أحد العلماء السلفيين المغاربة. وهي أول مدرسة حرة في المدينة. وأطلق عليها مدرسة السُّنة.
ثم أسس محمد بن عبد الله مدرسة حُرة بمدينة فاس، وأطلق عليها اسمه.
ومن بين أوائل من أسسوا هذه المدارس أيضا نجد الوزير أحمد بلافريج الذي كان وزيرا أول ووزيرا للخارجية بعد الاستقلال. إذ أنه في نهاية العشرينيات وبداية الثلاثينيات أسس مدرسة حرة في الرباط.
كان رواد الحركة الوطنية يدعمون بناء هذه المدارس وتأسيسها خصوصا في سياق سنة 1937 أي قبل أن تنقسم الحركة الوطنية. إذ أن الحس الوطني عندما كانت الكتلة الوطنية موحدة كان يدعم إنشاء المدارس حيث يتم جمع المساعدات لكراء المنازل وتحويلها إلى مدارس حرة مرخصة، أو اقتناءُ القطع الأرضية وبناؤها. حيث يحصلون على ترخيص من الإدارة الفرنسية وكان أيضا السلطان محمد بن يوسف يقدم مساعدات في هذا الباب. إذ أنه كان يأمر بمنح سنوية لهذه المدارس.
كان الآباء والأولياء يؤدون مبالغ رمزية، ومن لم يستطع الأداء يتم إعفاؤه.
أما لماذا سُميت «مدارس حرة»، فلأنها كانت غير خاضعة لمقررات الإدارة الفرنسية».
المدارس الحرة إذن لم تكن تسميتها تعني أنها «خاصة»، بل كانت تعني أنها مستقلة عن المدارس الفرنسية.
فهل كانت المدارس الفرنسية فعلا بذلك السوء الذي تحدث عنه الوطنيون المغاربة؟
إذ أن بعض المدارس الفرنسية، خصوصا في المدن الصغرى، كان لها فضل كبير في انتشال أبناء الفئات المعوزة ووفرت لهم تعليما عصريا لائقا، اندمجوا بفضله في وظائف إدارية راقية، وساهموا في شغل مناصب الوظيفة العمومية بعد الاستقلال، والتي كانت متأثرة جدا بالتجربة الفرنسية بل وامتدادا لها. وبفضل التعليم الفرنسي لأبناء المغاربة، جاء جيل جديد استطاعوا إتمام دراستهم في جامعات فرنسا، وشغلوا مناصب المحاماة والطب والتدريس، وكان أبرز هؤلاء الخريجين بعد سنة 1950، من مؤسسي الحركة الوطنية والعمل الحزبي والسياسي، أمثال امحمد بوستة وعبد الرحيم بوعبيد والمهدي بن بركة وآخرين..
هل كانت مدارس فرنسا فعلا «يدا بيضاء»؟
في مختلف مناطق المغرب تأسست المدارس الفرنسية. البعض أرسلوا أبناءهم إليها إما خوفا من الإدارة الفرنسية، خصوصا عندما تجند القياد والباشاوات لحشد أبناء المغاربة لكي ينخرطوا في تلك المدارس. وآخرون أرسلوا إليها أبناءهم عن سبق إصرار وترصد، فقد كانوا يريدون فعلا أن يكون أبناؤهم فرنسيي «الثقافة».
لكن أول تجربة لهذا النوع من المدارس، التي كان فيها قسم داخلي لتربية أبناء المغاربة تربية عصرية بعيدا عن منازل أسرهم، بالإضافة إلى تعليمهم القراءة والكتابة، هو «كوليج أزرو» الذي يعد أقدم نماذج المدارس الفرنسية في المغرب، والذي بُني في مكان استراتيجي في منطقة أزرو، على شاكلة المدارس الفرنسية التاريخية التي توضع دائما في أماكن بعيدة عن المدن ويصبح التلاميذ بداخلها معزولين تماما عن الحياة.
بناء على بحث للأستاذ محمد بن هلال صاحب كتاب « Le collège d’Azrou la formation d’une élite berbère civile et militaire au Maroc ».
يقول: «حددت التكميلية لنفسها ثلاثة أهداف، نشر اللغة الفرنسية في أزرو ومنطقتها، تعليم اللغة الفرنسية لعدد من أبناء القادة والأعيان في الأطلس المتوسط، وتدريبهم على الأساليب الفرنسية، تعليم بعض الشباب ليكونوا مخولين تسلم وظائف صغيرة مختلفة يحتاج إليها المستعمر في المنطقة البربرية. كانت أداة لخرق الجبال البربرية سياسيا. ركزت مديرية الشؤون السياسية التي كان لها سلطة عليها، على الأهمية السياسية لتدريب أبناء الأعيان البربر. إن هذا الهدف المعلن بوضوح يفسر إنشاءها في قلب المنطقة البربرية في الأطلس الداخلي. (..)
كان الهدف في بادئ الأمر إعداد أمناء للجمعية (المجلس المحلي)، لكنها أعدت أيضا مترجمين ليحلوا محل الموظفين الناطقين بالعربية الذين توظفهم الإدارة الفرنسية في المناطق البربرية. وكان هذا خيارا سياسيا متعمدا يهدف إلى عزل الجبل البربري بإبعاد الموظفين الناطقين بالعربية كلهم. وبنفس التصور أدخل حوالي عام 1935 تدريس العلوم الزراعية والحقوق، وكان الهدف منه إعداد قادة ومعلمين بربر للمستقبل. قدم الفرنسيون بتوفير التعليم الثانوي في أزرو تنازلا هاما، أملاه بشكل خاص همهم بتجنب إرسال النخبة البربرية إلى المدارس الثانوية المسلمة في الرباط وفاس».
المثير أن هذه المدرسة وُجهت لها لاحقا تهم بمحاولة التأثير على عقيدة أبناء المغاربة، لكن لم تصدر عن التلاميذ السابقين، الذين أصبحوا لاحقا أطرا في الإدارة والسياسة والجيش، أمثال المحجوبي أحرضان والجنرال أوفقير والكولونيل اعبابو وغيرهم كثيرين، أي إشارة إلى وجود تأثير أو تحريف للتربية الدينية، وتعاليم الدين الإسلامي للتلاميذ.
حاولت بعض الكتابات الاستعمارية إحاطة تجربة المدارس الداخلية الفرنسية بهالة تقديم خدمات لأبناء المغاربة وتكوين الأطر المغربية الأولى. بينما كان الوطنيون يتهمون «كوليج أزرو» بالعنصرية، وأن أساتذته كانوا يلقبون التلاميذ بـ«القردة».
خريجو أزرو التحقوا بثانوية مولاي يوسف الشهيرة في الرباط للحصول على شهادة الباكالوريا ومنهم من أصبحوا متفوقين في دراستهم الجامعية في فرنسا وعادوا إلى المغرب قبيل الاستقلال لكي يشغلوا مناصب مهمة في الإدارة العمومية.
بينما كانت تجارب مدارس أخرى، مثل المدارس الداخلية الفلاحية التي تخرج منها تقنيون مغاربة. ومدارس أخرى نواحي أزيلال ومراكش وفاس، كان خريجوها من المغاربة أوائل جيل الطيارين المغاربة والمهندسين والتقنيين الذين أسهموا في إمساك مناصب المسؤولية مباشرة بعد مارس 1955، تاريخ استقلال المغرب رسميا عن فرنسا. حتى أن هؤلاء الأطر كانوا الخزان الذي اعتمد عليه حزب الاستقلال، الذي كان يهيمن على المناصب الحكومية في حكومة بلافريج، لكي يروجوا لضرورة مغربة الإدارة والتخلص التام من الوجود الفرنسي في المنظومة المغربية وتعويض كل الموظفين بمغاربة.
وهكذا تبقى مسألة التدقيق في المدرسة المغربية والأشواط التي قطعتها ضرورة ملحة وليس ترفا معرفيا أو تاريخيا وحسب.






دراسة قيمة وبحث موضوعي يعد وثيقة لا غنى للباحث عنها، حبذا لو اتخذت مشروعا لتألبف موسوعي عن التعليم العربي الحر في المغرب في عهد الاستعمار الفرنسي وعلاقته بالحركة الوطنية والمقاومة