حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرأي

موت بالعرض البطيء

حسن البصري

قبل رحيله، سخر بيرنار طابي من الموت وقال: «أتمنى ألا تكون وفاتي في يوم الأحد، حتى لا أفسد على الرياضيين فرحتهم».
لكن ملك الموت زاره يوم الأحد، ضدا على رغبته، والناس منشغلون بهزيمة باريس سان جيرمان وريال مدريد وبرشلونة وأجاكس وأولمبيك مارسيليا، في يوم حصدت فيه الفرق الكبرى هزائم أدخلت جماهيرها في نوبة اكتئاب.
رحل بيرنارد طابي رجل الأعمال والسياسي الفرنسي والرئيس الأسبق لنادي أولمبيك مارسيليا، بعد صراع طويل مع السرطان. خسر الرجل معركته الأخيرة ضد خصم نادرا ما يهزم، بعد أن كان طابي قيد حياته يقاتل في أكثر من جبهة، ضد اليمين المتطرف وضد «فيفا» وضد محصلي الضرائب، وعلى امتداد مساره وقف في قفص الاتهام وصدرت في حقه أحكام، ولم يسلم من غارة لصوص على بيته وهو على بعد أمتار قليلة من خط النهاية.
عاش بيرنار حياته بين النجاح والإخفاق، لم يرض يوما بالتعادل وكان يفضل حسم مواقفه بضربات الترجيح حتى ولو كانت تحت الحزام. وعلى امتداد مساره السياسي والمهني والرياضي كان الرجل مثيرا للجدل صانعا للحدث، أسطورة من أساطير أولمبيك مارسيليا العريق.
إذا وضعت صورة طابي على غلاف صحيفة أو مجلة تحولت المطبوعة إلى «كرواصة» يصطف من أجلها الفرنسيون في طوابير، وإذا غابت صورته تنافست الصحف في الكشف عن مخبئه، لأنه مطلوب إعلاميا مريضا كان أو في قمة لياقته.
تروي فاليري تريرفيلر الصحافية السابقة في مجلة «باري ماتش» لقاءها مع بيرنار طابي. قالت إنه بالغ في السخرية من حزب الجبهة الوطنية اليميني المتطرف ومن فرانسوا ميتران ومن وزراء حكومته، وكان في حديثه يخلط السياسة بالرياضة بالاقتصاد، وينهل من قاموس كرة القدم، فالوزراء عنده متسللون والرئيس في حالة شرود ومارين لوبان تبحث عن رعاة لفريقها يروجون بضاعة الحقد.
بعد نشر الحوار اتصل طابي برئيس تحرير «باري ماتش»، وقال إن الصحافية تعاني من ضعف اللياقة وأنها حرفت أقواله، لكن اللجوء إلى تقنية «الفار» والعودة إلى التسجيل الصوتي برأ الصحافية التي أقسمت ألا تحاور رئيس فريق يحمل صفة سياسي. لقد كان طابي يردد دوما: «لماذا تشتري مجلة إذا كان بمقدورك شراء الصحافي؟».
من يشبهك يا طابي من رؤساء فرقنا الرياضية؟
من يسع محيط رأسه لثلاث قبعات، الرياضي والسياسي ورجل الأعمال؟
من يستطيع أن يمثل ثلاثة أدوار في مشهد واحد؟
هناك بعض النماذج المتناثرة هنا وهناك، لكن صبيبها من السياسة ضئيل وتعبئتها من المال مجهولة كشركاتها، وحضورها في عالم المال والأعمال لا يتجاوز الأدوار التمهيدية من المنافسات.
صحيح أن السياسة جسر نحو الثراء، وأن الرياضة نفق يختزل المسافة ويعفي من زحمة المواصلات، حين تنتاب المسير رغبة دخول البرلمان والجلوس في مدرجه بعد أن سئم الجلوس في منصات المسؤولين يحميه «بودي غارد» من غارات المشجعين.
يحتار المسير أحيانا بين حصانة برلمانية لا تتأثر بنبض الوضع السياسي، وحصانة رياضية تعيش تحت رحمة تقلبات المشهد الكروي، لكن في الحالتين معا يعيش الرجل حياة الوجاهة ويصبح صيدا ثمينا للصحافة.
لكن الفرق بين طابي فرنسا و«طابيات» المغرب أن الأول ضليع في علم السياسة فقيه في قوانين الرياضة وفلكي حين يتعلق الأمر بتقلبات أسواق التجارة، ناسك متعبد في ناديه لا يتردد في إلزام فريق عمله بأداء اليمين الدستورية قبل كل موسم كروي.
أما «طابيات» المغرب فغالبا ما يسقطون سهوا في ملاعب الكرة، يركبون صهوة نجاحات الفريق وفي الجموع العامة يصنفهم المنخرطون في خانة «الذين آمنوا ثم كفروا».
مات طابي في قصره كرئيس محنط، فيما فاز رئيس فريق مغربي بثلاث مباريات نهائية، ومات وهو يشارك في «قرعة» من صنف «دارت»، بعد أن أصبح مدمنا على سماع أغنية كوكب «الشر» ودارت الأيام.

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى