
يونس جنوحي
من النقاط السوداء في مسار الوزير المنبهي ترؤسه للجيش المغربي عند دخول مدينة تازة التي خرج إليها من فاس يوم 29 أبريل سنة 1903.
اتُهم المنبهي بسوء معاملة السكان، والتنكيل بالأهالي الذين كان متيقنا أنهم من أنصار «بوحمارة».. في حين أن سكان معظم القرى المحيطة بتازة كان «بوحمارة» فرض عليهم وجوده في نفوذهم الترابي، ولم يكونوا مخيرين بين الانضمام إليه أو الاصطفاف مع جيش السلطان الذي لم يكن موجودا حينها لحمايتهم عندما وصلت قوات «بوحمارة»..
وزير مشتت الذهن
كان الانتقام يحرك المنبهي أكثر مما يحركه واجبه السياسي والعسكري، باعتباره «العلاف الأكبر»، ووزير الحرب في دولة المولى عبد العزيز. لذلك بالغ، بشهادة مؤرخين مغاربة وأجانب، في قسوته على سكان تازة الذين كان ذنبهم الوحيد أن الحصن الذي يحتمي به «بوحمارة» كان موجودا في نفوذهم الترابي.
كان المنبهي متأكدا من أن عودته منهزما إلى فاس تعني نهايته السياسية. وهي نهاية لا تشبه نهائيا النهاية الإدارية الرسمية التي تبدأ بالإعفاء وتنتهي بحفل توديع. كان مُدركا أن النهاية بالنسبة له تعني إما أن يُمنع أصلا من دخول داره في فاس أو يُسجن فيها بتعليمات من الصدر الأعظم وبقية الوزراء الذين ناصبوه العداء.
لذلك كان بقاء المنبهي في السلطة مقترنا باعتقال «بوحمارة» والمجيء به مكبلا إلى فاس، ولم يكن هناك حل وسط.
في المقابل، ونحن نتحدث عن سياق ربيع سنة 1903، كان «بوحمارة» أكبر من مجرد ثائر، لقد أسس دولته ووزع مناصب حكومية على أتباعه، ومضى في اتجاه حصد اعتراف دولي بمملكته التي تمتد من الشرق وصولا إلى تازة، ولم يكن يفصل بينه وحلمه سوى حيازة العاصمة فاس، لتصبح عاصمة دولته.
توقف المهدي المنبهي عن مزاولة أي مهام رسمية في القصر الملكي منذ الأسبوع الثالث من شهر أبريل 1903، وهو ما تنص عليه مراسلة من أرشيف المفوضية البريطانية في طنجة الدولية. وهذه المراسلة الموجهة إلى لندن، والتي حملت تاريخ 23 أبريل من السنة نفسها، جاء فيها أن المنبهي منهمك في التحضير لحماية العاصمة فاس من التمرد، وأنه تأخر عن الرد على رسالة من الوزير المفوض البريطاني الذي طلب منه توضيحات بشأن الوجود الفرنسي في جنوب مدينة وجدة، ومدى صحة الأخبار التي وصلت إلى طنجة الدولية، والتي مفادها أن فرنسا دعمت الثائر «بوحمارة» بالسلاح. ولم يتمكن المنبهي من الرد، وعلقت المراسلة الموجهة إلى لندن على الأمر كالآتي: «الواضح أن المنبهي مشتت الذهن، ولم يرد على الرسالة الأولى التي وجهت له يوم 7 مارس، ولا الرسالة الثانية ليوم 28 من نفس الشهر، التي طلبنا منه فيها إيفادنا بجديد الأوضاع، ورغم أن الوزير المفوض أكد له دعمه الكامل له ومتمنياته بالتوفيق، ونقل تحياته الحارة إلى السلطان، إلا أن المنبهي لم يرد على أيّ منها».
مشاهد مرعبة
اتُهم المنبهي بالتنكيل بالقرويين، الذين كانوا يقيمون في خيام على مشارف تازة، والذين انقلبت حياتهم منذ سيطرة «بوحمارة» على الحصن التاريخي للمدينة. فمن جهة لم يكن «بوحمارة» يثق فيهم ويعتبرهم «شتاتا» من البدو المخلصين لفاس، والمؤمنين بكرامات أوليائها وعلمائها، ومن جهة أخرى يعتبر أنهم لا يصلحون أصلا للقتال وظلوا منبوذين على مشارف المدينة.
وبمجرد ما أن وصلت قوات المولى عبد العزيز، يترأسها المهدي المنبهي بلباسه الحربي الباذخ، حتى شرع الجنود في التنكيل بأولئك القرويين، وقتل منهم عدد كبير، بينما نساؤهم أصبحن أسيرات مهمتهن الطبخ للجنود. كانت تعليمات المهدي المنبهي تقضي باستدعاء القياد والشيوخ من القرى المجاورة لتازة، وفرض عليهم أن يتكلفوا بإطعام قوات الجيش التي حاصرت تازة تماما استعدادا لمهاجمة «بوحمارة». كان ربيع 1903 قاسيا، وسجلت فيه واحدة من أشد فترات الجفاف والمجاعة. وهكذا فإن تعليمات المهدي المنبهي، بخصوص إطعام الجيش، كانت غاية في القسوة.. الأهالي كانوا يتضورون جوعا، ولم يكن لديهم رأس مال آخر باستثناء رؤوس الأبقار والأغنام التي نجت من الهلاك بسبب الجفاف، وسُحبت منهم في الأخير لتصبح طعاما لقوات الجيش..
هذه «الحْركة» الأخيرة للمهدي المنبهي جعلت سكان «تازة» يرسمون في مخيلتهم وتاريخهم صورة دموية لهذا الوزير الذي كان يلعب ورقته الأخيرة.. فقد كان مدركا أن رأسه يعادل رأس «بوحمارة»، وأن بقاءه وزيرا نافذا يقتضي زوال غريم المْخزن.





