
رغم أن المرمى تطور كثيرا حتى صار على الشكل الذي نراه: قائم أيمن وأيسر وفوقهما عارضة وشبكة، فإنه بقي يحمل جينات الأصل البدائي لكرة القدم: المرمى، الهدف الذي نوجه نحوه الكرة كما نوجه السهام نحو الطريدة لتجري نحوه لتعلق في الشبكة أو تسقط في الحفرة أو يتلقاها أشداء متنكرون تحت الحشائش من أفراد القبيلة. هناك أشكال لا حد لها لتشكيل مرمى: حجرتان، عودان، شجرتان، ريدو متجر، مدخل زقاق. ما يهم دوما هو خلق مسافة محددة تمر منها الكرة، حتى تلك المسافة، وفي تاريخ الكرة السحيق، لم تكن تهم، وكان يتم الغش فيها، فرغم أن الفريقين يقيسان بالتساوي في بداية المقابلة طول مرمى كل واحد منها، فإن الحارس يمكنه أن يقلص بمكر من المرمى الذي يحرسه. قبل أن تصل الكرة إلى المرمى الذي نراه، كانت الكرة المرتجلة في الحواري تفتح باب لجاج كبير حول الأهداف، فلا أحد يمكنه أن يرجح كفة على أخرى حين تتجاوز الكرة بالكاد خط المرمى ولا أحد يضبط بدقة مسافة العلو حين لا تكون هناك عارضة أفقية. وكيف نعرف هل مرت الكرة فوق الحجر أم بمحاذاته؟ المرمى هو أهم مكان في الملعب، وهو من يتجمع الجمهور والصحافيون خلفه لأن ذروة ما يحدث في كرة القدم، وهي الأهداف، تحدث في المرمى. في تلك الأمتار القليلة تولد أفراح عارمة وتراجيديات مؤلمة، فيها تهتز قلوب من الخوف وتفتح جراح لا تلتئم. المرمى هو الذي يشهد كل ما يبقى عالقا بالقلوب والعقول. هو من يقوم من يؤمنون بالسحر بتعويذاتهم، أو يدسون قرب جدر قوائمه حروزهم، أو يرشون ماءهم المحمل بطاقة البطلان، هو من لا يفهم جمهور تعيس كيف أن الكرة ضربت القائم وخرجت، أو وقفت فوق الخط بعناد ورفضت أن تتحرك سنتمترات قليلة، أو كانت في طريقها للشبكة ثم دفعها طائف ما في آخر لحظة وابتعدت إلى الخارج، لا يمكن لجمهور يشاهد الكرة بعواطفه وحماسه وانتمائه أن يرى المرمى على حقيقته: عارضة أفقية وقائمان وشبكة بلا قلب ولا رأي ولا إحساس.





