
تلعب كرة القدم ضد الخصم وضد الزمن في الآن نفسه، إنها معركة يُمنح فيها للخصمين وقت محدد لتحديد من الفائز ومن المنهزم أو لإقرار التعادل بينهما. تجري الكرة بين أرجل اللاعبين ويكون الوقت دوما خصما آخر ينضاف للفريق المنافس. لا تمنح كرة القدم الوقت الذي يمنحه الصيد للصياد، يمكن للصياد أن يترصد طريدته لساعات بل لأيام، يمكنه أن ينتظر، لا يوجد صياد حقيقي لا يتحلى بفضيلة الصبر، الطريدة أيضا تحاول أن توظف الزمن لصالحها، تكمن، تتخفى، تكتم أنفاسها وتنتظر أن يمر الصياد وكلبه.. أن يتعب، أو يولي ظهره لتهرب، لا شيء من هذا في الكرة، إنها موضوع نزاع لا هوادة فيه، ووقت اللعبة محدد، 45 دقيقة لكل شوط من الشوطين، و15 دقيقة استراحة، ووقت إضافي يحدده الحكم لتعويض الوقت الضائع، وفي حالات المنافسة على كؤوس، يحتكم الفريقان لشوطين إضافيين مدة كل واحد منهما 15 دقيقة، يذهب بعدهما الفريقان في حالة التعادل إلى ضربات الجزاء. لا يجري الوقت في المقابلات على وتيرة واحدة، إنه أوقات لا حصر لها. وقت الفريق المنهزم الساعي للتعادل، المتعجل، السريع جدا والذي يفلت من بين الأرجل بلا رحمة، ووقت الفريق المنتصر والمهدد بقوة من طرف الخصم، المتلكئ، البطيء جدا والذي يكاد لا يتحرك. وهناك وقت المقابلات المحسومة أو التي بلا رهان حقيقي، إنه وقت مبتذل، مهمل، لا ينتبه له أحد. كلما فقدت مقابلة ما رهانها، كلما كانت النتيجة لا تهم، كلما صار وقتها عبئا على الجميع، اللاعبون يؤدون الواجب فقط، والجمهور يتثاءب، والوقت يتفسخ كجثة في حاجة لمن يدفنها، غير أن الوقت في كرة القدم ليس هو الوقت الهارب كلص، أو الوقت المقيم كغصة، أو وقت الضجر، اللامبالي والمتخثر، فهناك أيضا، وقت اللعب، وقت إنجاز العمليات، وقت التصويب نحو المرمى أو التمرير أو المراوغة. كل ما ينجز في الكرة تلعب فيه السرعة دورا حاسما، بل الأشياء الباهرة فيها هي ضيعة السرعة، فهي رفيقة اللاعبين الكبار، بها يتفوقون على الآخرين، في الجري والمراوغة وإرسال الكرة بأقصى سرعة ممكنة. كرة القدم هي مملكة السرعة حين تمتزج بالسرعة والذكاء، لهذا نجد تلك المحاولات اليائسة التي تقوم بها فرق متعددة في تكسير الإيقاع، في ادعاء الإصابة، في ربح الوقت أثناء خروج الكرة خارج الملعب أو توقيفها من طرف الحكم، والعودة البطيئة للعب. الوقت الضائع حليف موثوق للفرق الضعيفة، للفرق التي تؤجل النزال والعراك.
فرضت البورجوازية التجارية والصناعية الصاعدة في أوروبا سلطة الزمن في المدن التي وسعتها، وجعلت من نصب الساعة في ساحة مركزية بالمدينة أيقونة الحياة العامة. ففي خضم الثورة الصناعية بإنجلترا صارت للندن ساعة «بيكَ بن» الشهيرة. الوقت في الكرة شهد هو أيضا صعودا مظفرا، كان في البداية يسكن ساعة يد الحكم، وصفير الجمهور حين يريد من الحكم أن ينهي مقابلة، ثم فرضت ساعة الملعب نفسها على الجميع، وصارت المقابلات تجرى تحت سلطة تلك الساعات العملاقة التي تظهر النتيجة وتظهر معها الوقت الذي لم يعد شيئا خفيا يملكه الحكم وحده وإنما شيئا مشاعا يراه الجميع.





