
كل شعارات تشجيع الاستثمار والتشغيل، وتسهيل الإجراءات الإدارية ودعم المستثمرين، تفضحها اختبارات ملفات تنفجر فجأة في وجه المسؤولين والمنتخبين، كما هو الشأن بالنسبة إلى ملف مستثمر ألماني حل بوزان، من أجل بناء شركة وتشغيل عدد مهم من اليد العاملة، مع إمكانية توسيع المشروع، فوجد نفسه تائها بين المؤسسات المعنية لسنوات، والرأي غير الموافق للوكالة الحضرية بالعرائش، رغم توالي الشكايات إلى وزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، وفتح تحقيق من قبل مصالح وزارة الداخلية في الموضوع، وإرسال لجنة تفتيش أعدت تقارير ينتظر الكل تفعيل المحاسبة بشأنها.
ولكي نكون واقعيين فإن من أخطر ما يعانيه المستثمرون من عراقيل، هو تقاذف المسؤوليات بين الإدارات والمجالس المنتخبة، ومحاولة كل مؤسسة إلقاء اللوم على الأخرى بشأن العراقيل، وادعاء الجميع تطبيق القانون بصرامة، علما أن الكواليس تكون أشياء أخرى تماما، لأن القوانين نفسها تكسب مرونة في حالات مماثلة، ويتم العمل بروحها وتحقيق الاستثناءات والدفاع عنها، بحجة التشغيل ومحاربة البطالة.
وطبعا فإنه لا أحد فوق القانون الذي يجب أن يسري على الجميع، لكن لا يمكن القبول إطلاقا بأن تتحول القوانين إلى مبرر لعراقيل توضع أمام الاستثمار، وإلا علينا البحث سريعا عن تشريعات قانونية تواكب المستجدات الميدانية، وتقطع الطريق أمام اختباء لوبيات المصالح الشخصية والسياسية خلف جمود التصاميم والوثائق التعميرية.
إن تبعات عراقيل الاستثمار كارثية بكل المقاييس، لأن المستثمرين لهم شبكات علاقات ومصالح ويتواصلون بينهم في مجموعات عبر العالم، ويستفيدون من تجارب بعضهم البعض في النجاح والفشل، ولنا أن نتخيل تبعات عرقلة ملف استثمار بإقليم يعاني جحيم البطالة، وجمود الإجراءات لسنوات، وكأننا أمام معضلة قانونية لا مخرج لها، والحال أن القضية تحولت إلى معركة كسر عظام بين مسؤولين ومنتخبين وأجندات ضيقة، أُقحم فيها المستثمر رغما عنه.
لقد خرجت المنصوري لتقول بالمؤسسة التشريعية إن ملف تصميم التهيئة بوزان تم التلاعب فيه، وخرج المجلس الجماعي ببلاغات متعددة في الموضوع ليدافع عن وجهة نظره، وتم إرسال لجان تفتيش من قبل وزارة الداخلية، وانعقدت اجتماعات بين المؤسسات المعنية بالترخيص والاستثمار، وارتفعت حدة تبادل الاتهامات بين الأطراف المعنية، لينتهي الأمر برفض الوكالة الحضرية بالعرائش التوقيع، بحجة غياب تصميم التهيئة الذي تم رفض المصادقة عليه أكثر من مرة، دون محاسبة المسؤولين عن ذلك، مهما كانت رتبتهم، بشأن الأسباب والحيثيات والظروف.
ما يجب أن يقدره جميع المسؤولين والمنتخبين، هو أن الاستثمار من الملفات الحساسة، لارتباطه مباشرة بالتشغيل وخلق الثروة وتحريك عجلة الاقتصاد، والمملكة الشريفة تتوفر على كافة المؤهلات التي تجعلها جنة استثمارية، على رأسها الاستقرار الأمني والسياسي تحت القيادة الرشيدة للملك محمد السادس، لذلك لا يمكن القبول قطعا بترك المستثمرين فريسة للصراعات الفارغة وعراقيل القوانين وابتزاز أصحاب الصفحات الفيسبوكية المشبوهة، ومزاجية المنتخبين وسماسرة الإدارات، مع ضرورة تجريم عرقلة الاستثمار ومحاكمة المتورطين وفق الصرامة المطلوبة، لأن الشعارات إذا لم توافقها الإجراءات الفعلية ومنح المثل، أصبحت بدون جدوى، فهل من مسؤول حكيم لتصحيح الأمور؟





