
واكب الإعلام، بمختلف مشاربه، الحدث لحظة بلحظة، ونقلت خطابات الملك الراحل الحسن الثاني وبثت الأناشيد الوطنية والحماسية، مثل «صوت الحسن ينادي»..، لرفع معنويات المتطوعين.
أوفدت الصحف الوطنية مندوبيها إلى مختلف المحطات، خاصة مخيم الطاح وتناولت بالتفاصيل الدقيقة وبالصور تدفق المتطوعين، ورافقت المتطوعين خلال تنقلاتهم إلى غاية الوصول إلى الطاح حيث التجمع الأكبر للمتطوعين.
لم تقتصر تغطية الحدث الكوني على الصحافة الوطنية، بل سجل حضور وازن لوكالات الأنباء والقنوات العالمية، حيث توافد مراسلون من كل الجنسيات لتغطية الحضور الجماهيري الحاشد في المخيمات.
واستأثرت المسيرة الخضراء، كذلك، باهتمام الصحافة العربية، إذ حلت وفود إعلامية تمثل صحفا عربية بارزة من أجل تغطية الحدث، خاصة من نقطة التجمع الكبرى لمتطوعي المسيرة الخضراء في الطاح.
أولت الصحف والمراسلات الإذاعية والتلفزية اهتماما كبيرا للحدث وللتدفق البشري الذي تعرفه الصحراء عند مشارف الحدود الوهمية التي ظلت تفصل المغرب عن صحرائه، إذ أجمعت التغطيات الإعلامية على أهمية المسيرة الخضراء وما قطعته من أشواط في مسلسل استرجاع أراض مغتصبة دون سلاح.. بل إن العديد من المراسلين الأجانب آمنوا، وهم في موقع الحدث، بأن فكرة الملك الحسن الثاني، رحمه الله، قطعت الطريق على المؤامرات الاستعمارية التي تستهدف ضرب الشعوب، وحتى بعض المشككين آمنوا بأن الحق إلى جانب المغرب.
تحولت الطاح إلى نقطة جذب إعلامي، وكنا نتلقى يوميا، من موقعنا بغرفة قيادة هذا المخيم الكبير، الصحف التي تتناول موضوع المسيرة والتي تقدم تفاصيل حول المسيرة الخضراء، في أكبر مخيم في التاريخ.
من جهتها صورت بعض وسائل الإعلام المسيرة على أنها «اجتياح أو غزو»، وركزت على التخوف من اندلاع مواجهة دموية مباشرة بين الجيش الإسباني والمواطنين المغاربة العزل، واعتبرت بعض الكتابات، الموالية للنظام الحاكم في إسبانيا، المسيرة الخضراء مجرد «خدعة».
سيعود مركز الطاح إلى الواجهة الإعلامية بعدها بعشر سنوات، حين توقف فيها الملك الحسن الثاني، رحمه الله، أثناء زيارته التاريخية للصحراء المغربية في ربيع 1985، إذ تُوج هذا التوقف الرمزي بأداء صلاة شكر لله لتحقيق المسيرة الخضراء للأهداف التي رسمت لها.
وتوجت الزيارة الملكية، التي قام بها الملك الراحل الحسن الثاني سنة 1985 للأقاليم الجنوبية، بإطلاق عدد كبير من المشاريع والأوراش الكبرى، وكانت حدثا مفصليا في ملف وحدتنا الترابية، إذ كانت فرصة مواتية لتجديد الولاء والبيعة وتقوية أواصر الارتباط بين شيوخ القبائل الصحراوية والعرش العلوي.
لابد هنا من الإشارة إلى وجود منفذ آخر للمتطوعين نحو الحدود الوهمية، لا يعرفه الكثيرون، ويتعلق الأمر بمركز أبطيح، التابع ترابيا لإقليم طانطان، والذي يوجد شمال الطاح على بعد حوالي 300 كيلو متر.
تبين لاحقا أن الهدف من تمركز متطوعين في مخيم طانطان الشاطئ، الذي يبعد عن مخيم الطاح بحوالي 40 كيلومترا، هو وضعهم في حالة تأهب لعبور آخر من مركز أبطيح.
قبل يومين من انطلاق متطوعي المخيم صوب الحدود الوهمية، جاءنا موفد رسمي من أكادير فأخبرنا بشكل سري عن وجود معبر آخر في أبطيح المتواجد في متوسط محور طانطان/ السمارة. هذا المنفذ لم يخطر على بال القوات الإسبانية التي كانت تركز اهتمامها وجهودها على المتطوعين المتواجدين في مخيم الطاح.
أشعرنا موفد الإدارة المركزية للمسيرة الخضراء في أكادير، العامل بوزارة الداخلية حميد البوخاري، بالخبر وطالب بإحاطته بكامل السرية.
في السادس من شهر نونبر 1975 ستدخل بلدة أبطيح بدورها التاريخ حين عبر منها متطوعو المسيرة الخضراء، ضدا على يقظة القوات العسكرية الإسبانية.
أبطيح تكتسي بعدا عسكريا استراتيجيا، لأنها تقع على الطريق الرابطة بين السمارة وطانطان، من جهة، وتوجد في مفترق الطرق المؤدية إلى الحكونية وطرفاية والعيون، من جهة أخرى.
وتتموقع في محيط يجمع الركيبات أولاد الشيخ وزاوية الشيخ ماء العينين، وهي معلمة صوفية وتاريخية مركزها مدينة السمارة العاصمة الروحية للأقاليم الصحراوية المغربية.
وحسب المعطيات التاريخية المتوفرة، فإن السلطان مولاي الحسن كان استقبل وفود الشيخ ماء العينين في جنوب المملكة، ما يؤكد طبيعة العلاقة التي كانت تربط الشيخ بالسلطان العلوي وذريته، وكذلك مكانة الشيخ الروحية والعلمية لدى السلطان منذ سنة 1800.
نعود إلى بلدة أبطيح، التي كانت خارج اهتمام السلطات الإسبانية، ودون علم قوات الاحتلال، رغم أنها كانت في حالة تأهب وتراقب بحذر شديد، هذه البلدة ستتحول إلى معبر حمل اسم «محور البوخاري» نسبة للعامل الذي حمل لنا خبر المنفذ الصحراوي، خلال تبادل المعطيات بين مركز طرفاية ومركز تدبير العمليات المركزي بأكادير.





