الرئيسيةسري للغايةسياسية

الريسوني: سُجنت في موگادور لسنوات وقتلتُ الحارس بصخرة

ترجمة حصرية لمذكرات المغامِرة البريطانية روزيتا فوربس(20)

يونس جنوحي

كان الشريف الريسوني يحكي قصته بحضور عدد من خدامه، لكنه لم يُرد أن يتحدث عن السنوات التي قضاها في السجن أمامهم.

في مناسبة أخرى، عندما كنا واقفين في التلال على مشارف المسجد، حيث كان هناك منظر لمشهد شاسع للجبال والقرى نواحي سوق الخميس، بدأ يحكي لي بشكل مفاجئ:

«إنه من المفيد للرجل أن ينظر بعيدا، وهكذا يمكنه الحكم على الأمور بشكل نسبي. تعتقدين أن هذه الأرض خلاء. لا ترين أحدا؟».

نظرتُ إلى الأرض الموحشة وكان عليّ الاعتراف بأنها قاحلة.

قال لي الريسوني وهو يتقدم إلى الأمام:

«انظري».

وأطلق صرخة وصل صداها بعيدا جدا. وفجأة ظهر من خلف كل مجموعة من الأشجار أو الصخور، رجل من رجال القبيلة.

حتى بدا لي أن بعض الأشجار البعيدة كانت تبدو مثل رجاله. إذ إن لون الجلاليب كان يشبه لون الأرض.

واصل الشريف:

«هذه إحدى نتائج موگادور. لا أثق في أي رجل الآن. ولا أخبر أحدا نهائيا بخططي. كل قبيلة من أتباعي ترسل لي حارسا، لكن يتم تغييرهم كل شهر، وأنا زعيم حراسي، وبالتالي فأنا أحرس نفسي. أنام قليلا فقط، وفي الليل أخرج وأتأكد من أن المكان آمن. هل تريدين أن أحكي لك عن موگادور؟

إن علامات السلاسل والأغلال لا تزال في جسدي. السجانون كانوا خائفين مني أكثر مما كنت خائفا منهم، فكانوا يزيدون من حجم السلاسل والأغلال فوقي، وبلغت وزنا لن يستطيع رجل آخر تحمله.

كانت السلطات وراء إرسالي إلى تلك الجزيرة التي لم يعد منها أي سجين أبدا. السجين هناك يُدفن طيلة حياته، إلى أن يشاء الله أن يحرره. نقل المساجين كان يتم كل يوم سبت.

في أول يوم سبت كانت هناك عاصفة كبيرة، حيث لم يكن ممكنا لأي باخرة أن تغادر، وتأجل انطلاقها لثلاثة أيام سبت أخرى. هبت الرياح القوية ولم يكن ممكنا إطلاق «الفلوكة».

ثم أدركوا لاحقا أن الأمر كله إشارة ودليل على «البركة» التي كانت معي، وهكذا قالوا:

-يوما ما سوف يصبح سلطانا ومشيئة الله لا تُريد له أن يموت.

لدينا حكمة تقول إن البحر سلطان، ولا ملك يجب أن يسافر فيه. إذ ليس من المقبول أن يضع ملك قدمه فوق ظهر ملك آخر.

في البداية كنت مكبلا بالسلاسل في فناء القصبة. وكان هناك طوق حول رقبتي يشدني إلى الجدار. كانت أشعة الشمس خلال النهار تدور على الفناء، وتصل أولا إلى قدميّ ثم إلى ركبتيّ وتحرق جسدي كله وكان العرق يتصبب ويخترق عينيّ.

لم يكن لدي أي إحساس بالوقت. كان هناك تعذيب فقط. قضيت أياما في الحر إلى أن احترقتُ وتقرحت جروحي، وليال باردة إلى أن تجمدت عظامي بمحاذاة الحائط. جاء رجال من الجبال، وكانوا أصدقائي في السابق، ونزلوا لزيارتي ورعايتي. أحضروا لي الطعام والماء، لكني قلتُ لهم:

-تعالوا في الصباح، وعندها فقط سوف أتحدث معكم.

كانوا في السابق معتادين على الجلوس معي وكنت ألقي عليهم محاضرات في الشرع وتفسير الأحاديث. غادروا السجن وكانوا يقولون:

-إنه فقيه، ولي صالح، ولديه قدرات على التفوق على آلام الجسد.

واحد من السجانين كرهني كثيرا لأن أحد أصدقائي وبخه على الطريقة التي يعاملون بها شريفا من الشرفاء، وفي أحد الأيام عندما كانت الشمس محرقة مثل النار، قام بقلب جرة الماء الموضوعة أمامي، والتي أحضرها لي أصدقائي، وكان يتأمل قطرات الماء المنسكب منها على الأرض وهو يضحك. كنت سوف ألقي بنفسي لكي أشرب الماء من على الأرض المتسخة، لكن لم أستطع بسبب الطوق حول عنقي. كنت أضغط مستعملا يديّ بقوة لم تتحملها الجدران، وكنت أعتقد في أفكاري أن الجدران لم تعد موجودة. فإذا بقطعة صخر من الجدار تسقط أمامي، التقطتها ورميتها بكل قوتي في اتجاهه. سقط الرجل أرضا، وكانت عظام رأسه بارزة ويتطاير منه الدم أقوى بكثير من سرعة سيلان الماء من القلة. بعد ذلك أرسلوا عامل بناء لكي يكسر السلاسل من الجدار، وقال لي الحداد الذي قطعها:

-إن الله جعلك قويا. كان يتعين علي القيام بقطع هذه السلاسل فقط عندما تموتُ.

كم مكثتُ في ذلك الفناء؟ لا أعلم، لكن بعد ذلك وضعوني في زنزانة مظلمة باستثناء وجود نافذة ضوء صغيرة يظهر منها جدار لا تصله أبدا أشعة الشمس، ولا ينفذ إليها الضوء إلا دقائق قليلة خلال منتصف النهار».

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى