الرأيكتاب الرأي

المغاربة وأدب الرحلة

يونس جنوحي
المغاربة برعوا كثيرا في أدب الرحلة. ومع ذلك لا تزال مؤلفات السفراء المغاربة القدامى والرحلات العجائبية التي عاشوا غمارها قبل قرون، تحتاج إلى من يمحصها ويعيد نشرها حتى لا تبقى حبيسة المخطوطات القديمة، واللغة العتيقة التي تنبع من الفقه والأثر.
في النسخة الحالية للمعرض الدولي للكتاب، تحتفي وزارة الثقافة بأدب الرحلة من خلال جائزة ابن بطوطة. والغريب أن أغلب ما يُرشح من الأعمال لا يتجاوز ترجمات لرحلات مستكشفين أوربيين، أو تحقيقا مغربيا في مخطوط قديم لرحلة إلى الحج أو زيارة رسمية لسفير مغربي لدولة أوربية قبل قرنين. بينما يُسجل فقر كبير في الإنتاج الأدبي الحالي للكُتاب المغاربة في أدب الرحلة، الذي يعد واحدا من أعرق بل وأصعب الأجناس الأدبية في الكتابة الروائية.
الذين يقومون اليوم بالرحلات، لا يقوون على الكتابة. وهذا ليس حكم قيمة وإنما واقع يجب الإقرار به. وحتى المسؤولون المغاربة الذين اشتغلوا سفراء، يحاول أغلبهم بعد التقاعد التواري عن الأنظار ويفضلون الموت في ظل حديقة فيلا أو إقامة فاخرة، بدل الكتابة عن تجربتهم الدبلوماسية وجعلها رهن إشارة المغاربة. والسر أن أغلب هؤلاء الدبلوماسيين، يا حسرة، قضوا حياتهم الدبلوماسية في «التفطح» من أموال المغاربة والنوم في السفارة، بدل قضاء مصالح المُغتربين في الخارج وعقد اللقاءات مع المسؤولين الأجانب.
أما بخصوص الرحالة المعاصرين، فإن الهواتف النقالة تُعفي أغلبهم إن لم نقل جميعهم من الكتابة، وبدل أن يضيفوا إلى رصيد أدب الرحلة الذي برع فيه أجدادنا، بل كانوا من السباقين للإنتاج فيه عالميا، يكتفون بالجلوس إلى الحاسوب لإنجاز «المونتاج» ووضع الموسيقى الصاخبة على لقطات الغروب أو التجول فوق الرمال بـ«شورط» قصير، وكفاهم الله شر القتال.
ابن بطوطة، الرحالة المغربي نفسه، تعيش ذكراه اليوم أسوأ مراحلها. إذ، بعد الصيت العالمي الكبير الذي بلغته رحلاته قبل مئات السنين، نجد اليوم من المغاربة من يشكك في وجود شخصية الرجل. وفي الوقت الذي يحتفل به أصحاب الحضارات القديمة، مثل الهنود والصينيين، ويأتي المغامرون من أمريكا اللاتينية ومن غرب آسيا وشرق أوربا، لكي يزوروا ضريحه بمدينة طنجة، نجد أن أشباه المثقفين المغاربة الذين لم يقرؤوا في حياتهم سوى «مائة عام من العزلة» أو «الحب في زمن الكوليرا» التي لم يُرجعوا نسختها المجانية من مكتبة الحي واختلسوها لكي يزينوا بها «الماريو» قرب صحون «الطاوس»، يشككون حتى في وجود ابن بطوطة أصلا، وتجاوزوا بكثير مرحلة التشكيك في إنجازه الذي تمثل في تلك الرحلة التي استغرقت منه نصف حياته تقريبا.
هناك من يقول إن ابن بطوطة اكتفى بتدوين ما سمعه من بعض الذين زاروا الهند والصين، خلال موسم الحج بمكة. كيف يستطيع هؤلاء تفسير وجود أثر لابن بطوطة في الأدب الهندي إن لم يذهب الرجل أصلا إلى الهند؟ وكيف استطاع تدوين مشاهدات قبل سبعمائة سنة، عن الطريق إلى الهند، مرورا بالقبائل المسلمة في الطريق إلى شرق آسيا؟
نسخة هذا العام من المعرض الدولي للكتاب سوف تبيع كالعادة كُتب الباه وأجزاء مجلدات السلفيين وكتب التداوي بالأعشاب. سيحاضر الكثيرون في الأدب، بينما سوف يكتفي الأدباء الحقيقيون بالتجول بين إصدارات العام الجديد، والتي توجد بينها، للإشارة، مؤلفات مُشجعة فعلا وتدعو إلى الافتخار بالجيل الجديد من الكُتاب المغاربة. بينما ينزوي أدب الرحلة إلى الخلف، في وقت يرتمي الشباب إلى البحر قبل البر للمغادرة نحو المجهول، مُسجلين أكبر حملة لتشجيع أدب الرحلة في تاريخ المغرب.. يجب أن يحاولوا الكتابة فقط.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق