الرأي

الوردي عالم الاجتماع العراقي

بقلم: خالص جلبي

مقالات ذات صلة

منذ فترة طويلة وأنا أفكر في كتابة شيء في حق هذا الرجل العملاق بمقالة موسعة، ويستحق الرجل أكثر من بحث بل رسالة خاصة به، رحمه الله وجعله في الصالحين.
كان أول تعرفي على الرجل عن طريق السيدة الفاضلة هيام ملقي، حيث قرأت نسخة مصورة في جزأين لكتابه «منطق ابن خلدون»؛ فأسرني منطقه، فوجدته من السهل الممتنع، ونصحت من حولي بقراءته، وكنت أتذوق أفكاره مثل طبق من الفاكهة. ويومها وأنا في مملكة القرود سوريا كنت أتردد بين الجولان ودمشق، فأقرأ في الطريق ما تيسر لي من كتاب الرجل وكان نسخة مصورة، حتى اجتمعت بالنسخة الأصلية للكتاب فاشتريتها. وتابعت كتب الرجل، حتى احتشدت مكتبتي العامرة بمعظم كتبه مثل «وعاظ السلاطين» و«شخصية العراقي المقلقلة» و«خواطر اللاشعور والأحلام»، والأهم فيها على الإطلاق هي الموسوعة الضخمة التي روى فيها أسرار القرن، بما فيها الحركة البابية والبهائية وشخصية قرة عين، بل والحركة الماسونية التي أفرد لها 54 صفحة، في محاولة هادئة لتعريف القارئ بها. وكذلك حديثه المطول عن نشأة المملكة العربية السعودية وشخصية مؤسسها، في كتابة جدا حيادية وموضوعية في دراسة شخصية المؤسس في ست مزايا. وطبعا أنا قمت بعزل كامل الدراسة، وهي في حدود 152 صفحة، ووزعتها على المهتمين بمن فيهم شخصيات سعودية هامة، ونصحتهم بطباعة الكتاب وتعريف الناس بالرجل والدولة التي أنشأها من العدم. ولكن هذا يعني نزع القدسية والمعصومية عن الشخصية ورؤيته كإنسان ناجح، وهذا ما لا يطيقونه، لأنهم يريدون في الواقع تأليهه. وهذا الشيء ليس عندهم فقط، وفي مراجعة بسيطة للقرآن تطالعنا أسماء شتى في سورة «نوح» عن «ولاتذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يعوث ويعوق ونسرا»، وهي كلها أسماء أشخاص فنوا، ولكن عكف الناس على تقديسهم ورفعهم إلى مقام الألوهية، بل إن المسيحية في تركيبتها التي قام بولس الرسول ـ ولم يكن من الحواريين ـ بصياغتها وفلسفتها، ورفع الإنسان إلى رتبة الألوهية هي مثال لنجاح الوثنية في التاريخ، واليوم أعظم دين انتشارا على وجه الأرض في مئات النحل والملل ممن يعتقد بالمسيحية، على أن المسيح عيسى بن مريم هو إله في مركب أقانيم من ثلاثة، يخلق الزرع والضرع والأجنة في الأرحام ويدير الأفلاك. بل جاء في كتاب «الأمة القبطية»، كيف قاموا بصياغة تقديسية لهذا النبي على أنه إله. وهذه الأزمة تم خلقها عام 325 م في مجمع نيقية، ليلحقها مجمع خلقيدونة، فيصبح الرجل النبي واحدا من ثلاثة آلهة يعجز مجمع الكرادلة والبابا معهم عن شرح هذه التوليفة. وهكذا تنشأ العقائد من أساطير التاريخ، وليسوا الوحيدين في هذا المرض. ثم عثرت على كنوزه الفكرية كالعادة في مكتبة صديقي (إبراهيم البليهي)، صياد الكتب والأفكار والرجال، والأخير نسيج لوحده يحتاج أن تكتب فيه مقالة، ولا تخلو جلسة معه من متعة أو فكرة، فهو يعلمك ما تجهله ويذكرك ما نسيته، وهؤلاء الناس هم أعظم ثروة معنوية في هذه الحياة الدنيا الفانية المتداعية المتلاشية. والذي أثار في ذهني الحديث عن الوردي، هو ما أرسله إلي الفاضل عبد العزيز من سياتل بأمريكا، سرد فيه بعضا من أفكاره وكتبه، وأنا شخصيا أول ما استفدت من كتابه «منطق ابن خلدون»، وكان قد أخذ درجة الدكتواره بأمريكا على هذه الأطروحة، ولقد استفدت منها أيما فائدة، وكان هو من قرب إلي الفرق بين المنطق الاستقرائي والصوري عند ابن خلدون، وكيف أن فكر أرسطو بقي عقبة في وجه التقدم الإنساني ألفي سنة، ولولا المنطق الخلدوني الاستقرائي ما تقدمت العلوم ومهدت الطريق للنهضة. وابن خلدون لم يستفد منه العالم الإسلامي حتى اليوم، ولم يطور ما بدأه الرجل، ولو عرفنا أنه كان من أوائل من أشار إلى فكرة الانتخاب الطبيعي والتطور لتعجبنا، وهذه هي حال الأمة التي تفقد رشدها.
بعد كتابه «منطق ابن خلدون» الذي قرأته بشغف ونهم في إجازتي بالجولان، فلم أكن أطيق بعدا عنه حتى أنهيته، وبالطبع كالعادة امتلأ بالألوان والتشطيب والتعليق وكتابة فقرات هامة منه، مع أرقام الصفحات في الصفحات الأولى من الكتاب، وهي خصلة استفدت منها من الشيخ جودت سعيد، حينما كنا معتقلين لصالح المخابرات العامة البعثية عام 1973م. فقرأنا الكثير في سجن دام 250 يوما، وسبحان الباقي.
بعد كتاب ابن خلدون اطلعت على كتابيه «مهزلة العقل البشري» و«وعاظ السلاطين»، ومن الكتابين استفدت العديد من الأفكار، ومن أهمها أنه لا يعول كثيرا على من يدعي الحق والمثالية وقال لا تصدقوه، ويقول إن العقل عند الإنسان عضو للبقاء مثل ناب الأفعى ودرع السلحفاة وساق النعامة، وإن آخر ما يبحث فيه هو الحق والعدل، هكذا يقول. وفي كتابه «وعاظ السلاطين» أورد الرجل أيضا فكرة مزلزلة، أننا لو عاصرنا النبي فلن نحزر تماما أين سيكون موقفنا منه، لأنه كان ضعيفا مخذولا مطاردا، وهو لن يكون في صورته المثالية كما نحمل له اليوم. وفي نهاية ما قرأت للرجل وأخذ مني عمل ستة أشهر، هو مجلداته الستة الشهيرة عن تاريخ العراق الحديث فاستمتعت بها جدا، وتحدث في معرض حديثه في استفاضة عن الماسونية والبهائية ومحمد علي باشا والوهابية، لارتباطهم بالتاريخ العراقي، وفي آخر كتابه تحدث بشكل موضوعي مستفيض ربما في حدود 100 صفحة عن نشأة المملكة العربية السعودية وفي موضوعية وحياد ممتازين، مما أتاح لي رؤية الصورة الواقعية للأحداث.
عَمر الوردي حتى التسعين ومات مريضا في غير بلده، ولم يمش في جنازته تسعون، خوفا من فرعون وملئه أن يفتنهم، وإن فرعون لعال في الأرض وإنه لمن المفسدين، كما رأينا في تهاوي صنم صدام الذي حكم بالإعدام وهو قليل عليه، ويوم القيامة لا ظلم اليوم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى