حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الافتتاحيةالرئيسيةسياسية

ثمار الهجرة

تقطف العديد من البلدان الأوروبية، على رأسها إسبانيا، ثمار الهجرة، وتستغل سواعد المهاجرين التي لا تكلّ ولا تملّ من العمل والاجتهاد في الإنتاج، للرفع من نسبة النمو وضمان مداخيل مهمة لاستمرارية تمويل الصناديق الاجتماعية، وسد الخصاص المهول في اليد العاملة في مجالات المهن ومساعدة المرضى والمسنين.. لكن بعض الأصوات داخل الإعلام الإسباني لا ترى، هذه الأيام، في المهاجرين سوى الجانب السلبي، من خلال التحريض ضد حقوقهم، وتحويل تصرفات فردية سلبية إلى قاعدة عامة عبر التعميم والتضخيم الإعلامي، ومسايرة ودعم توجه اليمين المتطرف الذي ينشر الكراهية والعنصرية ويهدد استمرارية الديمقراطية في مختلف الدول الأوروبية.

ومن الأرقام التي يتجاهلها الإعلام الإسباني ويحاول القفز عليها في تناوله لملف الهجرة، أن المهاجرين من الجنسية المغربية يوجدون على رأس المنخرطين في الصناديق الاجتماعية، ويساهمون في التنمية ويستثمرون في مشاريع خدماتية وصناعية، يشكلون ركيزة أساسية في المجال الفلاحي، ولهم تجارب بارزة في تنمية الجنوب الإسباني، وتحويله، بسواعد المهاجرين، بمن فيهم من اشتغلوا في ظروف غير نظامية، من أراضٍ قاحلة إلى جنات خضراء وضيعات واسعة تضمن تنافس إسبانيا في سوق الفلاحة الدولية.

ولعل الجميع لاحظ الإقبال المرتفع، خلال السنوات الأخيرة، للسياح المغاربة على الجنوب الإسباني وعلى مختلف المدن والمناطق داخل البلاد، حيث يختار آلاف المغاربة صرف ملايير الدراهم سنويا وضخها في العائدات السياحية الإسبانية. ويوجد المغاربة، أيضا، ضمن الجنسيات التي تقتني العقارات في إسبانيا وتحرك رساميل مهمة في الجارة الشمالية، وهي حركة مالية تعود، لا شك، بالنفع على الاقتصاد والتشغيل والسيولة المالية.

وما تقفز عليه بعض الأصوات الإعلامية الإسبانية، أيضا، هو أن المغرب يعتبر شريكا تجاريا أساسيا لإسبانيا، وأن هناك مصالح متبادلة وعلاقات اقتصادية متشعبة بين المملكتين. فضلا عن أن الدبلوماسية الملكية الحكيمة تؤكد على علاقات رابح/رابح في مختلف العلاقات الدولية، التي تقوم على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل، وفي مقدمتها احترام سيادة المغرب على أراضيه، والتعاون لمواجهة التحديات المستقبلية، وأبرزها التقلبات المناخية والجفاف والكوارث الطبيعية، ناهيك عن غياب استقرار الأسعار بسبب تبعات الحروب والصراعات حول المضايق ومصادر إنتاج الطاقة.

على بعض الأصوات الإعلامية الإسبانية أن تعرف أنه لا يمكن النظر إلى الهجرة باعتبارها عبئا اقتصاديا واجتماعيا فقط، لأن الواقع يكشف أنها أصبحت جزءا من دورة الإنتاج في عدد من الدول الأوروبية، ضمنها إسبانيا طبعا، سيما في القطاعات التي تعاني خصاصا متزايدا في اليد العاملة. فالمهاجر، الذي يعمل ويؤدي الضرائب والاشتراكات الاجتماعية ويستهلك ويسكن ويستثمر، لا يعيش خارج الدورة الاقتصادية، بل يساهم في تحريكها وتمويلها، واستقراره القانوني والاجتماعي يتيح للدولة الاستفادة بشكل أكبر من طاقته الإنتاجية بدل دفعه إلى الهشاشة والعمل غير المهيكل. لذلك فإن معالجة ملف الهجرة تحتاج إلى سياسات عقلانية وصيانة حقوق الإنسان والاستفادة من الطاقات البشرية للمهاجرين ومنحهم حقوقهم كاملة دون استغلالهم كورقة ضغط إعلامي في كل مرة.

ثم إن تحويل الهجرة إلى مادة دائمة للتحريض السياسي والإعلامي لن يحل المشكلات التي تواجهها أوروبا، بل قد يزيد من تعقيدها، لأن الشيخوخة الديمغرافية ونقص اليد العاملة وتزايد الحاجة إلى العاملين في قطاعات الصحة والفلاحة والخدمات والرعاية، كلها تحديات تحتاج إلى مقاربات واقعية بعيدة عن خطاب الكراهية. ومن مصلحة إسبانيا، كما من مصلحة المغرب، أن تبقى العلاقات بين البلدين قائمة على التعاون والحوار والمصالح المشتركة، وأن يتم التعامل مع الهجرة باعتبارها جسرا للتنمية والتقارب بين المجتمعين، وليس ذريعة لإشعال الصراعات ونشر الصور النمطية التي لا تخدم سوى تيارات التطرف.

 

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى