الرأيزاوية القراء

حلم العودة

جهاد بريكي

نرزح تحت الضجيج، يحيط بنا من كل جانب، ويخترقنا كخبر سيئ امتزج مع الهواء الذي نستنشقه ليصيبنا بتسمم الإحساس. أستيقظ صباحا ليبدأ هذا اليوم من عمري، فضولي المرضي يجبرني على متابعة نشرات الأخبار. قتلى وجرحى ومفقودون، نزاعات وحوارات وعمليات قرصنة، فرق تفوز وأخرى تخسر وجماهير تصرخ، عالم يموج وأنا أموج معه، أتابع قليلا وفي يدي فنجان قهوة يغلي، وأنا أغلي. أحس أن في قلبي تدور معارك لا أعرف من أشعلها، ثم أنتبه، الساعة تشير إلى موعد خروجي من البيت، طرق ومواصلات، رجال يشتكون من النساء ونساء يلعنّ الرجال، فتيات ينتظرن أميرا لا يأتي، وشباب يحلمون بوطن غير هذا، وجوه تبعث على الضحك. مشاجرات بشأن الأجرة ورجل يسب رئيس الدولة لأن قطار السابعة قد تأخر. وآخر يحاول لفت نظري لوجوده ولعضلاته. فتاة تقف أمامي تدخن، تملأ رئتيها بدخان كثيف وتقذفه بقوة، يخرج من كل نوافذ وجهها وأنا أتأمل الدخان ووجهها ونظراتها الفارغة من كل شيء. وأسأل نفسي ترى ما اسمها!؟
أقف على الرصيف، بصري في اتجاه الأرض، أحمل حقيبة ثقيلة، بها ملابسي الطبية الجديدة، كم يكون اليوم ممتعا عندما تكون ملابسك جديدة، تمنحها حظوة داخل قلبك وأيامك لأنها جديدة، ثم تبدأ بالانضمام رويدا رويدا لكل تلك الملابس الحزينة في دولابك الكبير، تجيبك كل صباح وأنت تسأل سؤالك الصبياني، ماذا سأرتدي اليوم، بأنها هنا. لكنك لا تراها ولا تريدها ولا تستهويك، فتفقد بريقها وجمالها وتدخل في نوبة حزن لا تخرج منها حتى تغادر الدولاب. ذلك ما يجعل كل دولابك مهما كبر واتسع بئيسا حزينا لا ترى فيه سوى بضعة شراشيف. هي تماما كالبشر، نعتني بهم لأنهم ما زالوا جددا، نألفهم رويدا رويدا ثم نركنهم في دواليب مشاغلنا، مطمئنين أنهم هناك ينتظرون، ولا نلمح وجودهم أبدا ونمضي في رحلة بحث عن آخرين، وهم، يائسون يسبحون في انتظار ثقيل.
القهوة الساخنة تلسع أصابعي، فيتغير مزاجي، يتأخر القطار، ويعلو الضجيج، الركاب والأطفال وحراس القطار، وباعة الجرائد وعاملات النظافة، والمتحرشون، وأنا. يكثر حولي الكلام، والناس.
آه من الناس، أحاول أن أنزوي، أن أبحث عن مكان لا أرى ولا أسمع فيه أحدا، تماما ككهف أصحاب الكهف، أو بئر يوسف، أو غار حراء محمد، أو مكة إبراهيم، أو جبل موسى. لا أجد، أضحك من نفسي الحالمة، التي تريد الانزواء والاختلاء والابتعاد في مدينة إسمنتية جديدة جشعة. يأتي صوت شاحب وبارد من داخل رأسي، يستفزني بروده، كأنه ريح صباحي خفيف امتزج بثلج شمالي يحاول الذوبان، يخبرني غير آبه بي، نحن في عالم يُلزمكِ بأن تضمحلي وسط الضجيج، بأن تنصهري بالفوضى وأن تختلطي بالناس ومع الناس حتى يمتزجوا بأمعائك الدقيقة وعروقك ويخرجوا من جلدك وعرقك وأنفاسك وأفكارك. أحيانا أنظر للناس وهم يتكلمون ويشتكون فأحس بكلماتهم تزدحم داخل حلقي. ودموعهم تنحبس داخل مقلتي.
أجلس في مقعدي وأدعو في سري أن تعمى الأبصار عن المقاعد المحيطة بي، أغمض عيني وأتخيل الصمت، أتخيل الخواء والفراغ يحيط بي من كل جانب، أتخيل مكانا لا أسمع فيه شيئا، مطلقا، لا أشاهد فيه شيئا مطلقا، أنا وحدي وفقط. تعتريني رغبة بالعودة، بالعودة إلى البداية. إلى الطفلة التي كنت وما زلت ونسيت. يقف الناس بيني وبينها، تقف الأحداث والقطارات والأخبار والحروب والكتب والطموحات والشغف والأصدقاء والعائلة بيني وبينها. أحلم بسماع صوتها هي فقط، أشتاق لاحتضانها كجنين غير مكتمل النمو، أكاد أشعر بلمساتها المترددة، نظراتها الحائرة. كأنها تستفسر في تعجب، هل هذه فعلا أنا أحاول العودة. كم يلزمني من سنوات الهروب لأتجاوز كل هذا الصخب. وأعود إليها. لقد نمونا داخل الضجيج، امتزجت لحومنا بالقيل والقال، احتلنا التدافع، مللنا من التجسس على بعضنا البعض ولوم بعضنا البعض ولا يخطر ببالنا أبدا أن نتوقف. نستيقظ لنركض ونتطاحن ونسقط ونقف ونصرخ ونستمع ونرى ونتابع ونتجسس ونتآمر ونسمر ونرقص. وننام ليلا لنرى كوابيس تعيد نفس ما عشناه نهارا. ما أتعسنا.
أفتح عيني، سيدة تقترب لتجلس بجانبي، أبعد حقيبتي لأفسح لها المجال، تضع جسمها المتهالك على المقعد وترمقني بنظرة استطلاعية تحاول تحليل شخصيتي من خلالها، وترسل جملة لائقة لكل يوم وكل فصل وكل شخص وكل بقعة من بقاع الأرض “شمس جميلة اليوم” أفهم أنها تحاول فتح حوار. أضحك من الداخل، وعلى وجهي ترتسم ابتسامة، وأؤكد أن الشمس جميلة. تتحدث وتروي وتحكي وأنا أراقبها شاردة، أريدها أن تتوقف، أن تتركني وشأني أنا والطفلة، لا أستطيع، فأتخلى عن الطفلة، وأسألها عن وجهتها وأنصهر معها في حوار سننساه بمجرد ما أن يتوقف القطار.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى