الرأيزاوية القراء

عندما تموت الأمة

بقلم: خالص جلبي
عندما تموت الأمة يبقى الأفراد يأكلون ويشربون ويتناسلون، ويستمر وجود الأمة كأفراد في وحدات بيولوجية متفرقة لا يضمها خيط. ومؤشر الموت أمران: الانكفاء على الذات بحثا عن الخلاص الفردي، وفقد الانتماء. وهو مرض لا يحدث على نحو حاد بل على التدريج. وإذا تصورنا الأمة على شكل شبكة يحتل فيها الأفراد مكان عقد الاتصالات، والعلاقات الاجتماعية خيوط الشبكة، فإن تمزق الشبكة يحصل في الغالب عندما (يتضخم) الأفراد على حساب خيطان الشبكة.
وعندما يموت الشخص لا يضيع منه شيء كمواد أولية، فالماء والمواد المعدنية ترجع فتشارك في دورة الطبيعة، والأكسجين الذي تنفسته الديناصورات قبل 65 مليون سنة ما زال يدخل رئات الكثير من البشر، ولكن لم يبق على ظهر البسيطة ديناصور واحد. وعندما يموت الشخص يتحلل إلى مواده الأولية، ولكن هندسته البيولوجية الخاصة تندثر بالكامل، وما يحدث في موت الأمم شبيه بهذا. قد علمنا ما تنقص الأرض منهم وعندنا كتاب حفيظ.
وفي السرطان يحدث أمران مروعان: فبقدر دمار الجسم بقدر نشاط الخلايا المتسرطنة، ولو استؤصلت خلايا السرطان وغذيت فهي تتابع حياتها بعد موت الجسم في رحلة ضد الموت، وهو ما يحصل مع موت الأمم. فيستمر الأفراد في المحافظة على وجودهم البيولوجي (كوحدات)، مثل (طوب البناء) يمتصها مجتمع قوي فيبني نفسه منها.
وعندما مات المجتمع الأندلسي في القرن الخامس الهجري، بدأ في التفسخ على شكل دول الطوائف. والمرض الأندلسي لم نتعاف منه بعد.
وعندما تموت الأمة لا ينفع فيها الصراخ، كما أن إعطاء الأمل الكاذب لمريض مدنف لا يجعل منه لاعبا محترفا في الملاكمة العالمية. أما الطبيب فينظر في الجثة بهدوء، ويضع السماعة ثم يطلب من الأهل الترحم على الفقيد، ويبدأ الأهل في توزيع بطاقات النعي. وهناك من يظن أن كمال أتاتورك قضى على الخلافة العثمانية، وهو في الواقع لم يفعل أكثر من لصق بطاقات النعي على جدار البوسفور. كما دلت دابة الأرض على موت سليمان.
لا يمكن استيعاب حقيقة موت المجتمع ما لم نعرف ما هو المجتمع؛ فالمجتمع ليس (كومة) من الأفراد؛ إذا لكان تجمع الناس في مطار هيثرو يشكل أمة، ولكنه هندسة خاصة لمجموعة من البشر تقوم بنشاط مشترك.
وكما أن صدمة الموت عند الفرد حددها الطب بتوقف القلب عن الخفقان، فإن مؤشرات موت المجتمع تقع خارج البيولوجيا، بتوقف (الوظيفة)، ثم بداية (تحلل) الشكل حتى الوصول إلى مرحلة التفسخ الكامل.
في عام 1086م وقعت معركة حاسمة على حدود البرتغال، طحن فيها جيش المرابطين بقيادة (يوسف بن تاشفين) خيرة الجيوش الإسبانية في مكان عرف بالزلاقة (ساجراخاس Sagrajas) فوق نهر الميانة. ومعركة الزلاقة كانت استجابة لنداء النجدة الذي قام به ملوك الطوائف. ففي منتصف القرن الحادي عشر للميلاد آتى المرض الأموي أكله وتشرذم المجتمع الأموي إلى قبائل، وتصدع التاج إلى تيجان تلقفها صغار الملوك وصفهم الشاعر ابن رشيق:
أوصاف مملكة في غير موضعها كالهر يحكي انتفاخا صورة الأسد.
انتهى حكم هشام الأموي بعد أن مات وأحيي ثلاث مرات، كما يصف (ابن حيان) متهكما عند موتته الثالثة: «وصارت هذه الميتة لحامل هذا الاسم الميتة الثالثة، وعساها أن تكون إن شاء الله الصادقة، فكم قتل وكم مات، ثم انتفض من التراب، ومزق الكفن قبل نفخة الصور». ثم جاء الطاغية المنصور العامري الذي كان موظفا في القصر الملكي، واستطاع عن طريق صلته بالحريم الملكي (الملكة صبح، زوجة الخليفة الأموي) أن يقفز ليصبح ديكتاتور الأندلس المطلق. وعندما تصدع عرش الطاغية تصدعت مركزية الحكم، فنشأت دول وصفها ابن حزم بأشنع الألفاظ: «أخلوقة لم يقع في الدهر مثلها أن يقوم أربعة رجال في مسافة ثلاثة أيام كلهم يتسمى أمير المؤمنين ويخطب لهم في زمن واحد؛ ففي إشبيلية بنو عباد، وفي قرطبة بنو جهور، وفي سرقسطة بنو هود، وفي طليلطة ذو النون، أما بنو الأفطس فحكموا البرتغال، ونصب البرزالي نفسه في قرمونة». واستمر الوضع هكذا حتى عام 479هـ/ 1085م، حينما حصل الانهيار الأعظم فسقطت طليلطة (توليدو)، عاصمة الأندلس التقليدية، في يد الفونسو السادس. مما أدخل الرعب إلى مفاصل ملوك الطوائف المذعورين بأشد من رؤية فأر لقطة سوداء. ونظرا لضيق المسافة الزمنية بين فداحة الانهيار وقوة الإسلام في الجزيرة فقد بقي في القوم ذبالة من وعي تقرر ماذا تفعل أكثر من المحافظة على العروش. عبر عن هذا المعتمد بن عباد من إشبيلية فقال: «لأن أرعى جمال المسلمين خير لي من رعي خنازير النصارى». وهذا الذي حصل، حيث مات في الأسر ذليلا فقيرا ودفن مع زوجته اعتماد الرميكية، التي أخلصته الحب لآخر لحظة وتسمت باسمه (اعتماد والمعتمد)، ودفن الاثنان في قرية أغمات القريبة من مراكش، فقبر الحب يضم الاثنين في رحلة العالم الأخروي.
في معركة الزلاقة تحددت ثلاثة أمور: نهاية الأندلس ومعها دول الطوائف، فرملة الانهيار الإسلامي أربعة قرون حتى عام 1492م، وبزوغ فجر دول قوية تضم الأندلس اليتيمة تحت جناحها، وبذلك غاب مجتمع الطوائف الأندلسي في لجة التاريخ من يومها، وفي عام 1089م انتقل المد الصليبي إلى المشرق، فسقطت القدس وبدأ المشرق الإسلامي بالترنح وهو يتعرض لضغط مزدوج، فمن الشرق هدير الحصادة المغولية، ومن الغرب المطرقة الصليبية التي استمرت 171 عاما في أطول حرب عرفها الجنس البشري حتى عام 1270م، في سبع حملات صليبية شارك فيها حتى الصبيان بحملة خاصة.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق